الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

فصل في المهايأة المهايأة  جائزة استحسانا للحاجة إليه ، إذ قد يتعذر الاجتماع على الانتفاع فأشبه القسمة . ولهذا يجري فيه [ ص: 456 ] جبر القاضي كما يجري في القسمة ، إلا أن القسمة أقوى منه في استكمال المنفعة لأنه جمع المنافع في زمان واحد ، والتهايؤ جمع على التعاقب ، ولهذا لو طلب أحد الشريكين القسمة والآخر المهايأة  يقسم القاضي لأنه أبلغ في التكميل . ولو وقعت فيما يحتمل القسمة ثم طلب أحدهما القسمة  يقسم وتبطل المهايأة لأنه أبلغ ، ولا يبطل التهايؤ بموت أحدهما  ولا بموتهما لأنه لو انتقض لاستأنفه الحاكم فلا فائدة في النقض ثم الاستئناف ( ولو تهايأ في دار واحدة على أن يسكن هذا طائفة وهذا طائفة أو هذا علوها وهذا سفلها  جاز ) لأن القسمة على هذا الوجه جائزة فكذا المهايأة ، والتهايؤ في هذا الوجه إفراز لجميع الأنصباء لا مبادلة ولهذه لا يشترط فيه التأقيت ( ولكل واحد أن يستغل ما أصابه [ ص: 457 ] بالمهايأة شرط ذلك في العقد أو لم يشترط ) لحدوث المنافع على ملكه ( ولو تهايئا في عبد واحد على أن يخدم هذا يوما وهذا يوما  جاز ) ، وكذا هذا في البيت الصغير ( لأن المهايأة قد تكون في الزمان ، [ ص: 458 ] وقد تكون من حيث المكان ) والأول متعين هاهنا ( ولو اختلفا في التهايؤ من حيث الزمان والمكان في محل يحتملهما  يأمرهما القاضي بأن يتفقا ) لأن التهايؤ في المكان أعدل وفي الزمان أكمل ، فلما اختلفت الجهة لا بد من الاتفاق ( فإن اختاراه من حيث الزمان يقرع في البداية ) نفيا للتهمة ( ولو تهايئا في العبدين على أن يخدم هذا هذا العبد والآخر الآخر  جاز عندهما ) لأن القسمة على هذا الوجه جائزة عندهما جبرا من القاضي وبالتراضي فكذا المهايأة . وقيل عند أبي حنيفة لا يقسم القاضي . وهكذا روي عنه لأنه لا يجري فيه الجبر عنده . [ ص: 459 ] والأصح أنه يقسم القاضي عنده أيضا ، لأن المنافع من حيث الخدمة قلما تتفاوت ، بخلاف أعيان الرقيق لأنها تتفاوت تفاوتا فاحشا على ما تقدم ( ولو تهايئا فيهما على أن نفقة كل عبد على من يأخذه  جاز ) استحسانا للمسامحة في إطعام المماليك بخلاف شرط الكسوة لا يسامح فيها ( ولو تهايئا في دارين على أن يسكن كل واحد منهما دارا  جاز ويجبر القاضي عليه ) وهذا عندهما ظاهر ، لأن الدارين عندهما كدار واحدة .

وقد قيل لا يجبر عنده اعتبارا بالقسمة . وعن أبي حنيفة أنه لا يجوز التهايؤ فيهما أصلا بالجبر لما قلنا ، وبالتراضي لأنه بيع السكنى بالسكنى ، بخلاف قسمة رقبتهما لأن بيع بعض أحدهما ببعض الآخر جائز . وجه الظاهر أن التفاوت يقل في المنافع فيجوز بالتراضي ويجري فيه جبر القاضي ويعتبر إفرازا أما يكثر التفاوت في أعيانهما فاعتبر مبادلة ( وفي الدابتين لا يجوز التهايؤ على الركوب  عند أبي حنيفة وعندهما يجوز ) اعتبارا بقسمة الأعيان .

وله أن الاستعمال يتفاوت بتفاوت الراكبين فإنهم بين حاذق وأخرق . والتهايؤ في الركوب في دابة واحدة  على هذا الخلاف لما قلنا ، بخلاف العبد لأنه يخدم باختياره فلا يتحمل زيادة على طاقته والدابة تحملها . وأما التهايؤ في الاستغلال  يجوز في الدار الواحدة في ظاهر الرواية [ ص: 460 ] وفي العبد الواحد والدابة الواحدة لا يجوز . ووجه الفرق هو أن النصيبين ، يتعاقبان في الاستيفاء ، والاعتدال ثابت في الحال . والظاهر بقاؤه في العقار وتغيره في الحيوان لتوالي أسباب التغير عليه فتفوت المعادلة . ولو زادت الغلة في نوبة أحدهما عليها في نوبة الآخر يشتركان في الزيادة ليتحقق التعديل ، بخلاف ما إذا كان التهايؤ على المنافع فاستغل أحدهما في نوبته زيادة ، لأن التعديل فيما وقع عليه التهايؤ حاصل وهو المنافع فلا تضره زيادة الاستغلال من بعد ( والتهايؤ على الاستغلال في الدارين جائز ) أيضا في ظاهر الرواية لما بينا ، ولو فضل غلة أحدهما لا يشتركان فيه بخلاف الدار الواحدة . والفرق أن في الدارين معنى التمييز ، والإفراز راجح لاتحاد زمان الاستيفاء ، وفي الدار الواحدة يتعاقب الوصول فاعتبر قرضا وجعل كل واحد في نوبته كالوكيل عن صاحبه فلهذا يرد عليه حصته من الفضل ، وكذا يجوز في العبدين عندهما اعتبارا بالتهايؤ في المنافع ، ولا يجوز عنده لأن التفاوت في أعيان الرقيق أكثر منه من حيث الزمان في العبد الواحد فأولى أن يمتنع الجواز ، [ ص: 461 ] والتهايؤ في الخدمة  جوز ضرورة ، ولا ضرورة في الغلة لإمكان قسمتها لكونها عينا ، ولأن الظاهر هو التسامح في الخدمة والاستقصاء في الاستغلال فلا يتقاسمان ( ولا يجوز في الدابتين عنده خلافا لهما ) والوجه ما بيناه في الركوب ( ولو كان نخل أو شجر أو غنم بين اثنين فتهايئا على أن يأخذ كل واحد منهما طائفة يستثمرها أو يرعاها ويشرب ألبانها  لا يجوز ) لأن المهايأة في المنافع ضرورة أنها لا تبقى فيتعذر قسمتها ، وهذه أعيان باقية ترد عليها القسمة عند حصولها . والحيلة أن يبيع حصته من الآخر ثم يشتري كلها بعد مضي نوبته أو ينتفع باللبن بمقدار معلوم استقراضا لنصيب صاحبه ، إذ قرض المشاع  جائز .

التالي السابق



الخدمات العلمية