الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              ( وإذا مرض ) مرضا ( مخوفا  فليردها إلى المالك ) ، أو وليه ( أو وكيله ) العام ، أو الخاص بها ( وإلا ) يمكنه [ ص: 109 ] ردها لأحدهما ( فالحاكم ) الثقة المأمون يردها إليه ( أو أمين ) يردها إليه إن فقد القاضي وسواء فيه هنا وفي الوصية الوارث وغيره ولو ظنه أمينا فكان غير أمين ضمن ؛ لأن الجهل لا يؤثر في الضمان أي مع تقصيره في البحث عنه فلا ينافي ما يأتي أنه قد يؤثر فيه كما لو ظن الولي مالكا ، أو نقل بظن أنها ملكه ومحله إن وضع المظنون أمانته يده عليها وإلا لم يضمن الوديع على الأوجه من وجهين ؛ لأنه لم يحدث فيها فعلا ( أو ) عطف على ما بعد إلا ليفيد ضعف قول التهذيب يكفيه الوصية وإن أمكنه الرد للمالك ( يوصي بها ) إلى الحاكم فإن فقد فإلى أمين كما أومأ إليه كلامه السابق من أن الحاكم مقدم على الأمين في الدفع فكذا الإيصاء فالتخيير المذكور محمول على ذلك كما تقرر والمراد بالوصية الأمر بردها بعد موته من غير أن يسلمها للوصي وإلا كان إيداعا فيضمن به إن كان الوصي غير أمين أو أمكن الرد إلى قاض أمين .

                                                                                                                              ويشترط الإشهاد على ما فعله من ذلك صونا لها عن الإنكار وأن يشير لعينها ، أو يصفها بمميزها وحينئذ فإن لم يوجد في تركته ما أشار إليه ، أو وصفه فلا ضمان كما رجحه جمع متقدمون وهو متجه وإن أطال البلقيني في الانتصار لخلافه قال ولا ضمان فيما إذا علم تلفها بعد الوصية بلا تفريط في حياته ، أو بعد موته وقبل تمكن الوارث من الرد ورجح المتولي وغيره ضمان وارث قصر بعدم إعلام مالك جهل الإيصاء ، أو بعدم الرد بعد طلبه وتمكنه منه وإن وجد ما هو بتلك الصفة من غير تعدد لم يقبل الوارث أنها غير الوديعة لمخالفته لما أقر به مورثه أن ما بهذه الصفة [ ص: 110 ] ليس له فعلم أن قوله عندي وديعة لفلان ، أو ثوب له لا يدفع الضمان عنه وجد في الثانية في تركته ثوب واحد ، أو أثواب أو لم يوجد ، وكذا لو وصفه ووجد عنده أثواب بتلك الصفة لتقصيره في البيان وفارق وجود عين واحدة هنا من الجنس وجود واحدة بالوصف ؛ لأنه لا تقصير ثم بخلافه هنا ولا يعطى شيئا مما وجد في هذه الصور خلافا للسبكي ومن تبعه وكالمرض المخوف ما ألحق به مما مر .

                                                                                                                              ، نعم : الحبس للقتل في حكم المرض هنا لا ثم كما مر ؛ لأن هذا حق آدمي ناجز فاحتيط له أكثر بجعل مقدمة ما يظن منه الموت بمنزلة المرض ( فإن لم يفعل ) كما ذكر ( ضمن ) لتقصيره بتعريضها للفوات ؛ لأن الوارث يعتمد ظاهر اليد ويدعيها له وإن وجد خط مورثه ؛ لأنه كناية وقيده ابن الرفعة بما إذا لم يكن بها بينة باقية وهو ظاهر معلوم مما مر في الوصية وتردد الرافعي في أن هذا الضمان يتبين بالموت وجوده من أول المرض حتى لو تلفت فيه ضمنها ، أو لا يدخل وقته إلا بالموت والذي رجحه الأذرعي كالسبكي وسبقهما إليه الإمام الثاني ووجهه أن الموت كالسفر فلا يتحقق الضمان إلا به ورجح الإسنوي أنه بمجرد المرض يصير ضامنا إذا لم يوص وإن شفي ولا يشهد له ما لو لم يطعمها حتى مضت مدة يموت مثلها فيها غالبا فإنها تصير مضمونة وإن لم تمت ؛ لأن في هذا فعلا مفضيا للتلف ظنا وليس مجرد ترك الإيصاء كذلك ( إلا ) منقطع ؛ لأن المقسم مرض مخوفا ( إذا لم يتمكن بأن مات فجأة ) أو قتل غيلة لانتفاء التقصير .

