الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قال ( والذبح  بين الحلق واللبة ) وفي الجامع الصغير : لا بأس بالذبح في الحلق كله وسطه وأعلاه وأسفله  ، والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام { الذكاة ما بين اللبة [ ص: 493 ] واللحيين } ، ولأنه مجمع المجرى والعروق فيحصل بالفعل فيه إنهار الدم على أبلغ الوجوه فكان حكم الكل سواء .

قال ( والعروق التي تقطع في الذكاة أربعة   : الحلقوم ، والمريء ، والودجان ) لقوله عليه الصلاة والسلام { أفر الأوداج بما شئت } . [ ص: 494 ] وهي اسم جمع وأقله الثلاث فيتناول المريء والودجين ، وهو حجة على الشافعي في الاكتفاء بالحلقوم والمريء ، إلا أنه لا يمكن قطع هذه الثلاثة إلا بقطع الحلقوم فيثبت قطع الحلقوم باقتضائه ، وبظاهر ما ذكرنا يحتج مالك ولا يجوز الأكثر منها بل يشترط قطع جميعها ( وعندنا إن قطعها حل الأكل ، وإن قطع أكثرها فكذلك عند أبي حنيفة ) وقالا : لا بد من قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين . قال رضي الله عنه : هكذا ذكر القدوري الاختلاف في مختصره . والمشهور في كتب مشايخنا رحمهم الله أن هذا قول أبي يوسف وحده . وقال في الجامع الصغير : إن قطع نصف الحلقوم ونصف الأوداج  لم يؤكل . وإن قطع أكثر الأوداج والحلقوم قبل أن يموت  أكل .

ولم يحك خلافا فاختلفت الرواية فيه . والحاصل أن عند أبي حنيفة إذا قطع [ ص: 495 ] الثلاث : أي ثلاث كان يحل ، وبه كان يقول أبو يوسف أولا ثم رجع إلى ما ذكرنا . وعن محمد أنه يعتبر أكثر كل فرد وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله ، لأن كل فرد منها أصل بنفسه لانفصاله عن غيره ولورود الأمر بفريه فيعتبر أكثر كل فرد منها . ولأبي يوسف أن المقصود من قطع الودجين إنهار الدم فينوب أحدهما عن الآخر ، إذ كل واحد منهما مجرى الدم . أما الحلقوم فيخالف المريء فإنه مجرى العلف والماء ، والمريء مجرى النفس فلا بد من قطعهما . ولأبي حنيفة أن الأكثر يقوم مقام الكل في كثير من الأحكام ، وأي ثلاث قطعها فقد قطع الأكثر منها وما هو المقصود يحصل بها هو إنهار الدم المسفوح والتوحية في إخراج الروح ، لأنه لا يحيا بعد قطع مجرى النفس أو الطعام ، ويخرج الدم بقطع أحد الودجين فيكتفى به تحرزا عن زيادة التعذيب ، بخلاف ما إذا قطع النصف لأن الأكثر باق فكأنه لم يقطع شيئا احتياطا لجانب الحرمة .

التالي السابق



الخدمات العلمية