الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      [ ص: 333 ] وسئل شيخ الإسلام ومفتي الأنام العالم العامل الزاهد الورع ناصر السنة وقامع البدعة تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني - رحمه الله تعالى - عن الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو قوله صلى الله عليه وسلم { لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج } هل هو منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم { كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة } ؟ أم لا ؟ وهل صح الحديث الأول أم لا ؟ وهل يحرم على النساء زيارة القبور ؟ أم يكره ؟ أم يستحب ؟ .

                                                                                      وإذا قيل : بالكراهة . هل تكون كراهة تحريم ؟ أم تنزيه ؟ وهل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من زار قبري وجبت له شفاعتي " . أم لا ؟ وهل صح في فضل زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم شيء من الأحاديث أم لا ؟ .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      فأجاب : الحمد لله رب العالمين . أما زيارة القبور فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان قد نهى عنها نهيا عاما ثم أذن [ ص: 334 ] في ذلك . فقال : { كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها . فإنها تذكركم الآخرة } وقال صلى الله عليه وسلم { استأذنت ربي في أن أزور قبر أمي فأذن لي واستأذنت في أن أستغفر لها فلم يأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة } . وهنا مسألتان : إحداهما : متفق عليها والأخرى متنازع فيها .

                                                                                      فأما الأولى : فإن الزيارة تنقسم إلى قسمين : زيارة شرعية وزيارة بدعية .

                                                                                      فالزيارة الشرعية : السلام على الميت والدعاء له بمنزلة الصلاة على جنازته كما ثبت في الصحيح { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا : السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم } وهذا الدعاء يروى بعضه في بعض الأحاديث وهو مروي بعدة ألفاظ ، كما رويت ألفاظ التشهد وغيره وهذه الزيارة هي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها إذا خرج لزيارة قبور أهل البقيع .

                                                                                      وأما الزيارة البدعية : فمن جنس زيارة اليهود والنصارى وأهل [ ص: 335 ] البدع الذين يتخذون قبور الأنبياء والصالحين مساجد وقد استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب الصحاح وغيرها أنه قال عند موته : { لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا } قالت عائشة - رضي الله عنها - : ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا ، وثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك } .

                                                                                      فالزيارة البدعية مثل قصد قبر بعض الأنبياء والصالحين للصلاة عنده أو الدعاء عنده أو به أو طلب الحوائج منه أو من الله تعالى عند قبره أو الاستغاثة به أو الإقسام على الله تعالى به ونحو ذلك هو من البدع التي لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا سن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من خلفائه الراشدين بل قد نهى عن ذلك أئمة المسلمين الكبار .

                                                                                      والحديث الذي يرويه بعض الناس " إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي " هو من المكذوبات التي لم يروها أحد من علماء المسلمين ولا هو في شيء من كتب الحديث بمنزلة ما يروونه من قوله : " لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به " فإن هذا أيضا من المكذوبات .

                                                                                      [ ص: 336 ] وقد نص غير واحد من العلماء على أنه لا يقسم على الله بمخلوق لا نبي ولا غيره فمن ذلك ما ذكره أبو الحسين القدوري في " كتاب شرح الكرخي " عن بشر بن الوليد قال : سمعت أبا يوسف قال : قال أبو حنيفة : لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن يقول : بمعاقد العز من عرشك وبحق خلقك ، وهو قول أبي يوسف وقال أبو يوسف : بمعاقد العز من عرشه : هو الله تعالى فلا أكره هذا . وأكره بحق فلان وبحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت والمشعر الحرام .

                                                                                      قال القدوري شارح الكتاب : المسألة بخلقه لا تجوز ; لأنه لا حق للمخلوق على الخالق فلا يجوز يعني : وفاقا .

                                                                                      قلت : وأما الاستشفاع إلى الله تعالى به وهو طلب الشفاعة منه والتوسل إلى الله بدعائه وشفاعته وبالإيمان به وبمحبته وطاعته والتوجه إلى الله تعالى بذلك فهذا مشروع باتفاق المسلمين كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة .

                                                                                      وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي حميد الساعدي - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة فيقول : يا رسول الله أغثني فأقول : لا أملك [ ص: 337 ] لك من الله شيئا قد أبلغتك } . وفي الصحيح أنه قال صلى الله عليه وسلم { يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا يا عباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم . لا أغني عنك من الله شيئا يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا سلوني من مالي ما شئتم } وقال ذلك لعشيرته الأقربين .

                                                                                      وروي أنه قال : { غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها } فبين صلى الله عليه وسلم ما هو موافق لكتاب الله من أنه ليس عليه إلا البلاغ المبين وأما الجزاء بالثواب والعقاب فهو إلى الله تعالى ، كما قال تعالى { قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين } وهو صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ المبين قد بلغ الرسالة وأشهد الله على أمته أنه بلغهم كما جعل في حجة الوداع يقول : { ألا هل بلغت ؟ فيقولون : نعم فيرفع إصبعه إلى السماء وينكتها إليهم ويقول : اللهم اشهد } رواه مسلم في صحيحه .

                                                                                      وأما إجابة الداعي وتفريج الكربات وقضاء الحاجات فهذا لله سبحانه وتعالى وحده لا يشركه فيه أحد .

                                                                                      ولهذا فرق الله سبحانه في كتابه بين ما فيه حق للرسول وبين [ ص: 338 ] ما هو لله وحده كما في قوله تعالى { ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون } فبين سبحانه ما يستحقه الرسول من الطاعة فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله . وأما الخشية والتقوى فجعل ذلك له سبحانه وحده وكذلك قوله : { ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون } فجعل الإيتاء لله والرسول . كما في قوله تعالى { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } . وأما التوكل والرغبة فلله وحده . كما في قوله تعالى { وقالوا حسبنا الله } ولم يقل ورسوله . وقال : { إنا إلى الله راغبون } ولم يقل : وإلى الرسول وذلك موافق لقوله تعالى { فإذا فرغت فانصب } { وإلى ربك فارغب } .

                                                                                      فالعبادة والخشية والتوكل والدعاء والرجاء والخوف لله وحده لا يشركه فيه أحد وأما الطاعة والمحبة والإرضاء : فعلينا أن نطيع الله ورسوله ونحب الله ورسوله ونرضي الله ورسوله ; لأن طاعة الرسول طاعة لله وإرضاءه إرضاء لله وحبه من حب الله .

                                                                                      وكثير من أهل الضلال من الكفار وأهل البدع بدلوا الدين فإن الله تعالى جعل الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وسائط في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده فليس لأحد طريق إلى الله إلا متابعة [ ص: 339 ] الرسول بفعل ما أمر وترك ما حذر .

                                                                                      ومن جعل إلى الله طريقا غير متابعة الرسول للخاصة والعامة فهو كافر بالله ورسوله : مثل من يزعم أن من خواص الأولياء أو العلماء أو الفلاسفة أو أهل الكلام أو الملوك من له طريق إلى الله تعالى غير متابعة رسوله ويذكرون في ذلك من الأحاديث المفتراة ما هو أعظم الكفر والكذب . كقول بعضهم : إن الرسول صلى الله عليه وسلم استأذن على أهل الصفة فقالوا : اذهب إلى من أنت رسول إليه . وقال بعضهم : إنهم أصبحوا ليلة المعراج فأخبروه بالسر الذي ناجاه الله به وأن الله أعلمهم بذلك بدون إعلام الرسول . وقول بعضهم : إنهم قاتلوه في بعض الغزوات مع الكفار وقالوا : من كان الله معه كنا معه وأمثال ذلك من الأمور التي هي من أعظم الكفر والكذب .

                                                                                      ومثل احتجاج بعضهم بقصة الخضر وموسى عليه السلام على أن من الأولياء من يستغني عن محمد صلى الله عليه وسلم كما استغنى الخضر عن موسى ومثل قول بعضهم : إن خاتم الأولياء له طريق إلى الله يستغني به عن خاتم الأنبياء وأمثال هذه الأمور التي كثرت في كثير من المنتسبين إلى الزهد والفقر والتصوف والكلام والتفلسف . وكفر هؤلاء قد يكون من جنس كفر اليهود والنصارى وقد يكون [ ص: 340 ] أعظم وقد يكون أخف بحسب أحوالهم .

