الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              ( ولا قصاص إلا في العمد   ) الآتي إجماعا بخلاف الخطأ لآية { ومن قتل مؤمنا خطأ } وشبه العمد للخبرين المذكورين ( وهو قصد الفعل و ) عين ( الشخص ) يعني الإنسان  إذ لو قصد شخصا يظنه نخلة فبان إنسانا  كان خطأ كما يأتي ( بما يقتل غالبا ) فقتله هذا حد للعمد من حيث هو فإن أريد بقيد إيجابه للقود زيد فيه ظلما من حيث الإتلاف لإخراج القتل بحق أو شبهة كمن أمره قاض بقتل بان خطؤه في سببه من غير تقصير كتبين رق شاهد به وكمن رمى لمهدر أو غير مكافئ فعصم أو كافأ قبل إصابة وكوكيل قتل فبان انعزاله أو عفو موكله وإيراد هذه الصور عليه غفلة [ ص: 377 ] عما قررته والظلم لا من حيث الإتلاف كأن استحق حز رقبته فقده نصفين وغالبا إن رجع للآلة لم يرد غرز الإبرة الموجب للقود ؛ لأنه سيذكره على أنه بقيد كونه في مقتل أو مع دوام الألم يقتل غالبا أو للفعل لم يرد قطع أنملة سرت للنفس ؛ لأنه مع السراية يقتل غالبا فاندفع ما لبعضهم هنا .

                                                                                                                              ومال ابن العماد فيمن أشار لإنسان بسكين تخويفا له فسقطت عليه من غير قصد  إلى أنه عمد موجب للقود فيه نظر ؛ لأنه لم يقصد عينه بالآلة قطعا فالوجه أنه غير عمد ( جارح ) بدل من ما الواقعة على أعم منهما كتجويع وسحر وخصاء ؛ لأنهما الأغلب مع الرد بالثاني على أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه مع قوله لو قتله بعمود حديد قتل ( أو مثقل ) للخبر الصحيح { أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين فأمر صلى الله عليه وسلم برض رأسه كذلك } ورعاية المماثلة وعدم إيجابه شيئا فيها يردان إن زعم أنه قتله لنقضه العهد ودخل في قولنا عين الشخص رميه لجمع بقصد إصابة أي واحد منهم بخلافه بقصد إصابة واحد فرقا بين العام والمطلق إذ الحكم في الأول على كل فرد فرد مطابقة وفي الثاني على الماهية مع قطع النظر عن ذلك ( فإن فقد ) قصدهما أو ( قصد أحدهما ) أي الفعل وعين الإنسان ( بأن ) تستعمل غالبا لحصر ما قبلها فيما بعدها وكثيرا ما تستعمل مثل كان كما هنا ( وقع عليه ) أي الشخص المراد به الإنسان [ ص: 378 ] كما مر ( فمات ) وهذا مثال للمحذوف أو للمذكور على ما يأتي ( أو رمى شجرة ) مثلا أو آدميا ( فأصابه ) أي غير من قصده فمات  أو رمى شخصا ظنه شجرة فبان إنسانا ومات   ( فخطأ ) وهذا مثال لفقد قصد الشخص دون الفعل ويصح جعل الأول من هذا أيضا على بعد نظرا إلى أن الوقوع لما كان منسوبا بالواقع صدق عليه الفعل المقسم للثلاثة وأنه قصده وعكسه محال وتصويره بضربه بظهر سيف فأخطأ لحده فهو لم يقصد الفعل بالحد يرد بأن المراد بالفعل الجنس وهو موجود هنا وبما لو هدده ظالم فمات به فالذي قصده به الكلام وهو غير الفعل الواقع به يرد أيضا بأن مثل هذا الكلام قد يهلك عادة

