الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              ( فلو ركب دابة ) [ ص: 4 ] لغيره بغير إذنه  وإن كان هو المسير لها بخلاف ما لو وضع عليها متاعا بغير إذنه بحضوره فسيرها المالك فإنه يضمن المتاع ولا يضمن مالكه الدابة إذ لا استيلاء منه عليها ( أو جلس ) أو تحامل برجله  كما قاله البغوي أي ، وإن اعتمد معها على الرجل الأخرى فيما يظهر ( على فراش ) لم تدل قرينة الحال على إباحة الجلوس عليه مطلقا أو لناس مخصوصين كفرش مصاطب البزازين [ ص: 5 ] أي جمع مصطبة بالصاد والسين وتفتح الميم وقد تكسر ( فغاصب ، وإن لم ينقله ) لحصول غاية الاستيلاء وهي الانتفاع تعديا ، ولو لم يقصد الاستيلاء كما في الروضة ، وإن نظر فيه السبكي وصوب الزركشي قول الكافي من لم يقصده لا يكون غاصبا ولا ضامنا وأفهم كذلك خلافا لقول جمع لو رفع منقولا ككتاب من بين يدي مالكه لينظره ويرده حالا من غير قصد استيلاء عليه  لم يضمنه نعم قد يحمل كلامهم على ما إذا دلت القرينة على رضا مالكه بأخذه للنظر إليه على أن ما يأتي في الدخول للتفرج يؤيدهم إلا أن يفرق بأن الأخذ والرفع استيلاء حقيقي فلم يحتج معه لقصد بخلاف مجرد الدخول وأفهم اشتراط النقل أنه لو أخذ بيد قن ولم يسيره  لم يضمنه قال بعضهم بخلاف بعثه في حاجته كما ذكروه . ا هـ .

                                                                                                                              وعبارة غير [ ص: 6 ] واحد أخذ بيد قن غيره وخوفه بسبب تهمة ولم ينقله من مكانه إلى آخر أو نقله لا بقصد الاستيلاء عليه  أي بناء على خلاف ما مر عن الروضة لم يضمنه وكذا إن انتقل هو من محله باختياره أو ضرب ظالم قن غيره فأبق  ؛ لأن الضرب ليس باستيلاء نعم إن لم يهتد إلى دار سيده ضمنه ، ولو زلق داخل حمام مثلا فوقع على متاع لغيره فكسره  ضمنه ولا يضمن صاحبه الزالق إلا إن وضعه بالممر بحيث لا يراه الداخل ووجد له محلا سوى الممر فيهدر المتاع دون الزالق به ، ولو دفع عبده إلى غيره ليعلمه حرفة  فأمانة وإن استعمله في مصالح تلك الحرفة أي المتعلقة به بخلاف استعماله في غير ذلك وأفهم المتن أيضا أنه لا فرق فيهما بين حضور المالك وغيبته لكن نقلا عن المتولي أن هذا إن غاب أي وحينئذ يضمن الكل ، وإلا اشترط أن يزعجه أو يمنعه التصرف فيه وحينئذ إذا جلس أو ركب معه لا يضمن إلا النصف ، وإن ضعف المالك بناء على ما يأتي عن الأذرعي قال المتولي ، ولو رفع برجله شيئا بالأرض لينظر جنسه ثم تركه فضاع  لم يضمنه قال شارح ونظيره رفع سجادة برجله ليصلي مكانها   . ا هـ

                                                                                                                              ويتعين حملهما على رفع ليس فيه انفصال المرفوع عن الأرض على رجله وإلا ضمنه لما هو ظاهر أن الأخذ بالرجل كهو باليد في حصول الاستيلاء وأفتى القاضي بأن من ظفر بآبق لصديقه أي أو خلصه من نحو غاصب فأخذه ليرده فهرب قبل تمكنه من رده ورفعه لحاكم   [ ص: 7 ] لم يضمنه وأطلق الماوردي وابن كج أنه يضمنه بوضع يده عليه وتأييد الزركشي للأول بأخذ المحرم صيدا ليداويه مردود بأن هذا حق الله فيسامح فيه وسيأتي عن الشيخين في شرح والأيدي المترتبة ما يصرح بالثاني وألحق الغزي بالصديق غيره إذا عرف مالكه بخلاف من لم يعرفه أو لم يرد رده أو قصر فيه فإنه يضمنه مطلقا لتقصيره .

