الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      [ ص: 5 ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .

                                                                                      سؤال ورد على الشيخ رحمه الله قال السائل : الحمد لله رب العالمين

                                                                                      يا متقنا علم الحديث ومن روى سنن النبي المصطفى المختار     أصبحت في الإسلام طودا راسخا
                                                                                      يهدي به وعددت في الأحبار     هذي مسائل أشكلت فتصدقوا
                                                                                      ببيانها يا ناقلي الأخبار     فالمستعان على الأمور بأهلها
                                                                                      إن أشكلت قد جاء في الآثار     ولكم كأجر العاملين بسنته
                                                                                      بينتموها يا أولي الأبصار

                                                                                      [ ص: 6 ] الأولى : ما حد الحديث النبوي ؟ أهو ما قاله في عمره أو بعد البعثة أو تشريعا ؟ .

                                                                                      الثانية : ما حد الحديث الواحد ؟ وهل هو كالسورة أو كالآية أو كالجملة ؟ .

                                                                                      الثالثة : إذا صح الحديث هل يلزم أن يكون صدقا أم لا ؟ .

                                                                                      الرابعة : تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف تسمية صحيحة أو متداخلة ؟ .

                                                                                      الخامسة : ما الحديث المكرر المعاد بغير لفظه ومعناه من غير زيادة ولا نقص ؟ وهل هو كالقصص المكررة في القرآن العظيم ؟ .

                                                                                      السادسة : كم في صحيح البخاري حديث بالمكرر ؟ وكم دونه ؟ وكم في مسلم حديث به ودونه ؟ وعلى كم حديث اتفقا ؟ وبكم انفرد كل واحد منهما عن الآخر ؟ .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      [ ص: 13 ] فصل وأما الحديث الواحد فيراد به ما رواه الصاحب من الكلام المتصل بعضه ببعض ولو كان جملا كثيرة مثل حديث توبة كعب بن مالك وحديث بدء الوحي وحديث الإفك ونحو ذلك من الأحاديث الطوال ; فإن الواحد منها يسمى حديثا وما رواه الصاحب أيضا من جملة واحدة أو جملتين أو أكثر من ذلك متصلا بعضه ببعض فإنه يسمى حديثا كقوله : { لا صلاة إلا بأم القرآن } { الجار أحق بسقبه } { لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ } وقوله : { إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى } إلى آخره فإنه يسمى حديثا .

                                                                                      وكذلك قوله : { لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا } وقوله في البحر : { هو الطهور ماؤه الحل ميتته } وقد أكمل من أجناس مختلفة لكن في الأمر العام تكون مشتركة في معنى عام كقوله : { لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ولا يبيع على بيع أخيه ولا يستام على سوم أخيه ولا [ ص: 14 ] تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في صحفتها ولتنكح فإن لها ما قدر لها } فإن هذا يتضمن النهي عن مزاحمة المسلم في البيع والنكاح وفي البيع لا يستام على سومه ولا يبيع على بيعه وإذا نهاه عن السوم فنهيه المشتري على شرائه عليه حرام بطريق الأولى ونهاه أن يخطب على خطبته . وهذا نهي عن إخراج امرأته من ملكه بطريق الأولى ونهي المرأة أن تسأل طلاق أختها لتنفرد هي بالزوج فهذه وإن تعلقت بالبيع والنكاح فقد اشتركت في معنى عام .

                                                                                      وكذلك قوله : { ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر } فهؤلاء الثلاثة اشتركوا في هذا الوعيد واشتركوا في فعل هذه الذنوب مع ضعف دواعيهم ; فإن داعية الزنا في الشيخ ضعيفة وكذلك داعية الكذب في الملك ضعيفة ; لاستغنائه عنه وكذلك داعية الكبر في الفقير فإذا أتوا بهذه الذنوب مع ضعف الداعي دل على أن في نفوسهم من الشر الذي يستحقون به من الوعيد ما لا يستحقه غيرهم .

                                                                                      وقل أن يشتمل الحديث الواحد على جمل إلا لتناسب بينهما وإن كان قد يخفى التناسب في بعضها على بعض الناس فالكلام المتصل بعضه ببعض يسمى حديثا واحدا .