                                                                                                                              ( تنبيه ) سيعلم من كلامه أن من الخطأ أن يتعمد رمي مهدر فيعصم قبل الإصابة  تنزيلا لطرو العصمة منزلة طرو إصابة من لم يقصده ( وإن قصدهما ) أي الفعل والشخص أي الإنسان وإن لم يقصد عينه ( بما لا يقتل غالبا  فشبه عمد ) ويسمى خطأ عمد وعمد خطأ وخطأ شبه عمد سواء أقتل كثيرا أم نادرا كضربة يمكن عادة إحالة الهلاك عليها بخلافها بنحو قلم أو مع خفتها جدا وكثرة الثياب فهدر

                                                                                                                              ( تنبيه ) وقع لشيخنا في المنهج وشرحه ما يصرح باشتراط قصد عين الشخص هنا أيضا وهو عجيب لتصحيحه في الروضة قبيل الديات أن قصد العين لا يشترط في العمد فأولى شبهه لكن هذا ضعيف والمعتمد كما قاله الإسنوي وغيره وبه جزم الشيخان في الكلام على المنجنيق أنه إن وجد قصد العين فعمد وإلا كان قصد غير معين كأحد الجماعة فشبه عمد [ ص: 379 ] ( ومنه الضرب بسوط أو عصا ) خفيفين لم يوال ولم يكن بمقتل ولا كان البدن نضوا ولا اقترن بنحو حر أو صغر  وإلا فعمد كما لو خنقه فضعف وتألم حتى مات لصدق حده عليه وكالتوالي ما لو فرق وبقي ألم كل إلى ما بعده نعم إن أبيح له أوله فقد اختلط شبه العمد به فلا قود ولك أن تقول لا يرد على طرده تعزير ونحوه فإنه إنما جعل خطأ مع صدق الحد عليه لأن تجويز الإقدام له ألغى قصده ولا على عكسه قول شاهدين رجعا لم نعلم أنه يقتل بقولنا فإنه إنما جعل شبه عمد مع قصد الفعل والشخص بما يقتل غالبا ؛ لأن خفاء ذلك عليهما مع عذرهما به صيره غير قاتل غالبا وإذا تقررت الحدود الثلاثة .

                                                                                                                              ( فلو غرز إبرة ) ببدن  نحوهم أو نضو وصغير أو كبير وهي مسمومة أي بما يقتل غالبا أخذا من اشتراطهم ذلك في سقيه له ويحتمل الفرق ؛ لأن غوصها مع السم يؤثر ما لا يؤثره الشرب ولو بغير مقتل أو ( بمقتل ) بفتح التاء كدماغ وعين وحلق وخاصرة وإحليل ومثانة وعجان وهو ما بين الخصية والدبر ( فعمد ) وإن لم يكن معه ألم ولا ورم لصدق حده عليه نظرا لخطر المحل وشدة تأثره ( وكذا ) يكون عمدا غرزها ( بغيرها ) كألية وورك ( إن تورم ) ليس بقيد كما صرح هو به ( وتألم ) تألما شديدا دام به ( حتى مات ) لذلك ( فإن لم يظهر أثر ) بأن لم يشتد الألم أو اشتد ثم زال ( ومات في الحال ) [ ص: 380 ] أو بعد زمن يسير أي عرفا فيما يظهر ( فشبه عمد ) كالضرب بسوط خفيف ( وقيل عمد ) كجرح صغير ويرد بوضوح الفرق ( وقيل لا شيء ) من قود ولا دية إحالة للموت على سبب آخر ويرد بأنه تحكم إذ ليس ما لا وجود له أولى مما له وجود وإن خف ( ولو غرزها فيما لا يؤلم كجلدة عقب ) فمات ( فلا شيء بحال ) ؛ لأن الموت عقبه موافقة قدر وخرج بما لا يؤلم ما لو بالغ في إدخالها فإنه عمد وإبانة فلقة لحم خفيفة وسقي سم يقتل كثيرا لا غالبا كغرزها بغير مقتل وقياس ما مر أن ما يقتل نادرا كذلك

