الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              ( أو عزم على الكفر غدا ) مثلا ( أو تردد فيه ) أيفعله أو لا   ( كفر ) في الحال في كل ما مر لمنافاته للإسلام وكذا من أنكر صحبة أبي بكر أو رمى ابنته عائشة رضي الله عنهما بما برأها الله منه  وكذا في وجه حكاه القاضي من سب الشيخين أو الحسن والحسين  رضي الله عنهم ( تنبيه )

                                                                                                                              ذكر مسألة العزم ليبين أنه المراد من النية في كلامهم ؛ لأنها قصد الشيء مقترنا بفعله ، وهو غير شرط هنا ( والفعل المكفر  ما تعمده استهزاء صريحا بالدين ) [ ص: 90 ] أو عنادا له ( أو جحودا له كإلقاء المصحف ) أو نحوه مما فيه شيء من القرآن بل أو اسم معظم أو من الحديث قال الروياني [ ص: 91 ] أو من العلم الشرعي ( بقاذورة ) أو قذر طاهر كمخاط وبصاق ومني ؛ لأن فيه استخفافا بالدين وقضية قوله كإلقاء أن الإلقاء ليس بشرط ، وأن مماسة شيء من ذلك بقذر كفر أيضا وفي إطلاقه نظر ولو قيل لا بد من قرينة تدل على الاستهزاء لم يبعد ( أو سجود لصنم أو شمس ) أو مخلوق آخر وسحر فيه  نحو عبادة كوكب ؛ لأنه أثبت لله تعالى شريكا وزعم الجويني أن الفعل بمجرده لا يكون كفرا رده ولده نعم إن دلت قرينة قوية على عدم دلالة الفعل على الاستخفاف كأن كان الإلقاء لخشية أخذ كافر أو السجود من أسير في دار الحرب بحضرتهم فلا كفر وخرج بالسجود الركوع لأن صورته تقع في العادة للمخلوق كثيرا بخلاف السجود نعم يظهر أن محل الفرق بينهما عند الإطلاق بخلاف ما لو قصد تعظيم مخلوق بالركوع كما يعظم الله به  فإنه لا شك في الكفر حينئذ

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله : أو عزم على الكفر غدا أو تردد فيه كفر ) قال الشارح في الإعلام بقواطع الإسلام وفارق ذلك عزم العدل على مقارفة كبيرة فإنه لا يفسق بأن نية الاستدامة على الإيمان شرط فيه بخلاف نية الاستقامة على العدالة فإنها ليست شرطا فيها وكأن وجه ذلك أن الإيمان التصديق ، وهو منتف مع العزم والعدالة اجتناب الكبائر مع عدم غلبة المعاصي والنية لا تنافي ذلك ا هـ ولما عد في الروض من المكفرات قوله : أو عزم على الكفر أو علقه أو تردد هل يكفر ؟ قال في شرحه ؛ لأن استدامة الإيمان واجبة فإذا تركها كفر ولهذا فارق عدم تفسيق العدل بعزمه على فعل كبيرة أو تردد فيه ا هـ فليتأمل ( قوله : وكذا في وجه حكاه إلخ ) يفيد أن الصحيح خلافه ( قوله : أو عنادا له ) قد يكون المصنف أدخله في الاستهزاء فإن العناد لا يخلو عن [ ص: 90 ] استهزاء ( قوله : بل أو اسم معظم ) يشمل أسماء الأنبياء والملائكة .

                                                                                                                              ( فائدة )

                                                                                                                              للجلال السيوطي مصنف حافل جليل سماه تنزيه الأنبياء عن تسفيه الأغنياء يتعين الوقوف عليه واستفادة ما فيه ، وهو من جملة ما سطر في فتاويه ومن جملة ما فيه قوله : وقع أن رجلا خاصم رجلا فوقع بينهما سب كثير فقذف أحدهما عرض الآخر فنسبه الآخر إلى رعي المعزى فقال له ذاك : تنسبني إلى رعي المعزى فقال له والد القائل الأنبياء رعوا المعزى أو ما من نبي إلا رعى المعزى وذلك بسوق الغزل بجوار الجامع الطولوني بحضرة جمع كثير من العوام فترافعوا إلى الحكام فبلغ الخبر قاضي القضاة المالكي فقال لو رفع إلي ضربته بالسياط ، فسئلت ماذا يلزم الذي ذكر الأنبياء مستدلا بهم في هذا المقام فأجبت بأن هذا المستدل يعزر التعزير البليغ ؛ لأن مقام الأنبياء أجل من أن يضرب مثلا لآحاد الناس ثم ذكر أن المستدل أي بأمثال ذلك تارة يكون في مقام التدريس والإفتاء والتصنيف وتقرير العلم بحضرة أهله وهذا لا إنكار عليه وتارة يكون في الخصام والتبري من معرة أو نقص ينسب إليهما هو أو غيره وهذا محل الإنكار والتأديب لا سيما إذا كان بحضرة العوام وفي الأسواق وفي التفاوض بالقذف والسب ونحو ذلك ولكل مقام مقال ولكل محل حكم يناسبه ثم ذكر أنه سئل شيخ الإسلام حافظ العصر ابن حجر عما يقع في الموالد من بعض الوعاظ أنهم يذكرون في مجالسهم الحفلة المشتملة على الخاص والعام من الرجال والنساء ماجريات هي مخلة بكمال التعظيم حتى يظهر من السامعين لها حزن ورقة يبقى في حيز من يرحم لا من يعظم من ذلك أنهم يقولون إن المراضع حضرن ولم يأخذنه لعدم ماله إلا حليمة رغبت في رضاعه شفقة عليه

                                                                                                                              ويقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرعى غنما وينشدون

                                                                                                                              بأغنامه سار الحبيب إلى المرعى فيا حبذا راع فؤادي له يرعى

                                                                                                                              وفيه

                                                                                                                              فما أحسن الأغنام وهو يسوقها

                                                                                                                              فأجاب بما نصه ينبغي لمن يكون فطنا أن يحذف من الخبر ما يوهم في المخبر عنه نقصا ولا يضره ذلك بل يجب هذا جوابه بحروفه ا هـ وأطال في هذا المؤلف بفوائد نفيسة [ ص: 91 ] واحتجاجات نقلية ومعنوية يتعين استفادتها ( قوله : أو من العلم الشرعي ) هل المراد به ما يشمل آلته ؟ ( قوله : أو قذر طاهر كمخاط وبصاق إلخ ) اختلف مشايخنا في مسح القرآن من لوح المتعلم بالبصاق فأفتى بعضهم بحرمته مطلقا وبعضهم بحله مطلقا وبعضهم بحرمته إن بصق على القرآن ثم مسحه وبحله إن بصق على [ ص: 92 - 93 ] نحو خرقة ثم مسح بها




                                                                                                                              الخدمات العلمية