الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              ( فصل )

                                                                                                                              في بيان حكم الغصب وانقسام المغصوب إلى مثلي ومتقوم وبيانهما وما يضمن به المغصوب وغيره .

                                                                                                                              ( تضمن نفس الرقيق   ) ومنه مستولدة ومكاتب ( بقيمته ) بالغة ما بلغت ( تلف أو أتلف تحت يد عادية ) بتخفيف الياء كسائر الأموال وأراد بالعادية الضامنة ، وإن لم يتعد صاحبها ليدخل نحو مستام ومستعير ويخرج نحو حربي وقن المالك وآثرها ؛ لأن الباب موضوع للتعدي والمراد كما يعلم مما يأتي بالقيمة في المغصوب وأبعاضه أقصاها من الغصب إلى التلف وفي غيره قيمة يوم التلف ( وأبعاضه التي لا يتقدر أرشها من الحر   ) كهزال وزوال بكارة وجنابة على نحو ظهر أو عتق تضمن لكن بعد الاندمال لا قبله ( بما نقص من قيمته ) إجماعا [ ص: 17 ] فإن لم تنقص لم يلزمه شيء .

                                                                                                                              أما الجناية على نحو كف مما هو مقدر منه بنظيره في الحر  ففيها ما نقص من قيمته لكن بشرط أن لا يساوي النقص مقدره كنصف القيمة في اليد فإن ساواه نقص منه القاضي كما في الحكومة في حق الحر كذا ذكره المتولي واعتمده جمع ورد بأنه إنما يأتي في غير الغاصب أما هو فيضمن بما نقص مطلقا ؛ لأنهم شددوا عليه في الضمان بما لم يشددوا على غيره ويؤيده ما يأتي في نحو قطع يده من أنه يضمن الأكثر ( وكذا المقدرة ) كيد ( إن تلفت ) بآفة سماوية أو قود أو حد فيجب بعد الاندمال هنا أيضا ما نقص ؛ لأن الساقط من غير جناية لا يتعلق به قود ولا كفارة ولا ضرب على عاقلة فأشبه الأموال فإن لم تنقص كأن قطع ذكره وأنثياه كما هو الغالب لم يجب شيء ( وإن أتلفت ) بالجناية عليها ( فكذا في القديم ) يجب ما نقص من قيمته كسائر الأموال ( وعلى الجديد يتقدر من الرقيق والقيمة فيه كالدية في الحر ففي ) أنثييه وذكره قيمتان ، وإن زادت قيمته وفي يديه كمال قيمته نعم إن قطعهما مشتر وهو بيد البائع لم يكن قابضا له [ ص: 18 ] فلا يلزمه إلا ما نقص ، وإلا كان قابضا له مع كونه بيد البائع وفي ( يده نصف قيمته ) كما سيذكره آخر الديات وهل يتوقف الضمان هنا على الاندمال أيضا قولان ظاهر النص كما قاله القمولي لا . وقال الأذرعي إنه الأصح فيقوم مجروحا قد برئ .

                                                                                                                              وقال البلقيني والزركشي المرجح : أن المال لا يؤخذ قبل الاندمال لاحتمال حدوث نقص بسريان إلى نفس أو بشركة جارحه وكلام الشيخين هنا ظاهر في ذلك وعلى الأول فالفرق بين المقدر وغيره خفي إذ المحذور المذكور في التعليل المذكور يأتي في المقدر وغيره هذا إن كان الجاني غير غاصب أما هو فيلزمه أكثر الأمرين من نصف القيمة والنقص على القولين لاجتماع الشبهين فلو نقص بقطعها ثلثا قيمته لزمه النصف بالقطع والسدس بالغصب نعم إن كان القاطع غير الغاصب والمالك وهو ممن يضمن كما هو ظاهر لزمه النصف والغاصب الزائد عليه [ ص: 19 ] فقط أو المالك ضمن الغاصب الزائد عليه .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( فصل في بيان حكم الغصب إلخ ) ( قوله على نحو ظهر إلخ ) أي مما ليس مقدرا منه بنظيره في الحر ( قوله [ ص: 17 ] فإن لم تنقص لم يلزمه شيء ) هكذا ذكروه وفيه نظر في الجناية المذكورة لما يأتي في الجنايات أنه لو لم يبق نقص بعد الاندمال اعتبر أقرب نقص إلى الاندمال فإن لم يكن قدر القاضي شيئا باجتهاده فإن قلت هذا لا يرد ؛ لأن الكلام في الجناية من غير ذي اليد كالغاصب فلا يناسب تضمينه أعني ذا اليد كالغاصب ؛ لأنه لم يصدر منه شيء ولم يفت عضو قلت على تقدير أن المراد عدم تضمين ذي اليد لما ذكر فهذا إنما يمنع تضمينه قرارا لا تضمينه طريقا على أنه لو كان المراد ذلك لم يصح الحكم بالتضمين عند وجود النقص فليتأمل وليحرر وقول م ر إن المراد لم يلزمه شيء أي أصالة فلا ينافي ما يأتي في الجنايات . ا هـ