                                                                                                                              ولو أوصى بها على الوجه المعتبر فلم توجد بتركته لم يضمنها كما مر ، وكذا لو لم يوص فادعى المودع أنه قصر وقال الوارث لعلها تلفت قبل أن ينسب لتقصير فيصدق كما نقلاه [ ص: 111 ] عن الإمام وأقراه واعترضه الإسنوي بأن الإمام إنما قاله عند جزم الوارث بالتلف لا عند تردده فيه فإنه صحح حينئذ الضمان ولك رده بأن الوارث لم يتردد في التلف بل في أنه وقع قبل نسبته لتقصير ، أو بعده وحينئذ فلا ينافي ما نقله عن الإمام ودعواه تلفها عند مورثه بلا تعذر ، أو رد مورثه لها مقبولة كما قاله ابن أبي الدم في وارث الوكيل ورجحاه في الثاني وإن خالف في ذلك السبكي وغيره ، ولو جهل حالها ولم يقل الوارث شيئا بل قال لا أعلم وأجوز أنها تلفت على حكم الأمانة فلم يوص بها لذلك ضمنها كما اقتضاه كلام الرافعي وغيره ؛ لأنه لم يدع مسقطا هذا كله إن لم يثبت تعديه فيها قال السبكي كغيره ، أو يوجد في تركته ما هو من جنسها ، أو ما يمكن أن يكون اشتراه بمال القراض في صورته ولم يكن قاضيا ، أو نائبه ؛ لأنه أمين الشرع فلا يضمن إلا إن تحققت خيانته أو تفريطه مات عن مرض ، أو لا ومحله في الأمين نظير ما مر .

                                                                                                                              ولا يقبل قول وارث الأمين أنه رد بنفسه ، أو تلفت عنده إلا ببينة وسائر الأمناء كالوديع فيما ذكر ( ومنها ) ما تضمنه قوله ( إذا نقلها ) لغير ضرورة ( من محلة ) إلى محلة أخرى ( أو دار إلى ) دار ( أخرى دونها في الحرز )  وإن كانت حرز مثلها على المعتمد ( ضمن ) ؛ لأنه عرضها للتلف سواء أتلفت بسبب النقل أم لا ، نعم : إن نقلها بظن الملك لم يضمن بخلاف ما لو انتفع بها بظنه ؛ لأن التعدي هنا أعظم ( وإلا ) يكن دونه بأن تساويا فيه ، أو كان المنقول إليه أحرز ( فلا ) يضمن وإن كان النقل لقرية أخرى لا سفر بينهما ولا خوف ، ولو حصل الهلاك بسبب [ ص: 112 ] النقل لعدم التفريط من غير مخالفة وخرج بإلى أخرى نقلها بلا نية تعد من بيت لبيت في دار وخان واحد فلا ضمان به حيث كان الثاني حرز مثلها هذا كله حيث لم يعين المالك حرزا ولا نهى عن النقل ولا كان الحرز مستحقا له أما إذا عينه فلا أثر لنقلها لمثله ، أو أعلى منه إحرازا ، ولو في قرية أخرى بقيده السابق حملا لتعينه على اعتبار الحرزية دون التخصيص إذ لا غرض فيه بخلافه من غير ضرورة لدونه .

                                                                                                                              وإن كان حرز مثلها فإنه يضمن ، وكذا بأحد الأولين إن هلكت بسبب النقل كأن انهدم عليها المنقول إليه ، وكذا إن سرقت أو غصبت منه على الأوجه الذي اقتضاه كلام الشيخين وجزم به غيرهما خلافا لمن اعتمد أنهما كالموت أخذا من كلام الغزالي وذلك ؛ لأن التلف حصل هنا بسبب المخالفة من غير عذر وأما مع النهي ، أو كون الحرز مستحقا للمالك فيضمن بالنقل لغير ضرورة حتى للأحرز لتعديه بخلافه لضرورة نحو غرق أو أخذ لص فإنه يجب ويضمن بتركه ويتعين مثل الحرز الأول إن وجد ، نعم : إن نهاه عنه ، ولو مع الخوف فلا وجوب ولا ضمان بتركه ولا بفعله ولا أثر لنهي نحو ولي ويطالب الوديع بإثبات الضرورة الحاملة له على النقل ( ومنها أن لا يدفع متلفاتها ) التي يتمكن من دفعها على العادة ؛ لأنه من أصول حفظها فعلم أنه لو وقع بخزانته حريق فبادر لنقل أمتعته فاحترقت الوديعة  لم يضمنها مطلقا ووجهه ابن الرفعة بأنه مأمور بالابتداء بنفسه ونظر الأذرعي فيما لو أمكنه إخراج الكل [ ص: 113 ] دفعة أي من غير مشقة لا تحتمل لمثله عادة كما هو ظاهر ، أو كانت فوق فنحاها وأخرج ماله الذي تحتها والضمان في الأولى متجه وفي الثانية محتمل إن تلفت بسبب التنحية ثم رأيت الأذرعي في موضع آخر رجح ما رجحته فيهما ، ولو تعددت الودائع لم يضمن ما أخره منهما ما لم يكن الذي أخره يمكن أي يسهل عادة الابتداء به ، أو جمعه مع ما أخذه منها

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              [ ص: 109 ] قوله ومحله إلخ ) كذا شرح م ر ( قوله فالتخيير المذكور ) أي بقوله أي أو يوصي وقوله محمول على ذلك أي إن الحاكم مقدم على الأمين ( قوله فيضمن له إلخ ) قد يتوهم أن هذا تفريع على ما قبل ، والمراد إلخ لا على قوله وإلا كان إيداعا ؛ لأنه لا حاجة إليه حينئذ مع ما قدمه من اشتراط الأمانة فيمن يودعه وتقديم الحاكم على غيره ، والظاهر أنه توهم غير صحيح بل لا يناسب العبارة ( قوله ويشترط الإشهاد إلخ ) هذا [ ص: 110 ] لا يخالف ما تقدم من أن المعتمد عدم وجوب الإشهاد على القاضي والأمين وذلك للفرق بينهما ؛ لأنه هناك سلمت لنائب المالك شرعا وهو القاضي والأمين فكان كتسليمها للمالك وهنا لم يسلم لأحد ، وإنما أمر بردها فليتأمل ( قوله ليس له ) أي للوارث ( قوله والذي رجحه الأذرعي إلى آخر الثاني ) هو الذي اعتمده م ر ( قوله ولا يشهد له إلخ ) أي خلافا لما في شرح الروض ( قوله أو قتل غيلة ) أي فلا يضمن ( قوله وكذا لو لم يوص فادعى المودع أنه قصر ، وقال الوارث لعلها تلفت قبل أن ينسب لتقصير ) بهذا ونحوه يعلم أن ترك الإيصاء لا يكون مضمنا مطلقا بل يستثنى منه ما إذا ادعى الوارث مسقطا أو نحوه .

                                                                                                                              ( قوله وقال الوارث لعلها إلخ ) عبر [ ص: 111 ] في الروض بقوله وادعى الوارث التلف ، وقال إنما لو يوص لعله كان بغير تقصير ( قوله ولو جهل حالها ولم يقل إلخ ) عبارة شرح م ر ولو جهل حالها ولم يقل الوارث شيئا بل قال لا أعلم فلا ضمان عليه ، وإن قيل إن قضية كلام الرافعي وغيره الضمان ا هـ ويشكل عليه رد اعتراض الإسنوي السابق بما تقدم الذي وافق عليه ، وذلك لأن ذلك الرد لا حاجة إليه بل لا يفيد مع التزام عدم الضمان ، ويشكل عليه أيضا ما نقله الإسنوي بقوله لا عند تردده فإنه صحح حينئذ الضمان ، وذلك لأن الوارث متردد فيما نحن فيه إلا أن يخالف هذا الذي نقله الإسنوي فليتأمل ( قوله ضمنها إلخ ) هكذا في شرح الروض ( قوله أو يوجد إلخ ) هذا مع قوله بعد ولم يكن إلخ معطوف على قوله إن لم يثبت ( قوله فلا يضمن ) أي وإن لم يوص كما صرح به ابن الصلاح وهذا مع قوله أو تفريطه قال السبكي تصريح بأن عدم إيصائه ليس تفريطا ( قوله إنه رد بنفسه ) فاعل الرد الوارث وقوله أو تلفت أي عند الوارث هذا هو المراد فيهما كما هو الظاهر فلا ينافيه ما تقدم من قبول دعوى وارث غير القاضي رد مورثه أو التلف عنده بلا تقصير فإن الظاهر أن وارث القاضي إن لم يكن أولى من وارث غيره في ذلك فلا أقل أن يكون مثله .

                                                                                                                              ( قوله وإن كانت حرز مثلها على المعتمد ) أفتى شيخنا الشهاب الرملي بتصوير المتن بما إذا عين [ ص: 112 ] المالك حرزا فإن لم يعين فلا ضمان بنقلها إلى الأدون حيث كان حرز مثلها ، والمسألة مبسوطة في التصحيح وأشار إلى الاختلاف في فهم كلام الشيخين ( قوله وخرج بإلى أخرى إلى حيث كان الثاني حرز مثلها ) وعلم مما تقرر أنه لو نقلها إلى محلة أو دار هي حرز مثلها من أحرز منها ولم يعين المالك حرزا لم يضمن عند جمهور العراقيين ، ونقل ابن الرفعة فيه الاتفاق ، وقال الأذرعي إنه الصحيح ا هـ وهو المعتمد وإن نسب للشيخين الجزم بخلافه وكان أخذه من كلامهما في المحرر والمنهاج وفي الروضة وأصلها في السبب الرابع ، وقد أطلقا في السبب الثامن الجزم بعدم الضمان بالنقل إلى حرز مثلها من أحرز منه ، وكذا فيما لو عين المالك حرزا كقوله احفظها في هذا البيت أنه لا يضمنها بنقلها إلى بيت مثله إلا إن تلفت بسبب النقل كانهدام البيت الثاني والسرقة منه والغصب أي إذا كان بسبب النقل فلو ضم إلى تعيين البيت النهي عن النقل فنقل بلا ضرورة فذكرا أنه يضمن ، وإن كان المنقول إليه أحرز لصريح المخالفة بلا حاجة فإن نقل لضرورة غارة أو حرق أو غلبة لصوص لم يضمن إذا كان المنقول إليه حرز مثلها ولا بأس بكونه دون الأول إذا لم يجد أحرز منه ولو ترك النقل في هذه الحالة ضمن وإن حدثت ضرورة فلا ولا يضمن بالنقل أيضا حينئذ شرح م ر ( قوله وكذا بأحد الأولين إن هلكت إلخ ) بهذا خالفت حالة التعيين حالة عدمه .

                                                                                                                              ( قوله كأن انهدم عليها المنقول إليه ، وكذا إن سرقت أو غصبت منه على الأوجه الذي اقتضاه كلام الشيخين إلخ ) في الأنوار أيضا إلحاق الغصب من البيت الثاني بانهدامه عليها وسرقتها منه وظاهر كلام الشيخين إلحاقه بالموت ، وجمع شيخنا الشهاب الرملي بينهما بحمل كلام الأنوار على ما إذا كان سبب الغصب النقل وكلاهما على خلافه ( قوله ويطالب الوديع بإثبات الضرورة الحاملة له على النقل ) قال م ر في شرحه وحيث منعنا النقل إلا لضرورة فاختلفا فيها صدق المودع بيمينه إن [ ص: 113 ] عرفت ، وإلا طولب ببينة فإن لم تكن صدق المالك بيمينه انتهى ( قوله وفي الثانية محتمل إن تلفت بسبب التنحية ) قد يتجه أن يقال إن كان لو ترك التنحية وبادر إلى أخذ الأول فالأول أمكنه أخذ أمتعته الوديعة ضمن لتقصيره بالتواني بالاشتغال بالتنحية وإن كان مع المتبادرة كذلك لا يتمكن من أخذ الجميع فلا ضمان فليتأمل ( قوله رجح ما رجحته فيهما ) فيه أنه لم يرجح في الثانية شيئا




                                                                                                                              الخدمات العلمية