الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              ( ومن استشير في خاطب ) ، أو نحو عالم لمن يريد الاجتماع به أو معاملته هل يصلح أو لا   [ ص: 213 ] أو لم يستشر في ذلك كما يجب على من علم بالمبيع عيبا أن يخبر به من يريد شراءه مطلقا  خلافا لمن وهم فيه فقال لا يجب هنا إذا لم يستشر فارقا بأن الإعراض أشد حرمة من الأموال وذلك ؛ لأن الضرر هنا أشد ؛ لأن فيه تكشف بضع وهتك سوأة وذو المروءة يسمح في الأموال بما لا يسمح به هنا ( ذكر ) وجوبا في الأذكار والرياض وشرح مسلم كفتاوى القفال وابن الصلاح وابن عبد السلام ( مساوئه ) الشرعية وكذا العرفية فيما يظهر أخذا من الخبر الآتي { وأما معاوية فصعلوك لا مال له } أي عيوبه سميت بذلك ؛ لأنها تسيء صاحبها أي ما ينزجر به منها إن لم ينزجر بنحو ما يصلح لك كما قاله المصنف كالغزالي ولا ينافيه الحديث الآتي خلافا للأذرعي لاحتمال أنه صلى الله عليه وسلم علم من مستشيرته أنها ، وإن اكتفت بنحو لا يصلح لك تظن وصفا أقبح مما هو فيه فبين دفعا لهذا المحذور ولا يقاس به صلى الله عليه وسلم غيره في ذلك فيلزمه الاقتصار على ذلك .

                                                                                                                              وإن توهم نقص أفحش ؛ لأن لفظه لا يتقيد به فلا مبالاة بإيهامه ( بصدق ) ليحذر بذلا للنصيحة الواجبة وصح { أنه صلى الله عليه وسلم استشير في معاوية وأبي جهم فقال أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه كناية عن كثرة الضرب قيل أو السفر وأما معاوية فصعلوك لا مال له } نعم إن علم أن الذكر لا يفيد أمسك كالمضطر لا يباح له إلا ما اضطر إليه وقد يؤخذ منه أنه يجب ذكر الأخف فالأخف من العيوب وهذا أحد أنواع الغيبة الجائزة ، وهي ذكر الغير بما فيه أو في نحو ولده أو زوجته ، أو ماله مما يكره أي عرفا ، أو شرعا لا بنحو صلاح ، وإن كرهه فيما يظهر ولو بإشارة ، أو إيماء بل وبالقلب بأن أصر فيه على استحضار ذلك ومن أنواعها الجائزة أيضا التظلم لذي قدرة على إنصافه ، أو الاستعانة به على تغيير منكر أو دفع معصية والاستفتاء بأن يذكر وحال خصمه مع تعيينه للمفتي ، وإن أغنى إجماله ؛ لأنه قد يكون في التعيين فائدة .

                                                                                                                              [ ص: 214 ] ومجاهرته بفسق أو بدعة بأن لم يبال بما يقال فيه من جهة ذلك لخلعه جلباب الحياء فلم يبق له حرمة لكن لا يذكر بغير متجاهر به وينبغي أن تكون مجاهرته بصغيرة كذلك فيذكرها فقط وشهرته بوصف يكرهه فيذكر للتعريف ، وإن أمكن تعريفه بغيره لا للتنقيص ويظهر في حالة الإطلاق أنه لا حرمة ولو استشير في نفسه وفيه مساو ففيه تردد والذي يتجه أنه يلزمه أن يقول لا أصلح لكم فإن رضوا به مع ذلك فواضح وإلا لزمه الترك أو الإخبار بما فيه من كل مذموم شرعا أو عرفا فيما يظهر نظير ما مر وبحث الأذرعي تحريم ذكر ما فيه جرح كزنا بعيد ، وإن أمكن توجيهه بأن له مندوحة عنه بترك الخطبة وقول غيره لو علم رضاهم بعيبه فلا فائدة لذكره يرد بأن استشارتهم له في نفسه تدل على عدم رضاهم فتعين الإخبار ، أو الترك كما تقرر والنص على أنها لو أذنت في العقد لم يجز ذكر المساوي ينبغي أن يحمل على ما إذا ظهر بقرائن الأحوال عدم رجوعها عنه ، وإن ذكرت فهو موافق لما مر أن جواز ذكرها مشروط بالاحتياج إليه فتوجيهه بأنها مقصرة بالإذن قبل الاستشارة إنما يأتي على الوهم السابق أنه لا يجب ذكر المساوي إلا بعد الاستشارة فعلى الصواب أنه يجب ، وإن لم يستشر لا يصح هذا التوجيه سواء أكانت غبية أم فطينة خلافا لمن أوهم كلامه فرقا بينهما ومقتضى ما تقرر أن فرضهم التردد السابق فيما لو استشير في نفسه ليس للتقييد فيلزمه ذكر ما فيه بترتيبه السابق ، وإن لم يستشر ، وهو قياس من علم بمبيعه عيبا يلزمه ذكره مطلقا

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله : أي عيوبه ) تفسير لمساويه وقوله بعد أي ما ينزجر به يرجع لعيوبه ( قوله : [ ص: 214 ] تدل على عدم رضاهم ) قد يؤخذ منه عدم ملاقاة هذا الرد للمردود ؛ لأن الفرض علم الرضا وذلك لا يكون مع الإشارة فإن قيل بل قد يجتمعان بأن يعلم رضاهم بعيب مخصوص لكن استشاروه حذرا أن يكون فيه غيره قلنا يمنع توجه الرد أيضا حينئذ ؛ لأن الذي ادعاه هذا القائل عدم ذكر ذلك العيب الذي علم رضاهم به لا عدم ذكر العيب مطلقا وقد يلتزم هذا المدعي مع استشارة فيكفي حينئذ أن يجيبهم بنحو ليس بي ما تكرهونه فليتأمل




                                                                                                                              الخدمات العلمية