الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      الهداية شرح بداية المبتدي ( فَصْلٌ آخَرٌ ) قَالَ ( فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَلْفٌ بِالنِّصْفِ فَاشْتَرَى بِهَا بَزًّا فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ ثُمَّ اشْتَرَى بِالْأَلْفَيْنِ عَبْدًا فَلَمْ يَنْقُدْهُمَا حَتَّى ضَاعَا يَغْرَمُ رَبُّ الْمَالِ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَالْمُضَارِبُ خَمْسَمِائَةٍ وَيَكُونُ رُبْعُ الْعَبْدِ لِلْمُضَارِبِ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ ) قَالَ : هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ حَاصِلُ الْجَوَابِ ، لِأَنَّ الثَّمَنَ كُلَّهُ عَلَى الْمُضَارِبِ إِذْ هُوَ الْعَاقِدُ ، إِلَّا أَنَّ لَهُ حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ عَلَى مَا نُبَيِّنُ فَيَكُونُ عَلَيْهِ فِي الْأُجْرَةِ . وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا نَضَّ الْمَالُ ظَهَرَ الرِّبْحُ وَلَهُ مِنْهُ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ ، فَإِذَا اشْتَرَى بِالْأَلْفَيْنِ عَبْدًا صَارَ مُشْتَرِيًا رُبْعَهُ لِنَفْسِهِ وَثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ لِلْمُضَارَبَةِ عَلَى حَسَبِ انْقِسَامِ الْأَلْفَيْنِ ، وَإِذَا ضَاعَتِ الْأَلْفَانِ وَجَبَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ لِمَا بَيَّنَّاهُ ، وَلَهُ الرُّجُوعُ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الثَّمَنِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ مِنْ جِهَتِهِ فِيهِ وَيَخْرُجُ نَصِيبُ الْمُضَارِبِ وَهُوَ الرُّبْعُ مِنَ الْمُضَارَبَةِ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ وَمَالُ الْمُضَارَبَةِ أَمَانَةٌ وَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ وَيَبْقَى ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعَبْدِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يُنَافِي الْمُضَارَبَةَ ( وَيَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةٍ ) لِأَنَّهُ دَفَعَ مَرَّةً أَلْفًا وَمَرَّةً أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ ( وَلَا يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً إِلَّا عَلَى أَلْفَيْنِ ) لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا بِيعَ الْعَبْدُ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ فَحِصَّةُ الْمُضَارَبَةِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ يَرْفَعُ رَأْسَ الْمَالِ وَيَبْقَى خَمْسُمِائَةٍ رِبْحٌ بَيْنَهُمَا . قَالَ: ( وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَلْفٌ فَاشْتَرَى رَبُّ الْمَالِ عَبْدًا بِخَمْسِمِائَةٍ وَبَاعَهُ إِيَّاهُ بِأَلْفٍ فَإِنَّهُ يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً عَلَى خَمْسِمِائَةٍ ) لِأَنَّ هَذَا الْبَيْعَ مَقْضِيٌّ بِجَوَازِهِ لِتَغَايُرِ الْمَقَاصِدِ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ وَإِنْ كَانَ بِيعَ مِلْكُهُ بِمِلْكِهِ إِلَّا أَنَّ فِيهِ شُبْهَةَ الْعَدَمِ ، وَمَبْنَى الْمُرَابَحَةِ عَلَى الْأَمَانَةِ وَالِاحْتِرَازِ عَنْ شُبْهَةِ الْخِيَانَةِ فَاعْتُبِرَ أَقَلُّ الثَّمَنَيْنِ ، وَلَوِ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ عَبْدًا بِأَلْفٍ وَبَاعَهُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ بِأَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ بَاعَهُ مُرَابَحَةً بِأَلْفٍ وَمِائَةٍ لِأَنَّهُ اعْتُبِرَ عَدَمًا فِي حَقِّ نِصْفِ الرِّبْحِ وَهُوَ نَصِيبُ رَبِّ الْمَالِ وَقَدْ مَرَّ فِي الْبُيُوعِ . قَالَ: ( فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَلْفٌ بِالنِّصْفِ فَاشْتَرَى بِهَا عَبْدًا قِيمَتُهُ أَلْفَانِ فَقَتَلَ الْعَبْدُ رَجُلًا خَطَأً فَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْفِدَاءِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ وَرُبْعُهُ عَلَى الْمُضَارِبِ ) لِأَنَّ الْفِدَاءَ مُؤْنَةُ الْمِلْكِ فَيُتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْمِلْكِ وَقَدْ كَانَ الْمِلْكُ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا ، لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ الْمَالُ عَيْنًا وَاحِدًا ظَهَرَ الرِّبْحُ وَهُوَ أَلْفٌ بَيْنَهُمَا وَأَلْفٌ لِرَبِّ الْمَالِ بِرَأْسِ مَالِهِ لِأَنَّ قِيمَتَهُ أَلْفَانِ ، وَإِذَا فَدَيَا خَرَجَ الْعَبْدُ عَنِ الْمُضَارَبَةِ ، أَمَّا نَصِيبُ الْمُضَارِبِ فَلَمَّا بَيَّنَّاهُ ، وَأَمَّا نَصِيبُ رَبِّ الْمَالِ فَلِقَضَاءِ الْقَاضِي بِانْقِسَامِ الْفِدَاءِ عَلَيْهِمَا لِمَا أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ قِسْمَةَ الْعَبْدِ بَيْنَهُمَا وَالْمُضَارَبَةُ تَنْتَهِي بِالْقِسْمَةِ ، بِخِلَافٍ مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ فِيهِ عَلَى الْمُضَارِبِ وَإِنْ كَانَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْقِسْمَةِ ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ كَالزَّائِلِ عَنْ مِلْكِهِمَا بِالْجِنَايَةِ ، وَدَفْعُ الْفِدَاءِ كَابْتِدَاءِ الشِّرَاءِ فَيَكُونُ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا لَا عَلَى الْمُضَارَبَةِ يَخْدُمُ الْمُضَارِبَ يَوْمًا وَرَبَّ الْمَالِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ قَالَ: ( فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَلْفٌ فَاشْتَرَى بِهَا عَبْدًا فَلَمْ يَنْقُدْهَا حَتَّى هَلَكَتْ يَدْفَعُ رَبُّ الْمَالِ ذَلِكَ الثَّمَنَ وَرَأْسُ الْمَالِ جَمِيعُ مَا يَدْفَعُ إِلَيْهِ رَبُّ الْمَالِ ) لِأَنَّ الْمَالَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ وَلَا يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا ، وَالِاسْتِيفَاءُ إِنَّمَا يَكُونُ بِقَبْضٍ مَضْمُونٍ وَحُكْمُ الْأَمَانَةِ يُنَافِيهِ فَيَرْجِعُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ إِذَا كَانَ الثَّمَنُ مَدْفُوعًا إِلَيْهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ وَهَلَكَ بَعْدَ الشِّرَاءِ حَيْثُ لَا يَرْجِعُ إِلَّا مَرَّةً لِأَنَّهُ أَمْكَنَ جَعْلُهُ .مُسْتَوْفِيًا ، لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تُجَامِعُ الضَّمَانَ كَالْغَاصِبِ إِذَا تَوَكَّلَ بِبَيْعِ الْمَغْصُوبِ ، ثُمَّ فِي الْوَكَالَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَرْجِعُ مَرَّةً ، وَفِيمَا إِذَا اشْتَرَى ثُمَّ دَفَعَ الْمُوَكِّلُ إِلَيْهِ الْمَالَ فَهَلَكَ لَا يَرْجِعُ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ حَقُ الرُّجُوعِ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ فَجُعِلَ مُسْتَوْفِيًا بِالْقَبْضِ بَعْدَهُ ، أَمَّا الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْأَمَانَةِ بَعْدَهُ فَلَمْ يَصِرْ مُسْتَوْفِيًا ، فَإِذَا هَلَكَ رَجَعَ عَلَيْهِ مَرَّةً ثُمَّ لَا