الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              ( ولو قتل أحد أخوين ) [ ص: 405 ] شقيقين حائزين ( الأب و ) قتل ( الآخر الأم  معا ) ولو احتمالا بأن لم يتيقن سبق والمعية والترتيب بزهوق الروح ( فلكل قصاص ) على الآخر ؛ لأنه قتل مورثه مع امتناع التوارث بينهما ومن ثم لم يفرق هنا بين بقاء الزوجية وعدمه فإن عفا أحدهما فللمعفو عنه قتل العافي ( ويقدم ) أحدهما للقصاص عند التنازع ( بقرعة ) إذ لا مزية لأحدهما على الآخر مع كونهما مقتولين ومن ثم لو طلب أحدهما فقط أجيب ولا قرعة وبحث البلقيني أنه لا قرعة أيضا فيما إذا كان موت كل بسراية قطع عضو فلكل طلب قطع عضو الآخر حالة قطع عضوه أي لإمكان المعية هنا بخلافها في القتل ثم إن ماتا سراية ولو مرتبا وقع قصاصا ولا فيما لو قتلاهما معا في قطع الطريق فللإمام قتلهما معا وإن لم يطلب منه ذلك تغليبا لشائبة الحد ولهما التوكيل قبل القرعة فيقرع بين الوكيلين وبقتل أحدهما ينعزل وكيله ؛ لأن الوكيل ينعزل بموت موكله ومن ثم كان الأوجه أنهما لو قتلاهما معا لم يقع الموقع لتبين انعزال كل بموت موكله فعلى كل من الوكيلين دية مغلظة نظير ما يأتي فيما لو اقتص بعد عفو موكله أو عزله له .

                                                                                                                              ( فإن اقتص بها ) أي القرعة ( أو مبادرا ) [ ص: 406 ] قبلها ( فلوارث المقتص منه قتل المقتص إن لم نورث قاتلا بحق ) وهو المعتمد لبقاء القصاص عليه ولم ينتقل له منه شيء ( وكذا إن قتلا مرتبا ) وعلمت عين السابق ( ولا زوجية ) بين الأبوين  فلكل منهما القود على الآخر ويبدأ بالقاتل الأول و إيهام المتن الإقراع هنا أيضا غير مراد خلافا للبلقيني إلا في قطع الطريق فللإمام قتلهما معا نظير ما مر ولا يصح توكيله أعني الأول ؛ لأن الآخر إنما يقتل بعده وبقتله تبطل الوكالة ولا ينافيه أنه لو بادر وكيله وقتل لم يلزمه شيء ؛ لأنه لمطلق الإذن ولا يلزم منه صحة الوكالة فاندفع ما للروياني هنا ( وإلا ) بأن كان بينهما زوجية ( فعلى الثاني فقط ) القصاص دون الأول لأنه ورث من له عليه بعض القود ففيما إذا قتل واحد أباه ثم الآخر أمه لا قود على قاتل الأب ؛ لأن قوده ثبت لأمه وأخيه فإذا قتلها الآخر انتقل ما كان لها لقاتل الأب ؛ لأنه الذي يرثها وهو ثمن دمه فسقط عنه الكل ؛ لأنه لا يتبعض وعليه في ماله لورثة أخيه سبعة أثمان الدية أو واحد أمه ثم الآخر أباه يقتل قاتل الأب فقط لما ذكر .

                                                                                                                              قال البلقيني ومحل هذا حيث لا مانع كالدور حتى لو تزوج بأمهما في مرض موته ثم قتلاهما مرتبا  فلكل القود على الآخر مع وجود الزوجية ثم إن كان المقتول أولا هو فلكل القود على الآخر أي لانتفاء إرثها منه أو هي اختص بالثاني أي لإرثه منها قال فليتنبه لذلك فإنه من النفائس انتهى واعترض عليه بأن ما ذكره من التصوير لا دور فيه ويرد بأنه وكل الأمر في تمام التصوير على الشهرة فقد مر أول الفرائض أن مما يمنع الإرث بالزوجية من جانب الزوجة ما لو أعتق أمته في مرض موته وتزوج بها  للدور فليحمل كلامه هذا على أن التي تزوجها في مرض موته هي أمته التي أعتقها في المرض ثم طال به حتى أولدها ولدين فعاشا إلى أن بلغا ثم قتلاهما وحينئذ فالحكم الذي ذكره واضح أما إذا علم السبق وجهلت عين السابق فالوجه الوقف إلى التبين ؛ لأن الحكم على أحدهما حينئذ بقود أو عدمه تحكم هذا إن رجي وإلا فظاهر أنه لا طريق سوى الصلح .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              [ ص: 405 ] قوله : شقيقين حائزين ) كتب شيخنا الشهاب البرلسي بهامش المحلي ما نصه قوله : شقيقين شرط لصحة قوله فلكل منهما القصاص على الآخر ولغير ذلك مما يأتي ، وأما اشتراط الحيازة فلا وجه له فيما يظهر لي انتهى ( وأقول ) قوله شرط لصحة قوله فلكل منهما القصاص كأن مراده شرط لصحة ذلك القول على الإطلاق وإلا فصحته مطلقا لا تتوقف على ذلك ؛ لأنه إذا كان أحدهما للأب فقط وقتل الأم وقتل الآخر الأب كان لكل القصاص على الآخر ؛ لأن الذي للأب قتل أم الآخر والآخر قتل أبا الذي للأب ، بخلاف ما لو انعكس الحال ؛ لأن الذي للأبوين حينئذ لم يقتل مورث الذي للأب وقوله : وأما اشتراط الحيازة إلخ يمكن أن يجاب عنه بأن وجه اشتراط الحيازة أن يكون القصاص لكل منهما بمفرده على الآخر حتى لا يمنع منه مانع من عفو من غيره أو غير ذلك ( قوله وإن لم يطلب منه ذلك إلخ ) قد ينازع فيما قاله البلقيني في هذا أن الصحيح أن المغلب في قتل قاطع الطريق معنى القصاص فإذا طلب أحدهما الإقراع ليتقدم بالتشفي الذي هو حقه فكيف يمنع منه وكذا يقال فيما يأتي قريبا إذا طلب القاتل الثاني التقديم بالأولى فليتأمل ثم رأيت قول الشارح الآتي في فصل الصحيح ثبوته لكل وارث ما نصه ويأتي في قاطع الطريق أن قتله إذا تحتم تعلق بالإمام دون الورثة انتهى .

                                                                                                                              ( قوله : ولهما التوكيل قبل القرعة إلخ ) أما بعد القرعة فيجوز التوكيل لمن خرجت قرعته دون من لم تخرج قرعته ؛ لأن وكالته تبطل بقتله وفيه ما يأتي بالهامش قريبا عن الروياني كما قاله في شرح الروض ( قوله : كان الأوجه ) يؤيد هذا الأوجه ما سيأتي قريبا في صورة الترتيب أنه لا يصح توكيل الأول فإنه منقول عن الأصحاب كما بين في الهامش وإن خالف فيه الروياني والمانع من صحة توكيل الأول مانع من صحة توكيلهما في المعية فتأمله ( قوله لتبين انعزال كل بموت موكله ) ؛ لأن الانعزال يقارن الموت ( قوله ويبدأ بالقاتل الأول ) أقول إنما بدئ بالأول ؛ لأن حقه واجب أولا فوجب تقديمه فإن قلت لم وجب هنا تقديم ما وجب أولا ولم يجب فيما لو لزمه ديتان لرجلين على الترتيب حتى لو ضاق ماله عنهما لم يجب تقديم الأول بل يجوز قسمته بينهما قلت يمكن أن يفرق بأن الحقين هنا لما لم يمكن أن يستوفيهما صاحباهما بنفسهما دفعة كان لا بد من تقديم [ ص: 406 ] أحدهما والسابق حقه أحق بخلاف الحقين هناك سم ( قوله ولا يصح توكيله أعني الأول ؛ لأن الآخر إنما يقتل بعده وبقتله تبطل الوكالة ) نقل ذلك الروياني عن الأصحاب ثم قال وعندي أن توكيله صحيح ولهذا لو بادر وكيله بقتله لم يلزمه شيء لكن إذا قتل موكله بطلت الوكالة .

                                                                                                                              ( قوله : فلكل القود على الآخر ) انظره مع تفصيله بقوله ثم إن كان إلخ ويمكن أن يجاب بأن المراد فلكل القصاص على الآخر في الجملة ( قوله : ثم إن كان المقتول أولا هو ) أي الأب ( قوله : أما إذا علم السبق وجهلت عين السابق فالوجه الوقف ) ولو علمت عين السابق ثم نسي فالوقف إلى التبين ظاهر ( قوله : إلى التبين ) هلا أقرع ولا تحكم مع القرعة حيث لزم القصاص كلا [ ص: 407 ] منهما ، وكذا يقال في قوله لا طريق سوى الصلح أما إذا علم الثاني فقط فما قاله واضح .




                                                                                                                              الخدمات العلمية