الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              . ( ويسن )   [ ص: 226 ] عينا للواحد وكفاية للجماعة كالتسمية للأكل وتشميت العاطس وجوابه ( ابتداؤه ) به عند إقباله أو انصرافه على مسلم للخبر الحسن { : إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام } .

                                                                                                                              وفارق الرد بأن الإيحاش والإخافة في ترك الرد أعظم منهما في ترك الابتداء . وأفتى القاضي بأن الابتداء أفضل كإبراء المعسر أفضل من إنظاره ، ويؤخذ من قوله : ابتداؤه أنه لو أتى به بعد تكلم لم يعتد به ، نعم يحتمل في تكلم سهوا أو جهلا وعذر به أنه لا يفوت الابتداء به فيجب جوابه ، أماالذمي فيحرم ابتداؤه بالسلام  ، ولو أرسل سلامه لغائب  يشرع له السلام عليه بصيغة مما مر ، كقل له : فلان يقول السلام عليك لا بنحو سلم لي عليه على ما قيل ، والذي في الأذكار خلافه وعبارته : أو أرسل رسولا ، وقال : سلم لي على فلان  ، لزم الرسول أن يبلغه بنحو : فلان يسلم عليك كما في الأذكار أيضا . فإنه أمانة ويجب أداؤها [ ص: 227 ] ومنه يؤخذ أن محله ما إذا رضي بتحمل تلك الأمانة ، أما لو ردها فلا ، وكذا إن سكت أخذا من قولهم : لا ينسب لساكت قول وكما لو جعلت بين يديه وديعة فسكت ، ويحتمل التفصيل بين أن تظهر منه قرينة تدل على الرضا وعدمه ، ثم رأيت بعضهم قال : قالوا يجب على الموصى به تبليغه ومحله إن قبل الوصية بلفظ يدل على التحمل لتعليلهم بأنه أمانة ؛ إذ تكليفه الوجوب بمجرد الوصية بعيد ، وإذا قلنا بالوجوب فالظاهر أنه لا يلزمه قصده ، بل إذا اجتمع به وذكر بلغه انتهى . وما ذكره آخرا فيه نظر ، بل الذي يتجه أنه يلزمه قصد محله حيث لا مشقة شديدة عرفا عليه ؛ لأن أداء الأمانة ما أمكن واجب ، فإن قلت : الواجب في الوديعة  التخلية لا الرد . قلت : محله إذا علم المالك بها ، وإلا وجب إعلامه بقصده إلى محله أو إرسال خبرها له مع من يثق به فكذا هنا ؛ ومن ثم قالوا في الأمانة الشرعية كثوب طيرته الريح إلى داره يلزمه فورا إن عرف مالكه إعلامه به ، ( إلا على ) نحو ( قاضي حاجة ) بول أو غائط أو جماع للنهي عنه في سنن ابن ماجه ؛ ولأن مكالمته بعيدة عن الأدب ، ( و ) شارب و ( آكل ) في فمه اللقمة لشغله عن الرد ، ( و ) كائن في ( حمام ) لاشتغاله بالاغتسال ؛ ولأنه مأوى الشياطين .

                                                                                                                              وقضية الأولى ندبه على غير المشتغل بشيء ولو داخله ، والثانية عدم ندبه على من فيه ولو بمسلخة وهو قضية كراهة الصلاة فيه إلا أن يفرق ، ثم رأيت الزركشي وغيره رجحوا أنه يسلم على من بمسلخة ويوجه بأن كونه محل الشياطين لا يقتضي ترك السلام عليه ألا ترى أن السوق محلهم ، ويسن السلام على من فيه ويلزمهم الرد .

                                                                                                                              وإلا على فاسق ، بل يسن تركه على مجاهر بفسقه ومرتكب ذنب عظيم لم يتب منه ومبتدع  إلا لعذر أو خوف مفسدة ، وإلا على مصل وساجد وملب ومؤذن ومقيم وناعس وخطيب [ ص: 228 ] ومستمعه ومستغرق القلب بدعاء إن شق عليه الرد أكثر من مشقة الآكل كما يقتضيه كلام الأذكار ، ومتخاصمين بين يدي قاض ( ولا جواب ) يجب ( عليهم ) ، إلا مستمع الخطيب فإنه يجب عليه وذلك لوضعه السلام في غير محله ، بل يكره لقاضي حاجة ونحوه كالمجامع ويسن للآكل ، نعم يسن السلام عليه بعد البلع  وقبل وضع اللقمة بالفم ويلزمه الرد ، ولمن بالحمام وملب ونحوهما باللفظ ولمصل ومؤذن بالإشارة ، وإلا فبعد الفراغ أي إن قرب الفصل ، ويحرم على من سلم عليه نحو حربي أو مرتد ، ورجح المصنف ندبه على القارئ وإن اشتغل بالتدبر ووجوب الرد عليه ، ويتجه أخذا مما مر في الدعاء أن الكلام في متدبر لم يستغرق التدبر قلبه ، وإلا وقد شق عليه ذلك لم يسن ابتداء ولا جواب ؛ لأنه الآن بمنزلة غير المميز ، بل ينبغي فيمن استغرقه هم كذلك أن يكون حكمه ذلك .