                                                                                                                              ولو سخر ظالم قهرا مالك دابة بيده على عمل فتلفت في يد مالكها  لم يضمنها المسخر ، وعليه أجرة مثل ذلك العمل ، ولو سيقت أو انساقت بقرة إلى راع لم تدخل في ضمانه إلا إن ساقها مع البقر .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله بخلاف ما لو وضع عليها إلخ ) اعتمده م ر ( قوله بحضوره ) انظر مفهومه ( قوله فإنه ) أي المالك ش ( قوله في المتن أو جلس على فراش ) لو جلس عليه ثم انتقل عنه ثم جلس آخر عليه فكل منهما غاصب ولا يزول الغصب عن الأول بانتقاله عنه ؛ لأن الغاصب إنما يبرأ بالرد للمالك أو لمن يقوم مقامه فلو تلف فينبغي أن يقال إن تلف في يد الثاني فقرار الضمان عليه أو بعد انتقاله أيضا عنه فعلى كل القرار لكن هل للكل أو للنصف ؟ فيه نظر ، ويظهر الأول ، ولو نقل الدابة ، ومالكها راكب عليها بأن أخذ برأسها وسيرها مع ذلك فيحتمل أن لا يكون غاصبا ؛ لأنه لا يعد مستوليا عليها مع استقلال مالكها بالركوب بدليل أنهما لو تنازعاها أو تلفت حكم بها للراكب واختص به الضمان ( قوله أو تحامل إلخ ) اعتمده م ر .

                                                                                                                              ( قوله في المتن على فراش ) لو جلس مع المالك فغاصب للنصف بشرطه كالدار والظاهر أن الفراش مثال ، وعليه فيؤخذ من ذلك مع ما ذكره عن البغوي أن من تحامل برجله على خشبة كان غاصبا لها ، وقد يفرق [ ص: 5 ] قوله في المتن فغاصب ، وإن لم ينقله ) قال في القوت الثاني أي من التنبيهين المتولي إنما حكى الوجهين في الجلوس على البساط فيما إذا كان المالك غائبا فإن كان حاضرا فأزعجه ضمن ، وإن تركه على البساط فإن كان لا يمنع المالك من التصرف فيه لو أراد لم يضمن ثم إن كان لما استوفاه عوض في العادة ضمن أجرة مثله ، وإن كان يمنع المالك من التصرف فيه لو أراد صار ضامنا ، كذا أطلقه الرافعي وقياس ما يأتي في العقار أن لا يكون ضامنا إلا نصفه قلت : وبه صرح شيخه القاضي الحسين فيما إذا زجره المالك فلم ينزجر فيجوز تنزيل كلام المتولي عليه ، ويجوز أن يقال : إذا كان يمنعه من التصرف فيه كما ذكر وهو أقوى من مالكه تقوى كونه غاصبا للكل لما يأتي في العقار إذا عرفت هذا فقول المنهاج فغاصب يجب حمله على إرادة إثبات الغصب أعم من الكل أو البعض فإن لم يكن المالك معه على البساط فغاصب لكله ، وإن كان فغاصب لنصفه . ا هـ كلام القوت وقوله فأزعجه أي عن البساط بأن منعه من الجلوس عليه بدليل مقابلة ذلك بقوله : وإن تركه على البساط فقوله ضمن أي الجميع كما هو ظاهر وقوله فإن كان لا يمنع المالك إلى لم يضمن محل نظر ، إن كان جلس مع المالك إلا أن يعرض صرف عن قصد الاستيلاء بأن جلس لنحو اختبار لينه أو غرض أمر المالك فيظهر عدم الضمان . كما لو دخل الدار لنحو التفرج وقوله وقياس ما يأتي في العقار إلخ أي ؛ لأن الفرض مشاركة المالك في الجلوس عليه كما يدل عليه قوله الآتي فقول المنهاج إلخ وقوله فإن لم يكن إلخ الظاهر أنه تفصيل لقوله أعم إلخ ، وبهذا يظهر كلام الشارح .

