الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      الهداية شرح بداية المبتدي ( كِتَابُ الصُّلْحِ ) قَالَ : ( الصُّلْحُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ : صُلْحٌ مَعَ إِقْرَارٍ ، وَصُلْحٌ مَعَ سُكُوتٍ ، وَهُوَ أَنْ لَا يُقِرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا يُنْكِرَ ، وَصُلْحٌ مَعَ إِنْكَارٍ ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ ) ؛ لِإِطْلَاقِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : كُلُّ صُلْحٍ جَائِزٌ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ مَعَ إِنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ لِمَا رَوَيْنَا ، وَهَذَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِأَنَّ الْبَدَلَ كَانَ حَلَالًا عَلَى الدَّافِعِ حَرَامًا عَلَى الْآخِذِ ، فَيَنْقَلِبُ الْأَمْرُ ، وَلِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَدْفَعُ الْمَالَ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ وَهَذَا رِشْوَةٌ . وَلَنَا مَا تَلَوْنَا ، وَأَوَّلُ مَا رَوَيْنَا وَتَأْوِيلُ آخِرِهِ أَحَلَّ حَرَامًا لِعَيْنِهِ كَالْخَمْرِ ، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا لِعَيْنِهِ كَالصُّلْحِ عَلَى أَنْ لَا يَطَأَ الضَّرَّةَ وَلِأَنَّ هَذَا صُلْحٌ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ فَيُقْضَى بِجَوَازِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَأْخُذُهُ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ فِي زَعْمِهِ وَهَذَا مَشْرُوعٌ ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَدْفَعُهُ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ عَنْ نَفْسِهِ وَهَذَا مَشْرُوعٌ أَيْضًا ؛ إِذِ الْمَالُ وِقَايَةُ الْأَنْفُسِ وَدَفْعُ الرِّشْوَةِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ أَمْرٌ جَائِزٌ . فتح القدير ( كِتَابُ الصُّلْحِ ) قَدْ مَرَّ مُنَاسَبَةُ الصُّلْحِ بِالْإِقْرَارِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِقْرَارِ . وَالصُّلْحُ فِي اللُّغَةِ : اسْمٌ لِلْمُصَالَحَةِ الَّتِي هِيَ الْمُسَالَمَةُ خِلَافَ الْمُخَاصَمَةِ . وَأَصْلُهُ مِنَ الصَّلَاحِ ، وَهُوَ اسْتِقَامَةُ الْحَالِ فَمَعْنَاهُ دَالٌّ عَلَى حُسْنِهِ الذَّاتِيِّ . وَفِي الشَّرِيعَةِ : عِبَارَةٌ عَنْ عَقْدٍ وُضِعَ لِرَفْعِ الْمُنَازَعَةِ . وَسَبَبُهُ : تَعَلُّقُ الْبَقَاءِ الْمُقَدَّرِ بِتَعَاطِيهِ ، كَمَا فِي سَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ . وَرُكْنُهُ : الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ ، كَذَا ذُكِرَ فِي الْبَدَائِعِ وَالْكَافِي وَكَثِيرٍ مِنَ الشُّرُوحِ . قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنَ النِّهَايَةِ : وَرُكْنُهُ الْإِيجَابُ مُطْلَقًا وَالْقَبُولُ فِيمَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ ، وَأَمَّا إِذَا وَقَعَ الدَّعْوَى فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَطَلَبِ الصُّلْحِ عَلَى ذَلِكَ الْجِنْسِ فَقَدْ تَمَّ الصُّلْحُ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي : قَبِلْتُ ، وَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى قَبُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ لِبَعْضِ الْحَقِّ ، وَهُوَ يَتِمُّ بِالْمُسْقِطِ ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ طَلَبُ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَمَنْ طَلَبَ الْبَيْعَ مِنْ غَيْرِهِ فَقَالَ ذَلِكَ الْغَيْرُ : بِعْتُ ، لَا يَتِمُّ الْبَيْعُ مَا لَمْ يَقُلِ الطَّالِبُ قَبِلْتُ ، انْتَهَى . أَقُولُ : فِيهِ بَحْثٌ ، أَمَّا أَوَّلًا : فَلِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ أَنَّ الصُّلْحَ إِذَا وَقَعَ عَنْ إِقْرَارٍ فَإِنْ كَانَ عَنْ مَالٍ بِمَالٍ اعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْبِيَاعَاتِ . وَإِنْ كَانَ عَنْ مَالٍ بِمَنَافِعَ اعْتُبِرَ بِالْإِجَارَاتِ ، وَإِذَا وَقَعَ عَنْ سُكُوتٍ أَوْ إِنْكَارٍ كَانَ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِافْتِدَاءِ الْيَمِينِ وَقَطْعِ الْخُصُومَةِ وَفِي حَقِّ الْمُدَّعِي بِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ ، فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الضَّابِطَةُ ، فَلَوْ وَقَعَ الدَّعْوَى فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَطَلَبِ الصُّلْحِ عَلَى ذَلِكَ الْجِنْسِ ، وَكَانَ وُقُوعُ الصُّلْحِ عَنْ سُكُوتٍ أَوْ إِنْكَارٍ وَجَبَ أَنْ لَا يَتِمَّ الصُّلْحُ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي : قَبِلْتُ ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ إِسْقَاطًا لِبَعْضِ الْحَقِّ وَاسْتِيفَاءً لِبَعْضِهِ الْآخَرِ فِيمَا إِذَا وَقَعَ عَنْ سُكُوتٍ أَوْ إِنْكَارٍ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي . وَأَمَّا فِي حَقّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنَّمَا هُوَ لِافْتِدَاءِ الْيَمِينِ وَقَطْعِ الْخُصُومَةِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهِ أَيْضًا حَتَّى يَتَحَقَّقَ الِافْتِدَاءُ وَتَنْقَطِعَ الْخُصُومَةُ . وَأَمَا ثَانِيًا : فَلِأَنَّهُ إِذَا وَقَعَ الدَّعْوَى فِيمَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ كَالدَّارِ مَثَلًا ، فَصُولِحَ عَلَى قِطْعَةٍ مِنْهَا وَأُلْحِقَ بِهِ ذِكْرُ الْبَرَاءَةِ عَنْ دَعْوَى الْبَاقِي كَانَ الصُّلْحُ صَحِيحًا عَلَى مَا سَيَجِيءُ فِي الْكِتَابِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ هُنَاكَ أَيْضًا بِقَوْلِ الْمُدَّعِي : قَبِلْتُ ، بِدُونِ قَبُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ إِسْقَاطًا لِدَعْوَى بَعْضِ الْحَقِّ بِمِثْلِ مَا قَالَ فِيمَا إِذَا وَقَعَ الدَّعْوَى فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَطَلَبِ الصُّلْحِ عَلَى ذَلِكَ الْجِنْسِ فَلَا يَتِمُّ إِطْلَاقُ قَوْلِهِ وَالْقَبُولِ فِيمَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ . وَأَمَا ثَالِثًا : فَلِأَنَّ قَوْلَهُ : " لِأَنَّهُ طَلَبُ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِهِ . . . " إِلَخْ ، فِي تَعْلِيلِ قَوْلِهِ : بِخِلَافِ الْأَوَّلِ قَاصِرٌ عَنْ إِفَادَةِ كُلِّيَّةِ الْمُدَّعِي ، وَهُوَ رُكْنِيَّةُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مَعًا فِيمَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ مُطْلَقًا ؛ فَإِنَّ طَلَبَ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِهِ لَا يَتَمَشَّى فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الْمُنْدَرِجَةِ فِي الضَّابِطَةِ الْمَذْكُورَةِ لِلصُّلْحِ . بَلْ إِنَّمَا يَتَمَشَّى فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهَا ، وَهِيَ مَا إِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَنْ إِقْرَارٍ وَكَانَ مَالًا بِمَالٍ ، فَتَأَمَّلْ . وَشَرْطُ مُطْلَقِ الصُّلْحِ : كَوْنُ الْمَصَالَحِ عَنْهُ مِمَّا يَجُوزُ عَنْهُ الِاعْتِيَاضُ . وَلِأَنْوَاعِهِ شُرُوطٌ أُخَرُ سَيَأْتِي تَفْصِيلُهَا فِي الْكِتَابِ . وَحُكْمُهُ : وُقُوعُ الْبَرَاءَةِ عَنْ دَعْوَى الْمُدَّعِي ، كَذَا فِي الْكَافِي وَبَعْضِ الشُّرُوحِ . قَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنَ النِّهَايَةِ : وَحُكْمُهُ تَمَلُّكُ الْمُدَّعِي الْمُصَالَحَ عَلَيْهِ مُنْكِرًا كَانَ الْخَصْمُ أَوْ مُقِرًّا ، وَوُقُوعُهُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْمُصَالِحِ عَنْهُ إِنْ كَانَ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ وَالْبَرَاءَةَ لَهُ فِي غَيْرِهِ إِنْ كَانَ مُقِرًّا ، وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا فَحُكْمُهُ وُقُوعُ الْبَرَاءَةِ عَنْ دَعْوَى الْمُدَّعِي احْتَمَلَ الْمُصَالَحُ عَنْهُ التَّمْلِيكَ أَوْ لَا ، انْتَهَى . أَقُولُ : فِيهِ كَلَامٌ ، وَهُوَ أَنَّ الْمُصَالَحَ عَلَيْهِ أَيْضًا قَدْ يَكُونُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ كَتَرْكِ الدَّعْوَى ، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إِذَا ادَّعَى حَقًّا فِي دَارِ رَجُلٍ وَادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا فِي أَرْضٍ بِيَدِ الْمُدَّعِي فَاصْطَلَحَا عَلَى تَرْكِ الدَّعْوَى ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ ، فَجُعِلَ حُكْمُ الصُّلْحِ فِي جَانِبِ الْمُصَالَحِ عَنْهُ قِسْمَيْنِ : تَمَلُّكُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِيَّاهُ ، وَبَرَاءَتُهُ عَنْ دَعْوَى الْمُدَّعِي . وَفِي جَانِبِ الْمُصَالَحِ عَلَيْهِ قِسْمًا وَاحِدًا هُوَ تَمَلُّكُ الْمُدَّعِي إِيَّاهُ مَعَ جَرَيَانِ احْتِمَالِ التَّمْلِيكِ وَعَدَمِ احْتِمَالِهِ فِي الْجَانِبَيْنِ مَعًا ، مِمَّا لَا يَخْلُو عَنْ تَحَكُّمٍ ، فَإِنْ نُوقِشَ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ كَوْنَ الْمُصَالَحِ عَلَيْهِ تَرْكُ الدَّعْوَى فِي ذَلِكَ أَمْرٌ ظَاهِرِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ ، وَإِنَّمَا الْمَصَالَحُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً فِي ذَلِكَ مَا ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْحَقِّ فِيمَا بِيَدِ الْآخَرِ ؛ فَإِنَّهُ يَقَعُ مُصَالَحًا عَنْهُ بِالنَّظَرِ إِلَى ذِي الْيَدِ ، وَمُصَالَحًا عَلَيْهِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْآخَرِ ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ قَطْعًا . قُلْنَا : فَمَاذَا يُقَالُ فِيمَا إِذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ قِصَاصًا فَاصْطَلَحَا عَلَى تَرْكِ الدَّعْوَى وَالْعَفْوِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ ؛ إِذْ لَا شَكَّ أَنَّهُ كَمَا أَنَّ تَرْكَ الدَّعْوَى وَالْعَفْوَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ ، كَذَلِكَ نَفْسُ الْقِصَاصِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُهُ ، فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ تَمَلُّكُ الْمُدَّعِي الْمَصَالَحَ عَلَيْهِ ، بَلْ إِنَّمَا يَتَيَسَّرُ فِيهَا بَرَاءَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ دَعْوَى الْآخَرِ . بَقِيَ هَاهُنَا كَلَامٌ آخَرُ ، وَهُوَ : أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى رَجُلٌ دَارًا وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَدَفَعَ الْمُدَّعِي إِلَى ذِي الْيَدِ شَيْئًا بِطَرِيقِ الصُّلْحِ وَأَخَذَ الدَّارَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الشُّرُوحِ . وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْفَصْلِ السَّابِعِ مِنْ فَصُولِ الْإِسْتَرُوشَنِيِّ مَعَ أَنَّهُ يَمْلِكُ هُنَاكَ الْمُدَّعِي الْمُصَالَحَ عَنْهُ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُصَالَحَ عَلَيْهِ فَيَنْتَقِضُ مَا ذُكِرَ مِنْ حُكْمِ الصُّلْحِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ طَرْدًا وَعَكْسًا ، فَتَأَمَّلْ . ( قَوْلُهُ : الصُّلْحُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ . . . ) إِلَخْ . قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ : الْحَصْرُ عَلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ ضَرُورِيٌّ ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ وَقْتَ الدَّعْوَى إِمَّا أَنْ يَسْكُتَ أَوْ يَتَكَلَّمَ مُجِيبًا وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ . لَا يُقَالُ : قَدْ يَتَكَلَّمُ بِمَا لَا يَتَّصِلُ بِمَحَلِّ النِّزَاعِ ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ بِقَوْلِنَا : مُجِيبًا ، انْتَهَى . أَقُولُ : يَرُدُّ عَلَى ظَاهِرِ جَوَابِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا يُفِيدُ انْحِصَارَ تَقْسِيمِهِ الثَّانِي ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ ، وَلَا يُفِيدُ انْحِصَارَ تَقْسِيمِهِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : إِنَّ الْخَصْمَ وَقْتَ الدَّعْوَى إِمَّا أَنْ يَسْكُتَ أَوْ يَتَكَلَّمَ مُجِيبًا ؛ إِذْ تَخْرُجُ صُورَةُ التَّكَلُّمِ بِمَا لَا يَتَّصِلُ بِمَحَلِّ النِّزَاعِ عَنْ قَسَمَيْهِ مَعًا ، فَيَبْقَى الِاعْتِرَاضُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى قَوْلِهِ : الْحَصْرُ عَلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ ضَرُورِيٌّ . وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : الْمُرَادُ بِالسُّكُوتِ فِي قَوْلِهِ : إِمَّا أَنْ يَسْكُتَ أَوْ يَتَكَلَّمَ مُجِيبًا ، هُوَ السُّكُوتُ عَنِ التَّكَلُّمِ مُجِيبًا لَا السُّكُوتُ مُطْلَقًا وَهُوَ عَدَمُ التَّكَلُّمِ أَصْلًا ، فَتَدْخُلُ الصُّورَةُ الْمَزْبُورَةُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ تَقْسِيمِهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُ : إِمَّا أَنْ يَسْكُتَ ، فَيَصِحُّ قَوْلُهُ : الْحَصْرُ عَلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ ضَرُورِيٌّ ، وَتَفْسِيرُ السُّكُوتِ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ : وَهُوَ أَنْ لَا يُقِرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا يُنْكِرَ لَا يَخْلُو عَنْ إِيمَاءٍ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّكُوتِ هَاهُنَا هُوَ السُّكُوتُ عَنِ الْجَوَابِ دُونَ مُطْلَقِ السُّكُوتِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى مُطْلَقِ السُّكُوتِ مَعَ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ التَّفْسِيرِ لَيْسَ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ بَلْ هُوَ أَلَّا يَتَكَلَّمَ أَصْلًا . ( قَوْلُهُ : وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِإِطْلَاقِ . . . ) إِلَخْ تَسَامَحَ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا فِي التَّعْبِيرِ ؛ حَيْثُ قَالَ لِإِطْلَاقِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَذْهَبُ عَلَيْكَ أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى جَوَازِ كُلِّ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ قَوْلُهُ : الْمُطْلَقُ ، لَا إِطْلَاقَ قَوْلِهِ إِلَّا أَنَّهُمْ كَثِيرًا مَا يَتَسَامَحُونَ فِي الْعِبَارَةِ فِي أَمْثَالِ هَذَا بِنَاءً عَلَى ظُهُورِ الْمُرَادِ وَتَنْبِيهًا عَلَى فَائِدَةٍ تُفِيدُهَا تِلْكَ الْعِبَارَةُ ، كَمَا فِي تَعْرِيفِهِمُ الْعِلْمَ بِحُصُولِ صُورَةِ الشَّيْءِ فِي الْعَقْلِ مَعَ أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الصُّورَةُ الْحَاصِلَةُ فِي الْعَقْلِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ الْفَاضِلُ الشَّرِيفُ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ . قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي حَلِّ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِإِطْلَاقِ قَوْلُهُ تَعَالَى ، أَيْ : لِقَوْلِهِ الْمُطْلَقِ : فَالْإِضَافَةُ مِنْ قَبِيلِ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ ، انْتَهَى . أَقُولُ : لَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ ، أَمَّا أَوَّلًا : فَلِأَنَّ إِضَافَةَ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ لَيْسَتْ بِجَائِزَةٍ كَإِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُخْتَارُ الْمُقَرَّرُ فِي كُتُبِ النَّحْوِ ، حَتَّى أَنَّهُمْ أَوَّلُوا مِثْلَ : جُرْدُ قَطِيفَةٍ ، وَأَخْلَاقُ ثِيَابٍ بِمَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ فَمَا مَعْنَى حَمْلَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا عَلَى ذَلِكَ . وَأَمَا ثَانِيًا : فَلِأَنَّ الصِّفَةَ فِي " لِقَوْلِهِ لِمُطْلَقٍ " ، هُوَ الْمُطْلَقُ لَا الْإِطْلَاقُ وَالْكَلَامُ فِي تَوْجِيهِ إِطْلَاقِ قَوْلِهِ : فَلَا يُجْدِي حَدِيثُ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ شَيْئًا ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْمَصِيرِ إِلَى الْمُسَامَحَةِ ، كَمَا ذَكَرْنَا . وَقَالَ صَاحِبٌ الْعِنَايَةِ : فَإِنَّ مَنْعَ الْإِطْلَاقِ لِوُقُوعِهِ فِي سِيَاقٍ صَلَحَ الزَّوْجَيْنِ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى : فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ، فَكَانَ لِلْعَهْدِ . أُجِيبَ بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ ، وَبِأَنَّهُ ذُكِرَ لِلتَّعْلِيلِ ، أَيْ : لَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصَالِحَا ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ خَيْرٌ فَكَانَ عَامًّا ؛ وَلِأَنَّهُ وَقَعَ قَوْلُهُ تَعَالَى أَنْ يُصَالِحَا فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ فَكَانَ مُسْتَقْبَلًا ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَالصُّلْحُ خَيْرٌ كَانَ فِي الْحَالِ فَلَمْ يَكُنْ إِيَّاهُ بَلْ جِنْسُهُ ، انْتَهَى . أَقُولُ : إِنَّ الْجَوَابَ الْأَوَّلَ وَالثَّالِثَ مِنْ هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ الثَّلَاثَةِ لَيْسَ بِتَامَّيْنِ ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ كَوْنُ الِاعْتِبَارِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ لَا يُجْدِي شَيْئًا فِي دَفْعِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ مَنْعُ عُمُومِ اللَّفْظِ بِحَمْلِ اللَّامِ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالصُّلْحُ خَيْرٌ عَلَى الْعَهْدِ . فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ خَاصًّا وَإِنَّمَا يُجْدِي نَفْعًا لَوْ سَلَّمَ عُمُومَ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ وَأُرِيدَ تَخْصِيصُهُ بِخُصُوصِ السَّبَبِ . وَأَمَّا الثَّالِثُ : فَلِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : وَالصُّلْحُ خَيْرٌ كَانَ فِي الْحَالِ أَنَّ التَّكَلُّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ وَالْإِخْبَارِ بِهَذَا الْخَبَرِ كَانَ فِي الْحَالِ ، أَيْ : فِي حَالِ وُرُودِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَمُسَلَّمٌ ، لَكِنَّ هَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ تَحَقُّقُ مَدْلُولِهِ فِي الِاسْتِقْبَالِ ، أَلَا يَرَى أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ : الْأَمْرُ الَّذِي يَحْدُثُ غَدًا خَيْرٌ ، فَلَا شَكَّ أَنَّ تَكَلُّمَكَ بِهَذَا الْكَلَامِ وَإِخْبَارُكَ بِهِ كَائِنٌ فِي الْحَالِ ، وَأَمَّا تَحَقُّقُ ذَلِكَ الْأَمْرِ وَاتِّصَافُهُ بِالْخَيْرِيَّةِ ، فَيَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، فَلَمْ يَتِمَّ قَوْلُهُ : فَلَمْ يَكُنْ إِيَّاهُ بَلْ جِنْسُهُ ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الصُّلْحَ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ خَيْرٌ كَانَ فِي الْحَالِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ ، فَالصَّوَابُ مِنْ بَيْنِ تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ هُوَ الْجَوَابُ الثَّانِي ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكَافِي وَفِي سَائِرِ الشُّرُوحِ أَخْذًا مِنَ الْأَسْرَارِ . وَوَجْهُ كَوْنُ الصُّلْحِ عَامًّا فِي قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالصُّلْحُ خَيْرٌ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ ذِكْرٌ لِلتَّعْلِيلِ هُوَ أَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَتَقَيَّدُ بِمَحَلِّ الْحُكْمِ الَّذِي عُلِّلَ فِيهِ ، بَلْ أَيْنَمَا وُجِدَتِ الْعِلَّةُ يَتْبَعُهَا الْحُكْمُ ، كَذَا قَالُوا ، وَهُوَ التَّقْرِيرُ الْمُنَاسِبُ لِقَوَاعِدِ الْأُصُولِ . وَأَمَّا التَّقْرِيرُ الْمُطَابِقُ لِقَوَاعِدِ الْمَعْقُولِ فَلِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ خَارِجًا مَخْرَجَ الْكُبْرَى مِنَ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ كَأَنَّهُ قِيلَ : فَإِنَّ هَذَا صُلْحٌ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ، وَكُلِّيَةُ الْكُبْرَى شَرْطٌ لِإِنْتَاجِ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْمِيزَانِ . وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ أَيْضًا ؛ حَيْثُ قَالَ : فِيهِ بَحْثٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَعْلِيلًا لَأَبْدَلَ الْفَاءَ بِالْوَاوِ ، انْتَهَى . أَقُولُ : لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ ذَاكَ الْإِبْدَالَ إِنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَ تَعْلِيلًا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ هُوَ تَعْلِيلٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ، وَعَنْ هَذَا قَالُوا : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ التَّعْلِيلِ لِمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ كَأَنَّهُ قَالَ : صَالِحُوا ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ خَيْرٌ . وَفَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ ، كَمَا يُقَالُ : صَلِّ وَالصَّلَاةُ خَيْرٌ عَلَى أَنَّ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالصُّلْحُ خَيْرٌ بِمَنْزِلَةِ الْكُبْرَى مِنَ الدَّلِيلِ وَالصُّغْرَى مَطْوِيَّةٌ ، كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِيمَا مَرَّ ، وَأَدَاةُ التَّعْلِيلِ كَاللَّامِ وَالْفَاءِ إِذَا ذُكِرَتْ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى أَوَّلِ الدَّلِيلِ وَهُوَ الصُّغْرَى دُونَ الْكُبْرَى ، فَلَا يَلْزَمُ الْإِبْدَالُ هَاهُنَا أَصْلًا ، تَدَبَّرْ . ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ : فَإِنْ قِيلَ : سَلَّمْنَاهُ ، يَعْنِي الْإِطْلَاقَ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ، وَلَكِنْ صَرْفُهُ إِلَى الْكُلِّ مُتَعَذِّرٌ ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ بَعْدَ الْيَمِينِ ، وَصُلْحُ الْمُودِعِ وَصُلْحُ مَنِ ادَّعَى قَذْفًا عَلَى آخَرَ وَصُلْحُ مَنِ ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا فَأَنْكَرَتْ لَا يَجُوزُ ، فَيُصْرَفُ إِلَى الْأَدْنَى وَهُوَ الصُّلْحُ عَنْ إِقْرَارٍ . أُجِيبَ بِأَنَّ تَرْكَ الْعَمَلِ بِالْإِطْلَاقِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لِمَانِعٍ لَا يَسْتَلْزِمُ تَرْكَهُ عِنْدَ عَدَمِهِ ، انْتَهَى . أَقُولُ : يَرُدُّ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِهِ : وَصُلْحُ مَنِ ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا فَأَنْكَرَتْ لَا يَجُوزُ أَنَّهُ خَبْطٌ ؛ إِذْ هُوَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ مَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ حَتَّى الْهِدَايَةِ وَالْبِدَايَةِ ، فِيمَا سَيَأْتِي ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا وَهِيَ تَجْحَدُ فَصَالَحَتْهُ عَلَى مَالٍ بَذَلَتْهُ حَتَّى يَتْرُكَ الدَّعْوَى جَازَ ، فَكَأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْخُلْعِ . ثُمَّ أَقُولُ : تَوْجِيهُهُ : إِنَّ لِعَدَمِ الْجَوَازِ رِوَايَةً فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ بِخِلَافِهَا ، وَالسُّؤَالُ الْمَزْبُورُ مِمَّا أَوْرَدَتْهُ الشَّافِعِيَّةُ فَهُمْ أَخَذُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَخَوَاتِهَا بِمَا هُوَ الْمُلَائِمُ لِغَرَضِهِمْ . وَالْحَنَفِيَّةُ أَجَابُوا عَنْهُ تَارَةً بِمَنْعِ عَدَمِ الْجَوَازِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ ، وَأُخْرَى بِأَنَّ تَرْكَ الْعَمَلِ بِالْإِطْلَاقِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لِمَانِعٍ لَا يَسْتَلْزِمُ تَرْكَهُ عِنْدَ عَدَمِهِ ، فَصَاحِبُ الْعِنَايَةِ : اكْتَفَى بِالثَّانِي وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَنْعِ ، وَأَمَّا صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ فَتَعْرَّضَ لَهُمَا مَعًا حَتَّى قَالَ فِي الْجَوَابِ هَاهُنَا : عَلَى أَنَّا نَمْنَعُ عَدَمَ جَوَازِ الصُّلْحِ فِي دَعْوَى النِّكَاحِ عَلَيْهَا إِذَا أَنْكَرَتْهُ فَصَالَحَتْ عَلَى مَالٍ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ . وَبِهِ صَرَّحَ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ : وَسَيَجِيءُ ذَلِكَ فِي فَصْلٍ عُقَيْبِ هَذَا ، انْتَهَى . وَقَالَ فِي ذَلِكَ الْفَصْلِ : وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ هُوَ ظَاهِرُ الْجَوَابِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي مُخْتَصَرِ الْكَافِي وَشَرْحِهِ كَذَلِكَ . فَعَلَى هَذَا لَا يَرُدُّ عَلَيْنَا سُؤَالُ الشَّافِعِيَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ بِقَوْلِهِمْ : إِذَا ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا فَأَنْكَرَتْ فَصَالَحَتْ عَلَى مَالٍ لَا يَجُوزُ ، وَلَئِنْ صَحَّتْ تِلْكَ الْمَسْأَلَةُ ، كَمَا أَوْرَدُوهَا فِي نَسْخِ طَرِيقَةِ الْخِلَافِ . فَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا مَرَّ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ ، انْتَهَى . ( قَوْلُهُ : وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ مَعَ إِنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ لِمَا رَوَيْنَا . . . ) إِلَخْ . قُلْتُ : كَانَ الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ : لِآخِرِ مَا رَوَيْنَا لَا أَنَّ أَوَّلَهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لَا لَهُ . ( قَوْلُهُ : وَلَنَا مَا تَلَوْنَا وَأَوَّلُ مَا رَوَيْنَا . . . ) إِلَخْ ، كَرَّرَ ذِكْرَهُمَا تَأْكِيدًا وَتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ : وَتَأْوِيلُ آخِرِهِ . . . إِلَخْ . وَإِلَّا لَكَفَى هَاهُنَا بَيَانُ هَذَا التَّأْوِيلِ مَعَ بَيَانِ أَنَّ دَفْعَ الرِّشْوَةِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ جَائِزٌ فِي الشَّرْحِ ؛ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ الْجَوَابِ عَمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْجَوَابُ عَنْهُ يَتِمُّ بِبَيَانِهِمَا . أَقُولُ : بَقِيَ هَاهُنَا إِشْكَالٌ فِي قَوْلِهِ : وَأَوَّلُ مَا رَوَيْنَا : وَهُوَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ ذَلِكَ الْحَدِيثِ دَلِيلًا لَنَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ آخِرِهِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ آخِرَهُ مُسْتَثْنًى مِنْ أَوَّلِهِ . وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَتَأَخَّرَ حُكْمُ صَدْرِ الْكَلَامِ عَنْ إِخْرَاجِ الْمُسْتَثْنَى مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، فَلَا يَكُونُ لِأَوَّلِ الْكَلَامِ فِي صُورَةِ الِاسْتِثْنَاءِ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ بِدُونِ آخِرِهِ ، بَلْ لَا يَتِمُّ الْمَعْنَى إِلَّا بِمَجْمُوعِ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ . وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّ قَوْلَهُ : " وَتَأْوِيلُ آخِرِهِ أَحَلَّ حَرَامًا لِعَيْنِهِ . . . " إِلَخْ ، مُتَّصِلٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ : وَأَوَّلُ مَا رَوَيْنَا . فَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ لَنَا أَوَّلَ مَا رَوَيْنَاهُ مَعَ تَأْوِيلِ آخِرِهِ ، فَالدَّلِيلُ مَجْمُوعُ الْحَدِيثِ بِمُلَاحَظَةِ هَذَا التَّأْوِيلِ ، وَلَكِنَّ الْإِنْصَافَ أَنَّ لَفْظَةَ أَوَّلَ هَاهُنَا مَعَ كَوْنِهَا زَائِدَةً لَا فَائِدَةَ لَهَا مُوهِمَةٌ لِمَا يُخِلُّ بِالْكَلَامِ وَيَضُرُّ بِالْمَقَامِ ، كَمَا نَبَّهَنَا عَلَيْهِ ، فَالْأَوْلَى أَنْ تُطْرَحَ مِنَ الْبَيْنِ . ( قَوْلُهُ : وَتَأْوِيلُ آخِرهِ أَحَلَّ حَرَامًا لِعَيْنِهِ كَالْخَمْرِ أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا لِعَيْنِهِ كَالصُّلْحِ عَلَى أَنْ لَا يَطَأُ الضَّرَّةَ ) وَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا أَحَقُّ ؛ لِأَنَّ الْحَرَامَ الْمُطْلَقَ مَا هُوَ حَرَامٌ لِعَيْنِهِ ، وَالْحَلَالُ الْمُطْلَقُ مَا هُوَ حَلَالٌ لِعَيْنِهِ ، وَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ ؛ إِذِ الصُّلْحُ مَعَ الْإِقْرَارِ لَا يَخْلُو عَنْ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ الصُّلْحَ يَقَعُ عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ فِي الْعَادَةِ ، فَمَا زَادَ عَلَى الْمَأْخُوذِ إِلَى تَمَامِ الْحَقِّ كَانَ حَلَالًا لِلْمُدَّعِي أَخْذُهُ قَبْلَ الصُّلْحِ وَحَرُمَ بِالصُّلْحِ ، وَكَانَ حَرَامًا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْعُهُ قَبْلَ الصُّلْحِ وَقَدْ حَلَّ بِالصُّلْحِ . كَذَا فِي الْكَافِي . وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ : وَالْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ وَاجِبٌ ؛ لِئَلَّا يَبْطُلَ الْعَمَلُ بِهِ أَصْلًا ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ حَمَلَ عَلَى الصُّلْحِ عَلَى الْإِقْرَارِ خَاصَّةً لَكَانَ كَالصُّلْحِ عَلَى غَيْرِهِ ؛ لَأَنَّ الصُّلْحَ فِي الْعَادَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ ، فَمَا زَادَ عَلَى الْمَأْخُوذِ إِلَى تَمَامِ الْحَقِّ كَانَ حَلَالًا لِلْمُدَّعِي أَخْذَهُ قَبْلَ الصُّلْحِ ، وَحَرُمَ بِالصُّلْحِ ، وَكَانَ حَرَامًا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنَعُهُ قَبْلَهُ ، وَحَلَّ بَعْدَهُ ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا كَانَ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا لِعَيْنِهِ ، انْتَهَى . أَقُولُ : فِي تَقْرِيرِهِ خَلَلٌ ؛ إِذْ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْإِقْرَارِ خَاصَّةً لَكَانَ كَالصُّلْحِ عَلَى غَيْرِهِ ؛ لَأَنَّ الْكَلَامَ فِي حَمْلِ آخِرِ الْحَدِيثِ عَلَى الْحَرَامِ لِعَيْنِهِ وَالْحَلَالِ لِعَيْنِهِ خَاصَّةً ، لَا فِي حَمْلِهِ عَلَى الصُّلْحِ عَلَى الْإِقْرَارِ خَاصَّةً ؛ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصُّلْحِ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالصُّلْحِ عَلَى غَيْرِهِ فِي الصِّحَّةِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُحْمَلَ آخِرُ الْحَدِيثِ عَلَى الْحَرَامِ لِعَيْنِهِ وَالْحَلَالِ لِعَيْنِهِ خَاصَّةً ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَحْمِلَ آخِرَهُ عَلَى مَا يَعُمُّ الْحَرَامَ لِغَيْرِ عَيْنِهِ وَالْحَلَالَ لِغَيْرِ عَيْنِهِ أَيْضًا . فَمَدَارُ التَّأْوِيلِ وَالْحَمْلِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ لَفْظُ الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ وَإِطْلَاقُهُ دُونَ لَفْظِ الصُّلْحِ . فَالْحَقُّ فِي التَّقْرِيرِ أَنْ يُقَالَ : لِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى مَا يَعُمُّ الْحَرَامَ وَالْحَلَالَ لِعَيْنِهِمَا وَلِغَيْرِ عَيْنِهِمَا لَكَانَ الصُّلْحُ عَلَى الْإِقْرَارِ كَالصُّلْحِ عَلَى غَيْرِهِ فِي الِاشْتِمَالِ عَلَى إِحْلَالِ الْحَرَامِ وَتَحْرِيمِ الْحَلَالِ ، ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ أَوْرَدَ عَلَى قَوْلِهِ : لِأَنَّ الصُّلْحَ فِي الْعَادَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ بِأَنْ قَالَ : هَذَا يَخْتَصُّ بِالدَّيْنِ لِظُهُورِ عَدَمِ جَرَيَانِهِ فِي الْعَيْنِ ، فَلَا يَلْزَمُ بُطْلَانُ الْعَمَلِ بِهِ ؛ إِذْ لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ إِلَّا بِالْإِبْرَاءِ عَنْ دَعْوَى الْبَاقِي ، كَمَا سَيَجِيءُ ، انْتَهَى . أَقُولُ : هَذَا كَلَامٌ خَالٍ عَنِ التَّحْصِيلِ ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الصُّلْحِ عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ إِلَّا بِالْإِبْرَاءِ عَنْ دَعْوَى الْبَاقِي عَدَمُ جَوَازِهِ عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ أَصْلًا ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ جَوَازُ الصُّلْحِ عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ مَشْرُوطًا بِالْإِبْرَاءِ عَنْ دَعْوَى الْبَاقِي ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ أَيْضًا ؛ إِذْ لِجَوَازِ الصُّلْحِ عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ طَرِيقٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ دِرْهَمًا فِي بَدَلِ الصُّلْحِ ، وَسَيَأْتِي كِلَا الطَّرِيقَيْنِ فِي الْكِتَابِ ، وَعَلَى كِلَيْهِمَا يَجْرِي قَوْلُهُ : لِأَنَّ الصُّلْحَ فِي الْعَادَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ أَيْضًا ) . ( قَوْلُهُ : وَلِأَنَّ هَذَا صُلْحٌ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ ، فَيُقْضَى بِجَوَازِهِ ، إِلَى قَوْلِهِ : وَدَفْعُ الرَّشْوَةِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ أَمْرٌ جَائِزٌ ) هَذَا دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَئِمَّتُنَا مِنْ جَوَازٍ الصُّلْحُ مَعَ إِنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ أَيْضًا مُتَضَمِّنٌ لِلْجَوَابِ عَنْ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ لِلشَّافِعِيِّ مَذْكُورٌ فِيمَا قَبْلُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَلِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَدْفَعُ الْمَالَ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ ، وَهَذَا رَشْوَةٌ . قَالَ الشُّرَّاحُ : لَا يُقَالُ : لَا نُسَلِّمُ جَوَازَ دَفْعِ الرَّشْوَةِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ عَامٌّ . لِأَنَّا نَقُولُ : هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ عَلَى صَاحِبِ الْحَقِّ ضَرَرٌ مَحْضٌ فِي أَمْرٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ ، كَمَا إِذَا دَفَعَ الرَّشْوَةَ حَتَّى أَخْرَجَ الْوَالِي أَحَدَ الْوَرَثَةِ عَنِ الْإِرْثِ ، وَأَمَّا إِذَا دَفَعَ الرَّشْوَةَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ فَجَائِزٌ لِلدَّافِعِ ، انْتَهَى . وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى الْجَوَابِ ؛ حَيْثُ قَالَ فِيهِ : إِنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ عُمُومُ اللَّفْظِ وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذُكِرَ غَيْرُ مُجْرًى عَلَى عُمُومِهِ ، انْتَهَى . أَقُولُ : الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ مِنَ النُّصُوصِ فِي أَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ ، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ دَفْعَ الْحَرَجِ .

                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                      الخدمات العلمية