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله : يعني الإنسان ) أي باعتبار كونه إنسانا وإلا لم تخرج صورة النخلة ( قوله : بما يقتل غالبا ) أي بالنسبة لذلك الشخص وذلك المحل الذي وقعت فيه الجناية فيدخل غرز الإبرة بمقتل والضرب بعصا خفيفة لنحو مريض أو صغير يقتل مثله غالبا ( قوله : هذا حد للعمد إلخ ) قد يلتزم أنه حد للعمد الموجب للقود وغاية الأمر أنه ترك قيدين مفهومين من المباحث الآتية فهو من الحذف لقرينة ونقل ابن النقيب في مختصر الكفاية عن بعضهم حدا آخر للعمد ثم قال واعترض على هذا الحد بأن من ضرب كوع شخص بعصا فتورم ودام الألم حتى مات فإنا نعلم حصول الموت به ولا قصاص ا هـ .

                                                                                                                              فليتأمل وليراجع فقد يتوقف فيه ( قوله أو غير مكافئ إلخ ) في خروجه نظر فإن قتله ظلم من حيث الإتلاف وكذا مسألة الوكيل إن أريد ولو في الواقع ( قوله : غفلة ) فإن قلت لا يصح ذلك ؛ لأن المفهوم من قوله وهو قصد الفعل إلخ عقب قوله ولا قصاص إلا في العمد هو تفسير العمد الموجب للقصاص فالإيراد صحيح ( قلت ) قوله : ولا قصاص إلا في العمد لا يقتضي وجوب القصاص في كل عمد فلا ينافي اعتبار أمور أخرى للقصاص نعم المتبادر منه ذلك فإن كان الإيراد باعتبار المتبادر فلا غفلة سم

                                                                                                                              ( فرع )

                                                                                                                              نقل ابن النقيب في مختصر الكفاية عن بعضهم حدا آخر للعمد ثم قال واعترض على هذا الحد بأن من ضرب كوع شخص بعصا فتورم ودام الألم حتى مات فإنا نعلم حصول الموت به [ ص: 377 ] ولا قصاص ا هـ فليتأمل وليراجع فقد يتوقف فيه .