                                                                                      [ ص: 15 ] وأما إذا روى الصاحب كلاما فرغ منه ثم روى كلاما آخر وفصل بينهما : بأن قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بأن طال الفصل بينهما فهذان حديثان وهذا بمنزلة ما يتصل بالكلام في الإنسان والإقرارات والشهادات كما يتصل بعقد النكاح والبيع والإقرار والوقف فإذا اتصل به الاتصال المعتاد كان شيئا واحدا يرتبط بعضه ببعض وانقضى كلامه ثم بعد طول الفصل أنشأ كلاما آخر بغير حكم الأول كان كلاما ثانيا فالحديث الواحد ليس كالجملة الواحدة ; إذ قد يكون جملا ولا كالسورة الواحدة فإن السورة قد يكون بعضها نزل قبل بعض أو بعد بعض ويكون أجنبيا منه بل يشبه الآية الواحدة أو الآيات المتصل بعضها ببعض كما أنزل في أول البقرة أربع آيات في صفة المؤمنين وآيتين في صفة الكافرين وبضع عشرة آية في صفة المنافقين ; وكما في قوله : { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما } فإن هذا يتصل بعضه ببعض وهو نزل بسبب قصة بني أبيرق إلى تمام الكلام .

                                                                                      وقد يسمى الحديث واحدا وإن اشتمل على قصص متعددة إذا حدث به الصحابي متصلا بعضه ببعض فيكون واحدا باعتبار اتصاله في كلام الصحابي مثل حديث جابر الطويل الذي يقول فيه : " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم " وذكر فيه ما يتعلق بمعجزاته وما [ ص: 16 ] يتعلق بالصلاة وبغير ذلك فهذا يسمى حديثا بهذا الاعتبار وقد يكون الحديث طويلا وأخذ يفرقه بعض الرواة فجعله أحاديث كما فعل البخاري في كتاب أبي بكر في الصدقة وهذا يجوز إذا لم يكن في ذلك تغيير المعنى .



                                                                                      فصل وأما قسمة الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف فهذا أول من عرف أنه قسمه هذه القسمة أبو عيسى الترمذي ولم تعرف هذه القسمة عن أحد قبله وقد بين أبو عيسى مراده بذلك . فذكر : أن الحسن ما تعددت طرقه ولم يكن فيهم متهم بالكذب ولم يكن شاذا وهو دون الصحيح الذي عرفت عدالة ناقليه وضبطهم . وقال : الضعيف الذي عرف أن ناقله متهم بالكذب رديء الحفظ ; فإنه إذا رواه المجهول خيف أن يكون كاذبا أو سيئ الحفظ فإذا وافقه آخر لم يأخذ عنه عرف أنه لم يتعمد كذبه واتفاق الاثنين على لفظ واحد طويل قد يكون ممتنعا وقد يكون بعيدا ولما كان تجويز اتفاقهما في ذلك ممكنا نزل من درجة الصحيح .

                                                                                      وقد أنكر بعض الناس على الترمذي هذه القسمة وقالوا : إنه يقول : حسن غريب . والغريب الذي انفرد به الواحد والحديث قد [ ص: 24 ] يكون صحيحا غريبا كحديث { إنما الأعمال بالنيات } وحديث { نهى عن بيع الولاء وهبته } وحديث { دخل مكة وعلى رأسه المغفر } فإن هذه صحيحة متلقاة بالقبول والأول : لا يعرف ثابتا عن غير عمر والثاني : لا يعرف عن غير ابنه عبد الله والثالث : لا يعرف إلا من حديث الزهري عن أنس ولكن هؤلاء الذين طعنوا على الترمذي لم يفهموا مراده في كثير مما قاله ; فإن أهل الحديث قد يقولون : هذا الحديث غريب أي : من هذا الوجه وقد يصرحون بذلك فيقولون : غريب من هذا الوجه فيكون الحديث عندهم صحيحا معروفا من طريق واحد فإذا روي من طريق آخر كان غريبا من ذلك الوجه وإن كان المتن صحيحا معروفا فالترمذي إذا قال : حسن غريب قد يعني به أنه غريب من ذلك الطريق ; ولكن المتن له شواهد صار بها من جملة الحسن .