                                                                                                                              ( قوله أما الجناية إلخ ) مقابل قوله على نحو ظهر أو عنق لكن قد يقال هذا داخل في قوله الآتي : وكذا المقدرة فلم ذكر هذا هنا ؟ فليتأمل . ويجاب بالمنع ؛ لأن المراد في الآتي أن تكون الجناية بإتلاف المقدرة وهنا أن تكون بإتلاف شيء فيه مثلا المراد في الآتي إتلاف الكف وهنا جرحه ( قوله أو قود أو حد ) هذا يفيد حيث حمل الشارح اليد العادية على الضامنة كيد المستعير ضمان المستعير بما نقص فيما لو تلفت أبعاض المعار في يده بقود أو حد لكن هذا شامل لما إذا وجد السبب في يد المعير قبل الاستعارة ولا يخفى أنه مشكل وأنه غير مراد له بل الغاصب لا يضمن في هذه الحالة كما قال في الروض ، وإن كانت الجناية أو الردة في يد المالك والعقوبة في يد الغاصب لم يضمن ويضمن في عكسه . ا هـ

                                                                                                                              ( قوله كأن قطع ذكره وأنثياه ) أي بأن سقطت بلا جناية أو قطعت قودا ( قوله وإن أتلفت بالجناية عليها إلخ ) ينبغي أن الجناية إذا كانت من غير ذي اليد أن المراد بالضمان ضمان الجاني قرارا وذي اليد طريقا ( قوله لم يكن قابضا له ) ينبغي أن يجري هنا ما قالوه فيما إذا قبض المشتري الجارية المبيعة قبل القبض فيقال : إن قبض المبيع لزمه الثمن بكماله ، وإن تلف قبل قبضه لزمه من الثمن قدر ما نقص من قيمته كما صرحوا بمثل ذلك في افتضاض البكر ، ولعل مرادهم أنه يلزمه من الثمن بنسبة ما نقص من القيمة قدر ما نقص من القيمة إذ قد يكون النقص قدر الثمن أو أكثر ، وعبارة الروض في باب المبيع قبل قبضه فإن قطع المشتري يده فيجعل قابضا لبعض [ ص: 18 ] المبيع حتى يستقر عليه ضمانه ، فإن تلف بعد الاندمال وقبل القبض لم يضمن المشتري اليد بأرشها المقدر ولا بما نقص من القيمة بل بجزء من الثمن فيقوم العبد صحيحا ثم مقطوعا فيستقر عليه من الثمن مثل تلك النسبة . ا هـ وهو كالصريح في أنه لا يلزمه زيادة على ذلك وهذا الكلام شامل لما إذا كان الخيار للبائع فقط فليراجع ولينظر فيما إذا لم ينقص بجناية المشتري كما لو قطع ذكره وأنثييه فلم ينقص أو زاد ماذا يلزمه ؟ .

                                                                                                                              ( قوله فلا يلزمه إلا ما نقص إلخ ) كان اللزوم إذا فسخ ( قوله قابضا ) أي في الذي لا يتقدر والمقدر إذا تلف كما تقدم فيهما ( قوله أما هو فيلزمه أكثر الأمرين إلخ ) هل يطالب الغاصب قبل الاندمال أو هو كغيره ينبغي الثاني ( قوله لاجتماع الشبهين ) أي شبه الحر وشبه المال ( قوله نعم إن كان القاطع غير الغاصب إلخ ) في الروض وشرحه في الطرف الأول من الباب الثاني ، وكذا في الجراحة يطالبهما أي يطالب المالك الجاني والغاصب وقرار بدلها المقدر وغيره على الغاصب إلى أن قالا وإن لم يكن أرش الجراحة مقدرا فالمعتبر في النقص نقص القيمة بعد الاندمال فإن لم يكن حينئذ نقص لم يطالب بشيء كما صرح به الأصل وفي المطالبة بأرش المقدرة قبل الاندمال القولان في الجناية على الحر وسيأتي أن المرجح المنع . ا هـ بمعناه .

                                                                                                                              فقوله لم يطالب بشيء كما صرح به الأصل أي لم يطالب الغاصب كما هو ظاهر أما الجاني فلا وجه لعدم مطالبته مطلقا لما سيأتي في الجناية أنه لو لم يبق نقص بعد الاندمال اعتبر أقرب نقص إلى الاندمال فإن لم يوجد فرض القاضي شيئا باجتهاده فعلم أنه لا شيء على الغاصب فيما لا مقدر له إذا كان الجاني غيره ولم يبق نقص بعد الاندمال وقول الشارح والغاصب الزائد عليه المفروض فيما له مقدر ظاهره ، وإن لم يبق نقص بعد الاندمال فليراجع فإن فيه نظرا لكن ينبغي في الأول أن الكلام فيما قراره على الغاصب لا مطلقا وحينئذ فهو طريق فيما يلزم الجاني لما تقرر أنه يفرض أقرب نقص إليه فإن لم يكن فرض القاضي شيئا باجتهاده وعلم أيضا أن اقتصار الشارح في الغاصب على ضمان الزائد باعتبار القرار ، ، وإلا فهو طريق في ضمان غيره كما علم . ( قوله والغاصب الزائد عليه ) ظاهره ، وإن لم يبق نقص بعد الاندمال وفيه نظر ؛ لأن الزائد خارج عن أرش المقدر فهو كأرش غير المقدر الذي لا يلزم الغاصب حيث لم [ ص: 19 ] يبق نقص بعد الاندمال كما أفاده كلام شارح الروض المار .




                                                                                                                              الخدمات العلمية