                                                                                      والله سبحانه لم يجعل له أحدا من الأنبياء والمؤمنين واسطة في شيء من الربوبية والألوهية مثل ما ينفرد به من الخلق والرزق وإجابة الدعاء والنصر على الأعداء وقضاء الحاجات وتفريج الكربات ; بل غاية ما يكون العبد سببا : مثل أن يدعو أو يشفع والله تعالى يقول : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } ويقول : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } ويقول : { وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى } وقال تعالى : { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا } { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا } قال طائفة من السلف : كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء فنهاهم الله عن ذلك . في قوله تعالى { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون } { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر ولهذا كان الناس في الشفاعة على ثلاثة أقسام : [ ص: 341 ] فالمشركون أثبتوا الشفاعة التي هي شرك ; كشفاعة المخلوق عند المخلوق كما يشفع عند الملوك خواصهم لحاجة الملوك إلى ذلك فيسألونهم بغير إذنهم وتجيب الملوك سؤالهم لحاجتهم إليهم فالذين أثبتوا مثل هذه الشفاعة عند الله تعالى مشركون كفار ; لأن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ولا يحتاج إلى أحد من خلقه بل من رحمته وإحسانه إجابة دعاء الشافعين وهو سبحانه أرحم بعباده من الوالدة بولدها . ولهذا قال تعالى : { ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع } وقال : { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع } وقال تعالى : { أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون } { قل لله الشفاعة جميعا } وقال تعالى عن صاحب " يس " : { أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون } { إني إذا لفي ضلال مبين } { إني آمنت بربكم فاسمعون } .

                                                                                      وأما الخوارج والمعتزلة : فإنهم أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر من أمته وهؤلاء مبتدعة ضلال مخالفون للسنة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولإجماع خير القرون .

                                                                                      والقسم الثالث : هم أهل السنة والجماعة وهم سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم بإحسان أثبتوا ما أثبته الله في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم [ ص: 342 ] ونفوا ما نفاه الله في كتابه وسنة رسوله ، فالشفاعة التي أثبتوها هي التي جاءت بها الأحاديث ، كشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة إذا جاء الناس إلى آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم يأتونه عليه السلام قال : { فأذهب إلى ربي فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقول : أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع } فهو يأتي ربه سبحانه فيبدأ بالسجود والثناء عليه فإذا أذن له في الشفاعة شفع بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم .

                                                                                      وأما الشفاعة التي نفاها القرآن كما عليه المشركون والنصارى ومن ضاهاهم من هذه الأمة فينفيها أهل العلم والإيمان مثل أنهم يطلبون من الأنبياء والصالحين الغائبين والميتين قضاء حوائجهم ويقولون : إنهم إذا أرادوا ذلك قضوها ويقولون : إنهم عند الله تعالى كخواص الملوك عند الملوك يشفعون بغير إذن الملوك ولهم على الملوك إدلال يقضون به حوائجهم فيجعلونهم لله تعالى بمنزلة شركاء الملك وبمنزلة أولاده . والله تعالى قد نزه نفسه المقدسة عن ذلك كما قال تعالى : { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا } ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 343 ] { لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله } . وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع .

                                                                                      و " الزيارة البدعية " هي من أسباب الشرك بالله تعالى ودعاء خلقه وإحداث دين لم يأذن به الله . و " الزيارة الشرعية " هي من جنس الإحسان إلى الميت بالدعاء له كالإحسان إليه . بالصلاة عليه وهي من العبادات لله تعالى التي ينفع الله بها الداعي والمدعو له كالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم وطلب الوسيلة والدعاء لسائر المؤمنين : أحيائهم وأمواتهم .



