الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      الهداية شرح بداية المبتدي

                                                                                      قال ( وإذا قتل ولي المعتوه  فلأبيه أن يقتل ) ; لأنه من الولاية على النفس شرع لأمر راجع إليها وهو تشفي الصدر فيليه كالإنكاح

                                                                                      [ ص: 226 ] ( وله أن يصالح ) ; لأنه أنظر في حق المعتوه ، وليس له أن يعفو ; لأن فيه إبطال حقه ( وكذلك إن قطعت يد المعتوه عمدا   ) لما ذكرنا ( والوصي بمنزلة الأب في جميع ذلك إلا أنه لا يقتل ) ; لأنه ليس له ولاية على نفسه وهذا من قبيله ، ويندرج تحت هذا الإطلاق الصلح عن النفس واستيفاء القصاص في الطرف فإنه لم يستثن إلا القتل

                                                                                      وفي كتاب الصلح أن الوصي لا يملك الصلح ; لأنه تصرف في النفس بالاعتياض عنه فينزل منزلة الاستيفاء

                                                                                      ووجه المذكور ها هنا [ ص: 227 ] أن المقصود من الصلح المال وأنه يجب بعقده كما يجب بعقد الأب بخلاف القصاص ; لأن المقصود التشفي وهو مختص بالأب ولا يملك العفو ; لأن الأب لا يملكه لما فيه من الإبطال فهو أولى

                                                                                      وقالوا القياس ألا يملك الوصي الاستيفاء في الطرف كما لا يملكه في النفس   ; لأن المقصود متحد وهو التشفي

                                                                                      وفي الاستحسان يملكه ; لأن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال فإنها خلقت وقاية للأنفس كالمال على ما عرف فكان استيفاؤه بمنزلة التصرف في المال ، والصبي بمنزلة المعتوه في هذا ، والقاضي بمنزلة الأب في الصحيح ; ألا ترى أن من قتل ولا ولي له  يستوفه السلطان ، والقاضي بمنزلته فيه

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      [ ص: 279 ] ( فصل الدية فيما دون النفس )

                                                                                      لما ذكر حكم الدية في النفس ذكر في هذا الفصل حكمها فيما دون النفس لأن الأطراف تابعة للنفس فأتبع ذكر حكمها أيضا تحقيقا للمناسبة ( قوله أصله قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية كلها في اللسان والأنف ) قال في الكافي وغاية البيان : فقسنا عليه غيره إذا كان في معناه انتهى .

                                                                                      أقول : فيه نظر ، لأن الدية من المقدرات الشرعية والقياس لا يجري فيها على ما عرف [ ص: 280 ] فالصواب عندي هنا أن يقال : فألحقنا به غيره دلالة ( قوله ولو قدر على التكلم ببعض الحروف قيل تقسم على عدد الحروف ، وقيل على عدد حروف تتعلق باللسان فبقدر ما لا يقدر تجب ) قال جمهور الشراح : والحروف التي تتعلق باللسان هي الألف والتاء والثاء والجيم والدال والراء والزاي والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء واللام والنون انتهى . وقال صاحب العناية بعد نقل ذلك عن النهاية : وفي كون الألف من ذلك نظر ، لأنه من أقصى الحلق على ما عرف انتهى .

                                                                                      أقول : نظره ساقط إذ الظاهر أن مراد جمهور الشراح بالألف والتاء والثاء وغيرها مما ذكروا هو الألفاظ التي يتهجى بها لا الحروف المبسوطة التي يتركب منها الكلم ، والذي من أقصى الحلق إنما هو الحرف الذي يقع جزء الكلم كما في أول أخذ وأوسط سأل وآخر قرأ ; لا الحرف الذي يتهجى به وهو لفظ ألف إذ هو مركب من ثلاثة أجزاء متعلق باللسان بواسطة جزئه الأوسط الذي هو اللام ، فمنشأ نظر صاحب العناية عدم وقوفه على مرادهم ، كيف ولو كان مرادهم ما توهمه لذكروا الهمزة بدل الألف كما لا يخفى .

                                                                                      فإن قلت : الألفاظ التي يتهجى بها أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة التي ركبت منها الكلم كما حققه صاحب الكشاف في أول سورة البقرة ، وجمهور الشراح إنما عدوا الألف ونظائره من الحروف التي تتعلق باللسان فكيف يصح أن يكون مرادهم بذلك [ ص: 281 ] ما يتهجى به من الألفاظ ؟ قلت : قد وقع في عبارات المتقدمين إطلاق الحروف على تلك الألفاظ مسامحة استعمالا للحرف في معنى الكلمة كما نص عليه أيضا صاحب الكشاف هناك وكلام هؤلاء الشراح هاهنا ، بل كلام المصنف أيضا جار على ذلك الاصطلاح الشائع فيما بين القوم ولهذا يقولون لها حروف التهجي .

                                                                                      فإن قلت : لم لم يريدوا بالحروف هاهنا الحروف المبسوطة التي يتركب منها الكلم ولم يخرجوا الألف من عداد الحروف التي تتعلق باللسان ؟ قلت : لعل سر ذلك أن الفائت من الحروف إنما يعرف بالامتحان ، والامتحان إنما يكون في العادة بحروف التهجي كما وقع بها في قصة علي رضي الله عنه ، وهي ما روي أن رجلا قطع طرف لسان رجل في زمن علي رضي الله عنه فأمره أن يقرأ أ ب ت ث فكلما قرأ حرفا أسقط من الدية بقدر ذلك ، وما لم يقرأ أوجب من الدية بحسابه وهو الأصل في هذا الباب كما صرح به في الشروح وغيرها ، فجروا هاهنا في العبارة والإرادة على وفق ذلك تأمل تقف




                                                                                      الخدمات العلمية