الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
كتاب المساقاة ( قال أبو حنيفة : المساقاة بجزء من الثمر  باطلة ، وقالا : جائزة إذا ذكر مدة معلومة وسمى جزءا من الثمر مشاعا ) [ ص: 479 ] والمساقاة : هي المعاملة والكلام فيها كالكلام في المزارعة . وقال الشافعي رحمه الله : المعاملة جائزة ، ولا تجوز المزارعة إلا تبعا للمعاملة لأن الأصل في هذا المضاربة ، والمعاملة أشبه بها لأن فيه شركة في الزيادة دون الأصل . وفي المزارعة لو شرطا الشركة في الربح دون البذر بأن شرطا رفعه من رأس الخارج تفسد ، فجعلنا المعاملة أصلا ، وجوزنا المزارعة تبعا لها كالشرب في بيع الأرض والمنقول في وقف العقار ، وشرط المدة قياس فيها لأنها إجارة معنى كما في المزارعة .

وفي الاستحسان : إذا لم يبين المدة يجوز ويقع على أول ثمر يخرج ، لأن الثمر لإدراكها وقت معلوم وقلما يتفاوت ويدخل فيما ما هو المتيقن ، وإدراك البذر في أصول الرطبة في هذا بمنزلة إدراك الثمار ، لأن له نهاية معلومة فلا يشترط بيان المدة ، بخلاف الزرع لأن ابتداءه يختلف كثيرا خريفا [ ص: 480 ] وصيفا وربيعا ، والانتهاء بناء عليه فتدخله الجهالة ، وبخلاف ما إذا دفع إليه غرسا قد علق ولم يبلغ الثمر معاملة حيث لا يجوز إلا ببيان المدة لأنه يتفاوت بقوة الأراضي وضعفها تفاوتا فاحشا ، وبخلاف ما إذا دفع نخيلا أو أصول رطبة على أن يقوم عليها أو أطلق في الرطبة تفسد المعاملة ، لأنه ليس لذلك نهاية معلومة ، لأنها تنمو ما تركت في الأرض فجهلت المدة ( ويشترط تسمية الجزء مشاعا ) لما بينا في المزارعة إذ شرط جزء معين يقطع الشركة ( فإن سميا في المعاملة وقتا يعلم أنه لا يخرج الثمر فيها  فسدت المعاملة ) لفوات المقصود وهو الشركة في الخارج ( ولو سميا مدة قد يبلغ الثمر فيها وقد يتأخر عنها  جازت ) لأنا لا نتيقن بفوات المقصود ، ثم لو خرج في الوقت المسمى فهو على الشركة لصحة العقد ، وإن تأخر فللعامل أجر المثل لفساد العقد لأنه تبين الخطأ في المدة المسماة فصار كما إذا علم ذلك في الابتداء ، بخلاف ما إذا لم يخرج أصلا لأن الذهاب بآفة فلا يتبين فساد المدة فيبقى العقد صحيحا ، ولا شيء لكل واحد منهما على صاحبه .

قال ( وتجوز المساقاة في النخل والشجر والكرم والرطاب وأصول الباذنجان   ) وقال الشافعي في الجديد : لا تجوز إلا في الكرم والنخل ، لأن جوازها بالأثر وقد خصهما وهو حديث خيبر . ولنا أن الجواز للحاجة وقد عمت ، وأثر خيبر لا يخصهما لأن أهلها كانوا يعملون في الأشجار [ ص: 481 ] والرطاب أيضا ، ولو كان كما زعم فالأصل في النصوص أن تكون معلولة سيما على أصله ( وليس لصاحب الكرم أن يخرج العامل من غير عذر   ) لأنه لا ضرر عليه في الوفاء بالعقد ( وكذا ليس للعامل أن يترك العمل بغير عذر   ) بخلاف المزارعة بالإضافة إلى صاحب البذر على ما قدمناه . قال ( فإن دفع نخلا فيه تمر مساقاة والتمر يزيد بالعمل  جاز وإن كانت قد انتهت لم يجز ) وكذا على هذا إذا دفع الزرع وهو بقل جاز ، ولو استحصد وأدرك لم يجز ، لأن العامل إنما يستحق بالعمل ، ولا أثر للعمل بعد التناهي والإدراك ، فلو جوزناه لكان استحقاقا بغير عمل ولم يرد به الشرع ، بخلاف ما قبل ذلك لتحقق الحاجة إلى العمل .

قال ( وإذا فسدت المساقاة  فللعامل أجر مثله ) لأنه في معنى الإجارة الفاسدة ، وصار كالمزارعة إذا فسدت .

[ ص: 478 ]

التالي السابق



الخدمات العلمية