                                                                                                                              ( قوله ولو لم يقصد الاستيلاء إلخ ) اعتمده م ر ( قوله وأفهم المتن أنه لا بد في منقول إلخ ) ومحل اشتراط نقل المنقول في الاستيلاء عليه في منقول ليس بيده فإن كان بيده كوديعة وغيرها فنفس إنكاره غصب لا يتوقف على نقل كما صرح به الأصحاب شرح م ر وعبر العباب بقوله ونقل المنقول كالبيع . ا هـ وقضيته أن مجرد رفع المنقول الثقيل ، وإن وضعه مكانه لا يكون غصبا بخلاف الخفيف الذي يتناول باليد ( قوله خلافا لقول جمع إلخ ) في هذه المقالة نظر ؛ لأن عدم الضمان لا يقابل أنه لا بد من النقل .

                                                                                                                              ( قوله إلا أن يفرق بأن إلخ ) فرقوا بهذا وسيذكره ( قوله وأفهم اشتراط النقل إلخ ) ثم حكاية ما يأتي عن غير واحد وما يتعلق به كذا شرح م ر ( قوله لم يضمنه ) وجهه ظاهر إذ لا استيلاء ( قوله فإن بعضهم بخلاف بعثه في حاجته إلخ ) وقول البغوي إنه لو [ ص: 6 ] بعث عبد غيره في حاجة له بغير إذن سيده لم يضمنه ما لم يكن أعجميا أو غير مميز ضعيف فقد رجح خلافه في الأنوار ونقل عن تعليق البغوي آخر العارية ضمانه شرح م ر ، ( قوله أو ضرب ظالم إلخ ) قد يقال هذا الضرب لا ينقص عن البعث في الحاجة ؟ ويجاب بأن البعث استعمال ( قوله ولو زلق داخل حمام إلخ ) كذا شرح م ر ( قوله إلا أن وضعه ) أي صاحبه ، وكذا الضمير في قوله ووجد وقوله له أي المتاع شرح م ر ( قوله وحينئذ ) مفهومه أنه إذا لم يزعجه ولم يمنعه التصرف لم يضمن بجلوسه معه شيئا أي إلا الأجرة بشرطه ، وهذا المفهوم يدل عليه ما مر عن القوت لكن نازع فيه م ر ( قوله إلا النصف ) أي وإن استولى بجلوسه على أكثر من نصف البساط خلافا للأذرعي م ر ( قوله ويتعين حملهما إلخ ) كذا شرح م ر [ ص: 7 ] قوله ما يصرح بالثاني ) لعل الثاني هو الوجه في الثانية ؛ لأنه فيها في يد ضامنة دون الأولى ؛ لأنه ليس مضمونا على أحد ، ولعل ما يأتي عن الشيخين لا ينافي ذلك والحاصل أن الوجه أنه إذا كان المأخوذ منه غير أهل للضمان كحربي وقن المالك فلا ضمان ، وإلا ضمنه وإطلاق الماوردي وابن كج الضمان محمول على هذا التفصيل .

                                                                                                                              ( قوله من لم يعرفه ) هلا قام الحاكم مقام مالكه في هذه الحالة ( قوله بيده ) صفة دابة أي كائنة في يده ( قوله إلا إن ساقها إلخ ) ظاهره ، وإن جهلها .




                                                                                                                              الخدمات العلمية