                                                                                                                              ويسن عند التلاقي سلام صغير على كبير ، وماش على واقف أو مضطجع ، وراكب عليهم ، وقليلين على كثيرين  ؛ لأن نحو الماشي يخاف من نحو الراكب ؛ ولزيادة مرتبة نحو الكبير على نحو الصغير ، وظاهر قولهم حيث لم يسن الابتداء لا يجب الرد [ ص: 229 ] إلا ما استثني أنه لا يجب الرد هنا في ابتداء من لم يندب له ، ويحتمل وجوبه ؛ لأن عدم السنية هنا لأمر خارج هو مخالفة نوع من الأدب ، وخرج بالتلاقي الجالس والواقف والمضطجع فكل من ورد على أحدهم يسلم عليه مطلقا ، ولو سلم كل على الآخر فإن ترتبا كان الثاني جوابا أي ما لم يقصد به الابتداء وحده على ما بحثه بعضهم ، وإلا لزم كلا الرد .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله : [ ص: 226 ] ويؤخذ من قوله : ابتداؤه أنه لو أتى به بعد تكلم لم يعتد به ) في الروض عطفا على المستحب وأنه يبدأ به قبل الكلام ا هـ . ولم يزد شرحه على الاستدلال له . ( قوله لغائب ) ينبغي ولو فاسقا فيلزمه تبليغه ؛ لأنه تحمل الأمانة وإن جاز ترك رد سلام الفاسق زجرا م ر . ( قوله : يشرع له السلام ) خرج الكافر والمرأة الشابة . ( قوله : لا بنحو سلم لي عليه ) أي : إلا أن يأتي الرسول بصيغة معتبرة كأن يقول له : فلان يقول لك السلام عليك فيكفي قول الرسول : فلان يسلم عليك فالحاصل أنه يعتبر وجود الصيغة المعتبرة من المرسل أو الرسول م ر .

                                                                                                                              ( قوله : [ ص: 227 ] أما لو ردها ) هذا ظاهر إذا ردها بحضرة المسلم المرسل أما لو ردها بعد مفارقته كأثناء الطريق فهل يصح هذا الرد حتى لا يلزمه التبليغ أو لا يصح ؟ كما لو رد الوديعة بغير غيبة المالك فإنه لا يصح هذا الرد ، فيه نظر ولعل الأقرب الثاني م ر . ( قوله : قلت محله إذا علم المالك إلخ ) قضيته إنه إذا علم المرسل إليه إرسال السلام إليه لم يجب قصده وإن لم يشق فليحرر . ( قوله : ثم رأيت الزركشي وغيره رجحوا أنه يسلم على من بمسلخه ) كتب عليه م ر . ( قوله : وإلا على مصل وساجد إلخ ) في فتاوى شيخ الإسلام في باب الوضوء : أنه سئل هل يشرع السلام على [ ص: 228 ] المشتغل بالوضوء ويسن له الرد أو لا ؟ فأجاب بأن الظاهر أنه يشرع السلام عليه ويجب عليه الرد . ا هـ . ويفارق ذلك ما مر في المغتسل بأن من شأنه أن يكون متجردا كلا أو بعضا فيشق عليه مكالمته في هذه الحالة . ( قوله : ومستغرق القلب بدعاء إلخ ) الأذكار المطلوبة عقب الصلاة قبل التكلم هل يسن السلام ويجب الرد على المشتغل بها أو لا ؟ فيه نظر ، والثاني غير بعيد إذ يشق عليه الرد مشقة شديدة لتفويته الثواب المترتب عليها ، واحتمال أن لا يفوت بعذره بالرد يعارضه الاحتياط في تحصيل ذلك الثواب لاحتمال أن لا يكون معذورا بالرد في الواقع فليتأمل ، نعم إن قيد الكلام في الأخبار بما ليس خبرا اتجه أنه لم يضر فلا كلام في ندب السلام معها ووجوب الرد . ( قوله : صغير على كبير إلخ ) قال في الروض وإن عكس لم يكره . ا هـ . ( قوله : وقليلين على كثيرين ) قال في شرح الروض فلو تلاقى قليل ماش وكثير راكب تعارضا . ا هـ . ( قوله : ولزيادة مرتبة نحو الكبير ) [ ص: 229 ] أي : كالكثير ، وقوله على نحو الصغير أي : كالقليل . ( قوله : هنا ) إشارة إلى ما في قوله : ويسن عند التلاقي عنه إلخ وقوله : ويحتمل وجوبه ولعله الأظهر . ( قوله : فكل من ورد ) ولو كثيرا وقليلا




                                                                                                                              الخدمات العلمية