الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              ( و ) بعد غسل الكفين تسن ( المضمضة و )  بعد المضمضة كما أفهمه قوله : الآتي ثم يستنشق يسن ( الاستنشاق ) للاتباع ولم يجبا [ ص: 228 ] للحديث الصحيح { لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله فيغسل وجهه ، ويديه ، ويمسح رأسه ، ويغسل رجليه } وخبر { تمضمضوا واستنشقوا } ضعيف وحكمتهما معرفة أوصاف الماء ( والأظهر أن فصلهما أفضل ) من جمعهما لخبر فيه ( ثم ) على هذا ( الأصح ) أن الأفضل أنه ( يتمضمض بغرفة ثلاثا ثم يستنشق بأخرى ثلاثا ) حتى لا ينتقل عن عضو إلا بعد كمال طهره ومقابله ثلاث لكل متوالية أو متفرقة ؛ لأنه أنظف وأفادت ثم ما مر من أن الترتيب هنا مستحق على كل قول لا مستحب لاختلاف المحل كسائر الأعضاء فمتى قدم شيئا على محله كأن اقتصر على الاستنشاق

                                                                                                                              [ ص: 229 ] لغا واعتد بما وقع بعده في محله من غسل الكفين فالمضمضة فالاستنشاق ؛ لأن اللاغي كالمعدوم كما صرحوا به في العفو عن الدية ابتداء فله العفو بعده عن القود عليها ؛ لأن عفوه الأول لما وقع في غير محله كان بمنزلة المعدوم فجاز له العفو عن القود عليها ، فإن قلت قياس ما يأتي أنه لو أتى بالتعوذ قبل دعاء الافتتاح  اعتد بالتعوذ وفات دعاء الافتتاح الاعتداد بالاستنشاق فيما ذكر وفوات ما قبله قلت يفرق بأن القصد بدعاء الافتتاح أن يقع الافتتاح به ولا يتقدمه غيره وبالبداءة بالتعوذ فإن ذلك لتعذر الرجوع إليه والقصد بالتعوذ أن تليه القراءة وقد وجد ذلك فاعتد به لوقوعه في محله .

                                                                                                                              وما نحن فيه ليس كذلك ؛ لأن كل عضو من الأعضاء الثلاثة المقصود منه بالذات تطهيره وبالعرضل وقوعه في محله وبالابتداء بالاستنشاق فات هذا الثاني فوقع لغوا وحينئذ فكأنه لم يفعل شيئا فسن له غسل اليدين فالمضمضة فالاستنشاق ليوجد المقصود من التطهير ووقوع كل في محله إذ لم يوجد مانع من ذلك فتأمله ، ويأتي في تقديم الأذنين على محلهما ما يؤيد ذلك وقدمت لشرف منافع الفم ؛ لأنه محل قوام البدن أكلا ونحوه والروح ذكرا ونحوه وأقلهما وصول الماء للفم والأنف وأكملهما أن يبالغ في ذلك كما قال ( ويبالغ فيهما غير ) برفعه فاعلا ونصبه استثناء أو حالا من ضمير المتوضئ الدال عليه السياق ( الصائم ) لأمر بذلك في الخبر الصحيح بأن يبلغ الماء إلى أقصى الحنك ووجهي الأسنان واللثات ويسن إمرار الأصبع اليسرى عليها ومج الماء ، ويصعد الماء بنفسه إلى خيشومه مع إدخال خنصر يسراه وإزالة ما فيه من أذى ولا يستقصى فيه فإنه يصير سعوطا لا استنشاقا أي كاملا وإلا فقد حصل به أقله كما علم مما مر في بيان أقله أما الصائم فلا يبالغ كذلك خشية السبق إلى الحلق أو الدماغ فيفطر ومن ثم كرهت له .

                                                                                                                              وإنما حرمت القبلة المحركة للشهوة [ ص: 230 ] ؛ لأن أصلها غير مندوب مع أن قليلها يدعو لكثيرها والإنزال المتولد منها لا حيلة في دفعه وهنا يمكنه مج الماء ( قلت الأظهر تفضيل الجمع ) بينهما لصحة أحاديثه على الفصل لعدم صحة حديثه والأفضل على الجمع كونه ( بثلاث غرف يتمضمض من كل ثم يستنشق ) من كل ( والله أعلم ) لورود التصريح به في رواية البخاري وقيل يجمع بينهما بغرفة واحدة وعليه قيل يتمضمض ثلاثا ولاء ثم يستنشق ثلاثا ولاء وقيل يتمضمض ثم يستنشق ثم ثانية كذلك ثم ثالثة كذلك والكل مجزئ ، وإنما الخلاف في الأفضل

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله : كما أمره الله ) ، فإن قيل أمر الله لا ينحصر في القرآن قلنا سياق الحديث لإحالتهم على أمر معلوم وذلك ليس إلا القرآن بخلاف السنة فإنها لا تعلم إلا منه . ولم ينبهنا فلو أريد أمر الله ولو في غير القرآن لكانت الحوالة على مجهول ولم تفد شيئا فتأمله بلطف تدركه ( قوله : معرفة أوصاف الماء ) هذا قد يؤيد ما قاله البغوي من أنه لو وجد في الماء وصف النجاسة المختص بها ولم يعلم وقوعها فيه حكم بنجاسته ( قوله وأفادت ثم إلخ ) قد يقال إنما أفادت أفضلية الترتيب ( قوله : [ ص: 229 ] لغا ) ظاهره ، وإن أراد ابتداء ترك المضمضة والاقتصار على الاستنشاق وهو قضية أن الترتيب مستحق ( قوله : أو حالا ) أي بناء على عدم تعرفها هنا بالإضافة




                                                                                                                              الخدمات العلمية