                                                                                      وبعض ما يصححه الترمذي ينازعه غيره فيه كما قد ينازعونه في بعض ما يضعفه ويحسنه فقد يضعف حديثا ويصححه البخاري ; { كحديث ابن مسعود لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم ابغني أحجارا أستنفض بهن قال : فأتيته بحجرين وروثة قال : فأخذ الحجرين وترك الروثة وقال : إنها رجس } فإن هذا قد اختلف فيه على أبي إسحاق السبيعي فجعل الترمذي هذا الاختلاف [ ص: 25 ] علة ورجح روايته له عن أبي عبيدة عن أبيه وهو لم يسمع من أبيه وأما البخاري فصححه من طريق أخرى ; لأن أبا إسحاق كان الحديث يكون عنده عن جماعة يرويه عن هذا تارة وعن هذا تارة كما كان الزهري يروي الحديث تارة عن سعيد بن المسيب وتارة عن أبي سلمة وتارة يجمعهما فمن لا يعرفه فيحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا يظن بعض الناس أن ذلك غلط وكلاهما صحيح . وهذا باب يطول وصفه .

                                                                                      وأما من قبل الترمذي من العلماء فما عرف عنهم هذا التقسيم الثلاثي لكن كانوا يقسمونه إلى صحيح وضعيف والضعيف عندهم نوعان : ضعيف ضعفا لا يمتنع العمل به وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي .

                                                                                      وضعيف ضعفا يوجب تركه وهو الواهي وهذا بمنزلة مرض المريض قد يكون قاطعا بصاحبه فيجعل التبرع من الثلث وقد لا يكون قاطعا بصاحبه وهذا موجود في كلام الإمام أحمد وغيره ; ولهذا يقولون : هذا فيه لين ، فيه ضعف ، وهذا عندهم موجود في الحديث .

                                                                                      [ ص: 26 ] ومن العلماء المحدثين أهل الإتقان : مثل شعبة ومالك والثوري ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي هم في غاية الإتقان والحفظ ; بخلاف من هو دون هؤلاء وقد يكون الرجل عندهم ضعيفا لكثرة الغلط في حديثه ويكون حديثه إذا الغالب عليه الصحة لأجل الاعتبار به والاعتضاد به ; فإن تعدد الطرق وكثرتها يقوي بعضها بعضا حتى قد يحصل العلم بها ولو كان الناقلون فجارا فساقا فكيف إذا كانوا علماء عدولا ولكن كثر في حديثهم الغلط . ومثل هذا عبد الله بن لهيعة فإنه من أكابر علماء المسلمين وكان قاضيا بمصر كثير الحديث لكن احترقت كتبه فصار يحدث من حفظه فوقع في حديثه غلط كثير مع أن الغالب على حديثه الصحة قال أحمد : قد أكتب حديث الرجل للاعتبار به : مثل ابن لهيعة .

                                                                                      وأما من عرف منه أنه يتعمد الكذب فمنهم من لا يروي عن هذا شيئا وهذه طريقة أحمد بن حنبل وغيره لم يرو في مسنده عمن يعرف أنه يتعمد الكذب ; لكن يروي عمن عرف منه الغلط للاعتبار به والاعتضاد .

                                                                                      ومن العلماء من كان يسمع حديث من يكذب ويقول : إنه [ ص: 27 ] يميز بين ما يكذبه وبين ما لا يكذبه ويذكر عن الثوري أنه كان يأخذ عن الكلبي وينهى عن الأخذ عنه ويذكر أنه يعرف ومثل هذا قد يقع لمن كان خبيرا بشخص إذا حدثه بأشياء يميز بين ما صدق فيه وما كذب فيه بقرائن لا يمكن ضبطها . وخبر الواحد قد يقترن به قرائن تدل على أنه صدق أو تقترن به القرائن تدل على أنه كذب




                                                                                      الخدمات العلمية