                                                                                      فصل : وأما الحديث المذكور في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فهو ضعيف وليس في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم حديث حسن ولا صحيح ولا روى أهل السنن المعروفة كسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه والترمذي ولا أهل المسانيد المعروفة كمسند أحمد [ ص: 357 ] ونحوه ولا أهل المصنفات كموطأ مالك وغيره في ذلك شيئا بل عامة ما يروى في ذلك أحاديث مكذوبة موضوعة ، كما يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد ضمنت له على الله الجنة } وهذا حديث موضوع كذب باتفاق أهل العلم .

                                                                                      وكذلك ما يروى أنه قال : { من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي ومن زارني بعد مماتي ضمنت له على الله الجنة } ليس لشيء من ذلك أصل وإن كان قد روى بعض ذلك الدارقطني والبزار في مسنده فمدار ذلك على عبد الله بن عمر العمري ، أو من هو أضعف منه ممن لا يجوز أن يثبت بروايته حكم شرعي .

                                                                                      وإنما اعتمد الأئمة في ذلك على ما رواه أبو داود في السنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام } وكما في سنن النسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إن الله وكل بقبري ملائكة تبلغني عن أمتي السلام } فالصلاة والسلام عليه مما أمر الله به ورسوله فلهذا استحب ذلك العلماء .

                                                                                      ومما يبين ذلك أن مالكا - رحمه الله - كره أن يقول الرجل : [ ص: 358 ] زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومالك قد أدرك الناس من التابعين وهم أعلم الناس بهذه المسألة ، فدل ذلك على أنه لم تكن تعرف عندهم ألفاظ زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا كره من كره من الأئمة أن يقف مستقبل القبر يدعو : بل وكره مالك وغيره أن يقوم للدعاء لنفسه هناك وذكر أن هذا لم يكن من عمل الصحابة والتابعين وأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها .

                                                                                      وقد ذكروا في أسباب كراهته أن يقول زرت قبر النبي لأن هذا اللفظ قد صار كثير من الناس يريد به الزيارة البدعية وهي قصد الميت لسؤاله ودعائه والرغبة إليه في قضاء الحوائج ونحو ذلك مما يفعله كثير من الناس فهم يعنون بلفظ الزيارة مثل هذا وهذا ليس بمشروع باتفاق الأئمة فكره مالك أن يتكلم بلفظ مجمل يدل على معنى فاسد بخلاف الصلاة عليه والسلام فإن ذلك مما أمر الله به .

                                                                                      أما لفظ الزيارة في عموم القبور فقد لا يفهم منها مثل هذا المعنى ألا ترى إلى قوله : { فزوروا القبور . فإنها تذكركم الآخرة } مع زيارته لقبر أمه فإن هذا يتناول زيارة قبور الكفار فلا يفهم من ذلك زيارة الميت لدعائه وسؤاله والاستغاثة به ونحو ذلك مما يفعله أهل الشرك والبدع ; بخلاف ما إذا كان المزور معظما في الدين : [ ص: 359 ] كالأنبياء والصالحين ، فإنه كثيرا ما يعني بزيارة قبورهم هذه الزيارة البدعية والشركية فلهذا كره مالك ذلك في مثل هذا ، وإن لم يكره ذلك في موضع آخر ليس فيه هذه المفسدة .

                                                                                      فلا يمكن أحدا أن يروي بإسناد ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه شيئا في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم بل الثابت عنه في الصحيحين يناقض المعنى الفاسد الذي ترويه الجهال بهذا اللفظ . كقوله صلى الله عليه وسلم { لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم } . وقوله صلى الله عليه وسلم { لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد } يحذر ما فعلوا قالت عائشة رضي الله عنها ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا . وقوله صلى الله عليه وسلم { إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك } وقوله صلى الله عليه وسلم { اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد } . وأشباه هذه الأحاديث التي في الصحاح والسنن والكتب المعتمدة .

                                                                                      فكيف يعدل من له علم وإيمان عن موجب هذه النصوص الثابتة باتفاق أهل الحديث إلى ما يناقض معناها من الأحاديث التي لم يثبت منها شيئا أحد من أهل العلم ، والله سبحانه أعلم وصلى الله على محمد . .




                                                                                      الخدمات العلمية