يَرْجِعُ لِوُقُوعِ الِاسْتِيفَاءِ عَلَى مَا مَرَّ فتح القدير ( فَصْلٌ آخَرُ ) لَمَّا كَانَتْ مَسَائِلُ هَذَا الْفَصْلِ مُتَفَرِّقَةً ذَكَرَهَا فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ ، وَلَمَّا لَمْ تَكُنْ مِنْ نَفْسِ مَسَائِلِ الْمُضَارَبَةِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا لِلْمُضَارَبَةِ أَخَّرَ ذِكْرَهَا . ( قَوْلُهُ : بِخِلَافِ الْوَكِيلِ إِذَا كَانَ الثَّمَنُ مَدْفُوعًا إِلَيْهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ وَهَلَكَ بَعْدَ الشِّرَاءِ ؛ حَيْثُ لَا يَرْجِعُ إِلَّا مَرَّةً ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ جَعْلُهُ مُسْتَوْفِيًا ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تُجَامِعُ الضَّمَانَ كَالْغَاصِبِ إِذَا تَوَكَّلَ بِبَيْعِ الْمَغْصُوبِ ) ، يَعْنِي: أَنَّ الْغَاصِبَ إِذَا تَوَكَّلَ بِبَيْعِ الْمَغْصُوبِ يَصِيرُ وَكِيلًا وَلَا يَبْرَأُ عَنِ الضَّمَانِ بِمُجَرَّدِ الْوَكَالَةِ ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْمَغْصُوبُ وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَلَمْ يُعْتَبَرْ أَمِينًا . قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ : وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ هُنَاكَ بِاعْتِبَارِ سَبَبٍ هُوَ تَعَدٍّ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَى قَبْضِ الْأَمَانَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَا جَمِيعًا ، وَلَيْسَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ سَبَبٌ سِوَى الْقَبْضِ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ ، وَلَا نُسَلِّمُ صَلَاحِيَتَهُ لِإِثْبَاتِ حُكْمَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ . ثُمَّ قَالَ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُصَنِّفِ دَفْعُ اسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِهِمَا ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مُسْتَوْفِيًا فَثَابِتٌ بِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْمُوَكِّلِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ مُسْتَوْفِيًا لَبَطَلَ حَقُّ الْمُوَكِّلِ إِذَا رَجَعَ عَلَيْهِ بِأَلْفٍ أُخْرَى أَصْلًا . فَأَمَّا هَاهُنَا فَحَقُّ رَبِّ الْمَالِ لَا يَضِيعُ ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُ بِرَأْسِ الْمَالِ وَيَسْتَوْفِيهِ مِنَ الرِّبْحِ ، وَحَمْلُهُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ يَضُرُّ الْمُضَارِبَ فَاخْتَرْنَا أَهْوَنَ الْأَمْرَيْنِ ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ فَضَرَرُهُ بِهَلَاكِ الثَّمَنِ لَا يُوجِبُ الرُّجُوعَ عَلَى الْمُشْتَرِي، انْتَهَى . أَقُولُ : فِي الْجَوَابِ نَظَرٌ : أَمَّا أَوَّلًا : فَلِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: " لِأَنَّهُ أَمْكَنَ جَعْلُهُ مُسْتَوْفِيًا ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تُجَامِعُ الضَّمَانَ ، كَالْغَاصِبِ إِذَا تَوَكَّلَ بِبَيْعِ الْمَغْضُوبِ"، صَرِيحٌ فِي إِثْبَاتِ إِمْكَانِ جَعْلِهِ مُسْتَوْفِيًا بِمُجَامَعَةِ الْوَكَالَةِ الضَّمَانُ فِي صُورَةِ تَوَكُّلِ الْغَاصِبِ بِبَيْعِ الْمَغْصُوبِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : مَقْصُودُهُ مُجَرَّدُ دَفْعِ اسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِهِمَا . وَلَئِنْ سُلِّمَ ذَلِكَ فَلَا يَنْدَفِعُ بِهِ النَّظَرُ الْمَذْكُورُ ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّ السَّبَبَ فِي صُورَةِ تَوْكِيلِ الْغَاصِبِ بِبَيْعٍ الْمَغْصُوبِ مُتَعَدِّدٌ ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَاحِدٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِمْكَانِ اجْتِمَاعِهِمَا هُنَاكَ إِمْكَانُ اجْتِمَاعِهِمَا هَاهُنَا . وَأَمَا ثَانِيًا : فَلِأَنَّ قَوْلَهُ : وَأَمَّا كَوْنُهُ مُسْتَوْفِيًا فَثَابِتٌ بِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْمُوكِّلِ لَيْسَ بِتَامٍّ ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ اللَّازِمَ لِلْمُوَكَّلِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ الْوَكِيلُ بِأَلْفٍ أُخْرَى إِنَّمَا هُوَ الضَّرَرُ الضَّرُورِيُّ الْغَيْرُ النَّاشِئِ مِنْ صُنْعِ الْوَكِيلِ ؛ إِذِ الْكَلَامُ فِيمَا إِذَا هَلَكَ الثَّمَنُ الْمَدْفُوعُ إِلَى الْوَكِيلِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ وَلَا مَحْذُورَ شَرَعًا فِي مِثْلِ هَذَا الضَّرَرِ حَتَّى يَجْعَلَ الْمُوكِّلَ مُسْتَوْفِيًا لِأَجْلِ دَفْعِ ذَلِكَ عَنْهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ مَعَ كَوْنِ يَدِهِ يَدَ أَمَانَةٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَدِيعَةَ إِذَا هَلَكَتْ فِي يَدِ الْمُودَعِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ يَلْزَمُ الْمُودَعَ مِثْلُ هَذَا الضَّرَرِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُودِعِ الضَّمَانُ لِدَفْعِ ذَلِكَ عَنِ الْمُوَدَعِ بِلَا رَيْبٍ . وَأَمَّا ثَالِثًا : فَلِأَنَّ قَوْلَهُ : "وَأَمَّا هَاهُنَا فَحَقُّ رَبِّ الْمَالِ لَا يَضِيعُ"، إِلَى قَوْلِهِ : "فَاخْتَرْنَا"، أَهْوَنُ الْأَمْرَيْنِ غَيْرُ مُتَمَشٍّ فِيمَا إِذَا هَلَكَ الْأَلْفُ وَالْعَبْدُ مَعًا ؛ إِذْ لَا يَبْقَى حِينَئِذٍ شَيْءٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ حَتَّى يَلْحَقَ الْهَالِكَ مِنْهُ فَيَسْتَوْفِيهِ رَبُّ الْمَالِ مِنَ الرِّبْحِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ جَوَابَ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ دَفْعُ رَبِّ الْمَالِ الثَّمَنَ الْهَالِكَ وَرُجُوعُ الْمُضَارِبِ عَلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى جَارٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ : ذَكَرَ الْإِمَامُ الْمَحْبُويِىُّ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُضَارِبِ وَالْوَكِيلِ : أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ . وَالثَّانِي : أَنَّا لَوْ لَمْ نَحْمِلْ مَا قَبَضَهُ الْوَكِيلُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ لَأَبْطَلْنَا حَقَّ الْمُوَكِّلِ أَصْلًا ؛ لِأَنَّهُ إِذَا رَجَعَ عَلَيْهِ بِأَلْفٍ أُخْرَى ضَاعَ ذَلِكَ أَصْلًا، فَأَمَّا هَاهُنَا فَحَقُّ رَبِّ الْمَالِ لَا يَضِيعُ إِذَا حَمَلْنَا عَلَى الْأَمَانَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُ بِرَأْسِ الْمَالِ وَيَسْتَوْفِيهِ مِنَ الرِّبْحِ . وَلَوْ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ يَلْحَقُ الْمُضَارِبَ ضَرَرٌ فَوَجَبَ اخْتِيَارُ أَهْوَنِ الْأَمْرَيْنِ . وَالثَّالِثُ أَنَّ الْوَكِيلَ لَمَّا اشْتَرَى فَقَدِ انْعَزَلَ عَنِ الْوَكَالَةِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُوكِّلِ بَعْدَهُ ، فَأَمَّا الْمُضَارِبُ فَلَا يَنْعَزِلُ بِالشِّرَاءِ وَيَتَصَرَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ لِرَبِّ الْمَالِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، انْتَهَى . أَقُولُ : فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ نَظَرٌ . أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِمَا عَرَفْتَهُ آنِفًا : وَأَمَّا فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَرْجِعَ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ فِي مَرَّةٍ أُولَى أَيْضًا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ مَدْفُوعًا إِلَيْهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ مَعَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِرُجُوعِهِ عَلَيْهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فِي تِلْكَ الصُّورَةِ . أَمَّا اقْتِضَاءُ الثَّانِي ذَلِكَ فَلِأَنَّ إِبْطَالَ حَقِّ الْمُوَكِّلِ يَتَحَقَّقُ بِالرُّجُوعِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى أَيْضًا لِعِلَّةٍ مَذْكُورَةٍ . وَأَمَّا اقْتِضَاءُ الثَّالِثِ إِيَّاهُ فَلِأَنَّ انْعِزَالَ الْوَكِيلِ عَنِ الْوَكَالَةِ لَمَّا تَحَقَّقَ بِالِاشْتِرَاءِ كَانَ الرُّجُوعُ بِالْهَلَاكِ بَعْدَ الِاشْتِرَاءِ رُجُوعًا بِمَا حَدَثَ بَعْدَ زَوَالِ الْأَمَانَةِ بِالِانْعِزَالِ وَلَوْ كَانَ فِي مَرَّةٍ أُولَى . وَأَيْضًا يُرَدُّ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي مَا أَوْرَدْنَاهُ ثَانِيًا وَثَالِثًا عَلَى جَوَابِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ عَنْ نَظَرِهِ تَأَمَّلْ تَقَفَّ . ثُمَّ أَقُولُ : "الْحَقُّ عِنْدِي فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُضَارِبِ وَالْوَكِيلِ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ أَنْ يُقَالَ : قَبْضُ الْوَكِيلِ بَعْدَ الشِّرَاءِ اسْتِيفَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ لَهُ عَلَى الْمُوكِّلِ مِثْلُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِلْبَائِعِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ مِنَ الْمُوَكِّلِ ؛ حَيْثُ انْعَقَدَ بَيْنَهُمَا مُبَادَلَةٌ حُكْمِيَّةٌ كَمَا مَرَّ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ ، فَإِذَا قَبَضَ الثَّمَنَ بَعْدَ الشِّرَاءِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا لَهُ فَصَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ ، فَإِذَا هَلَكَ بَعْدُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَلِهَذَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ أَصْلًا فِيمَا إِذَا اشْتَرَى ثُمَّ دَفَعَ الْمُوَكِّلُ إِلَيْهِ الثَّمَنَ فَهَلَكَ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ إِلَّا مَرَّةً فِيمَا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ مَدْفُوعًا إِلَيْهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ أَمَانَةً فِي يَدِهِ وَهَلَكَ بَعْدَ الشِّرَاءِ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ : لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ فَجُعِلَ مُسْتَوْفِيًا بِالْقَبْضِ بَعْدَهُ ، أَمَّا الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْأَمَانَةِ بَعْدَهُ فَلَمْ يَصِرْ مُسْتَوْفِيًا ، فَإِذَا هَلَكَ رَجَعَ عَلَيْهِ مَرَّةً ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُ لِوُقُوعِ الِاسْتِيفَاءِ عَلَى مَا مَرَّ فَتَأَمَّلْ .

                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                      الخدمات العلمية