الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
[ ص: 61 ] ( وأما الضرب الثاني وهو الكنايات لا يقع بها الطلاق إلا بالنية أو بدلالة الحال ) لأنها غير موضوعة للطلاق بل تحتمله وغيره فلا بد من التعيين أو دلالته . قال ( وهي على ضربين : منها ثلاثة ألفاظ يقع بها الطلاق الرجعي  ولا يقع بها إلا واحدة ، وهي قوله : اعتدي واستبرئي رحمك وأنت واحدة ) أما الأولى فلأنها تحتمل الاعتداد عن النكاح وتحتمل اعتداد نعم الله تعالى ، فإن نوى الأول تعين بنيته فيقتضي طلاقا سابقا والطلاق يعقب الرجعة . [ ص: 62 ]

وأما الثانية فلأنها تستعمل بمعنى الاعتداد لأنه تصريح بما هو المقصود منه فكان بمنزلته وتحتمل الاستبراء ليطلقها ، وأما الثالثة فلأنها تحتمل أن تكون نعتا لمصدر محذوف معناه تطليقة واحدة ، فإذا نواه جعل كأنه قاله ، والطلاق يعقب الرجعة ، ويحتمل غيره وهو أن تكون واحدة عنده أو عند قومه ، ولما احتملت هذه الألفاظ الطلاق وغيره تحتاج فيه إلى النية ولا تقع إلا واحدة لأن قوله : أنت طالق فيها مقتضى أو مضمر ، ولو كان مظهرا لا تقع بها إلا واحدة ، فإذا كان مضمرا أولى ، وفي قوله واحدة وإن صار المصدر مذكورا لكن التنصيص على الواحدة ينافي نية [ ص: 63 ] الثلاث ، ولا معتبر بإعراب الواحدة عند عامة المشايخ هو الصحيح لأن العوام لا يميزون بين وجوه الإعراب .

قال ( وبقية الكنايات إذا نوى بها الطلاق كانت واحدة بائنة ، وإن نوى ثلاثا كانت ثلاثا ، وإن نوى ثنتين كانت واحدة ، [ ص: 64 ] وهذا مثل قوله : أنت بائن وبتة وبتلة وحرام وحبلك على غاربك والحقي بأهلك وخلية وبرية ووهبتك لأهلك وسرحتك وفارقتك وأمرك بيدك واختاري وأنت حرة وتقنعي وتخمري واستتري واغربي واخرجي واذهبي وقومي وابتغي الأزواج ) لأنها تحتمل الطلاق وغيره فلا بد من النية .

قال ( إلا أن يكون في حال مذاكرة الطلاق ) فيقع بها الطلاق في القضاء ، ولا يقع فيما بينه وبين الله تعالى إلا أن ينويه . قال رضي الله عنه ( سوى بين هذه الألفاظ وقال : ولا يصدق في القضاء إذا كان في حال مذاكرة الطلاق ) [ ص: 65 ] قالوا ( وهذا فيما لا يصلح ردا ) والجملة في ذلك أن الأحوال ثلاثة : حالة مطلقة وهي حالة الرضا ، وحالة مذاكرة الطلاق ، وحالة الغضب .

والكنايات ثلاثة أقسام : ما يصلح جوابا وردا ، وما يصلح جوابا لا ردا ، وما يصلح جوابا وسبا وشتيمة . ففي حالة الرضا لا يكون شيء منها طلاقا إلا بالنية ، فالقول قوله في إنكار النية لما قلنا ، وفي حالة مذاكرة الطلاق لا يصدق فيما يصلح جوابا ، ولا يصلح ردا في القضاء مثل قوله خلية برية بائن بتة حرام اعتدي أمرك بيدك اختاري ; لأن الظاهر أن مراده الطلاق عند سؤال الطلاق ، ويصدق فيما يصلح جوابا وردا مثل قوله : اذهبي اخرجي قومي تقنعي تخمري [ ص: 66 ] وما يجري هذا المجرى لأنه يحتمل الرد وهو الأدنى فحمل عليه .

وفي حالة الغضب يصدق في جميع ذلك لاحتمال الرد والسب ، إلا فيما يصلح للطلاق ولا يصلح للرد والشتم كقوله : اعتدي واختاري وأمرك بيدك فإنه لا يصدق فيها لأن الغضب يدل على إرادة الطلاق . وعن أبي يوسف في قوله : لا ملك لي عليك ولا سبيل لي عليك وخليت سبيلك وفارقتك ، أنه يصدق في حالة الغضب لما فيها من احتمال معنى السب .

التالي السابق


ولو كتب الصحيح إلى امرأته بطلاقها ثم أنكر الكتاب وقامت عليه البينة أنه كتبه بيده فرق بينهما في القضاء ، أما فيما بينه وبين الله تعالى إن كان لم ينو به الطلاق فهي امرأته ، ولو كتب إليها : أما بعد أنت طالق إن شاء الله تعالى ، إن كان موصولا بكتابته لا تطلق ، وإن كتب الطلاق ثم فتر فترة ثم كتب إن شاء الله يقع الطلاق لأن المكتوب إلى الغائب كالملفوظ ، كذا في الفتاوى الكبرى للخاصي والخلاصة .

وفيها معزوا إلى المنتقى : إذا كتب كتاب الطلاق ثم نسخه في كتاب آخر أو أمر غيره حين كتب ولم يمل هو فأتاها الكتابان طلقت تطليقتين قضاء ، وفيما بينه وبين الله تعالى تقع واحدة انتهى . وعلى هذا لو وصل أحدهما تقع واحدة قضاء وديانة ، ولا يخفى أن هذا فيما إذا كان الطلاق معلقا بوصول الكتاب ، وأما إذا لم يكن معلقا فلا إشكال في أنه يقع ثنتان قضاء لا ديانة إلا أن ينوي به طلاقا آخر ، وكل ما ذكرناه ثابت في حق الأخرس نحوه إن كان يكتب ، وإنما يعرف ذلك منه بأن يسأل بكتاب فيجيب بكتابة بالنية ، فإن كان لا يكتب وله إشارة معلومة يعرف بها طلاقه ونكاحه وبيعه فهي كالكلام في حقه ، وإن لم يعرف منه ذلك أو شككنا فيه فهو باطل وهذا استحسان .

والقياس في جميع ذلك أنه باطل لأنه لا يتكلم ، وقد ذكر المصنف أحكام الأخرس في هذه في آخر الكتاب .




الخدمات العلمية