                                                                                                                              ( قوله : وغالبا إن رجع للآلة ) يتأمل ( قوله : لأنه مع السراية يقتل غالبا ) أقول فيه نظر من وجوه منها أن السراية خارجة عن الفعل والموصوف بغلبة القتل إنما هو الفعل ، ومنها أن الفعل مع السراية لا يقال فيه يقتل غالبا إذ مع وجود السراية يستحيل تخلف القتل بل هو معها قاتل ولا بد فإن أريد هذا المعنى بأن أريد أن الفعل مع السراية قاتل ولا بد ورد عليه ما يقتل نادرا إذا سرى فإنه مع السراية قاتل ولا بد مع أنه لا قصاص فيه فليتأمل ، وقد يقال ما يقتل دائما من أفراد ما يقتل غالبا فليتأمل سم ( قوله : بدل من ما الواقعة على أعم منهما ) قد يستشكل البدلية بأنه إن كان بدل بعض فبدل البعض يخصص كما صرح به ابن الحاجب وغيره ولا وجه للتخصيص مع عموم الحكم أو بدل كل لم يصح ؛ لأن الجارح أو المثقل لا يساوي لفظ ما في المعنى فينبغي أن يقدر معطوف عليهما أخذا من السياق لقوله الآتي فلو شهدا بقصاص إلخ والتقدير أو غيرهما ويجعل من بدل الكل إذ المعنى حينئذ بأحد هذه الأمور مرادا بأحدها المعنى العام الشامل لكل واحد من الثلاثة ( قول المتن أو مثقل ) أي أو غيرهما بقرينة السياق ( قوله : وعدم إيجابه شيئا فيها ) ضبب بينه وبين قوله رأس جارية ( قوله : فرقا إلخ ) الفرق تحكم قوي فليتأمل المتأمل ( قوله : فرقا بين العام والمطلق ) أي بين معنى العام ومعنى المطلق إن قلنا : إن العموم من [ ص: 378 ] عوارض الألفاظ فقط أو بين المعنى العام والمعنى المطلق إن قلنا إنه من عوارض المعاني أيضا ( قوله : وهذا مثال للمحذوف ) أقول يمكن أن يشمل قوله فإن فقد قصد أحدهما فقد قصدهما فيكون هذا مثالا للمذكور وهذا غير قوله أو للمذكور على ما يأتي فتأمله سم ( قوله وأنه قصده ) فيه تأمل ( قوله : وهو غير الفعل الواقع به ) لا يخفى أنه ليس هنا إلا الكلام المهدد به والمتأثر به والتأثر به ليس فعلا فما هو الفعل الواقع به الذي الكلام غيره ( قوله : مثل هذا الكلام قد يهلك عادة ) أي فهو الفعل هنا وهو مقصود ( قوله : منزلة طرو إلخ ) يغني عن ذلك أن يراد بالشخص في تعريفه العمد الإنسان المعصوم بقرينة ما سيعلم والتقدير حينئذ قصد الإنسان المعصوم باعتبار أنه إنسان معصوم ( قوله : وإن لم يقصد عينه ) مع قوله قبيله أي الإنسان يتحصل منه أن صورة المسألة أنه قصد إنسانا من جماعة أي واحدا منهم لا واحدا بعينه ولا أي واحد لا منهم وحينئذ فحاصل هذه المبالغة مع الأصل أن شبه العمد أن يقصد الإنسان سواء قصد عينه أو أي واحد أو واحدا بما لم يقتل غالبا ، لكن قضية قوله السابق بخلافه بقصد إصابة واحد فرقا بين العام إلخ وما ذكره في التنبيه الآتي في مسألة المنجنيق أن قصد إصابة واحد شبه عمد ولو بما يقتل غالبا وكان ينبغي أن يقال وإن قصدهما بما لا يقتل [ ص: 379 ] غالبا ، وكذا بما يقتل غالبا ولم يقصد عين الشخص فشبه عمد ( قوله : وكالتوالي ما لو فرق وبقي ألم كل إلى ما بعده ) الضابط في الضربات أنه إن قصد ابتداء الإتيان بالجميع وبقي ألم كل واحدة إلى ما بعدها وجب القصاص وإلا فلا م ر ( قوله : نعم إن أبيح له أوله إلخ ) لعل هذا إذا كان للأول المذكور مدخل في التلف أما إذا لم يكن وكان ما بعده مما يستقل بالتلف فلا أثر لهذا الاختلاط ( قوله : فقد اختلط شبه العمد ) هل الواجب هنا نصف دية شبه العمد أخذا مما يأتي في الشرح وإلا فلا في الأظهر وقوله فلا قود قد يشكل عليه قوله : الآتي وعلم الحابس الحال فعمد ؛ لأن أول الضرب الذي أبيح له نظير ما سبق هناك من الجوع والعطش وهو هنا عالم ؛ لأنه ضارب ( قوله : فإنه إنما جعل خطأ ) أي حتى تجب دية الخطأ ( قوله : صيره غير قاتل غالبا ) هذا ممنوع منعا واضحا ولو قال صيره في حكم غير القاتل غالبا كان له نوع قرب ( قوله : بأن لم يشتد الألم ) أي وإلا فالألم على الجملة [ ص: 380 ] لازم للمغرور ( قوله : أو بعد زمن يسير ) بخلاف الكثير ( قوله : إذ ليس إلخ ) قد يقال ذلك السبب يحتمل الوجود والإحالة عليه موافقة لأصل براءة الذمة والسبب الموجود لم يعلم تأثيره فلا تحكم ( قوله : أولى مما له وجود إلخ ) أي كما لزم من الإحالة المذكورة ( قوله : فلقة لحم ) قال في شرح الروض بكسر الفاء وضمها مع إسكان اللام فيهما ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : وقياس ما مر ) ما هو .




                                                                                                                              الخدمات العلمية