الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      ( أو ) اختلف ( النوع )  يعني غير الجنس سواء أكان نوعا حقيقيا كجيد ورديء بهما أو بأحدهما بشرط تميزهما إذ لا يتأتى التوزيع إلا حينئذ بخلاف ما إذا لم يتميزا بشرط أن تقل حبات الآخر بحيث لو ميزت لم تظهر في الكيل وإنما لم يضر كما مر خلط أحد الجنسين بحبات من الآخر بحيث لا يقصد إخراجها لتستعمل برا أو شعيرا وإن أثرت في الكيل لأن التساوي بين الجنسين غير معتبر أم صفة من الجانبين أو أحدهما ( كصحاح ومكسرة بهما أو بأحدهما ) [ ص: 288 ] أي بصحاح فقط أو مكسرة فقط وقيمة المكسر دون قيمة الصحاح في الكل كما هو الغالب أو عكسه لأن التوزيع الآتي إنما يتأتى حينئذ وجعل الطبري من ذلك بيع ذهب بذهب وأحدهما خشن أو أسود  مردود بأن الخشونة أو السواد ليس عينا أخرى مضمومة لذلك الطرف بل هو عيب في العوض وظاهر أن مراد الطبري أن أحد الطرفين اشتمل على عينين من الذهب إحداهما خشنة أو سوداء وكذا لو بانت أحدهما مختلطة بنحو نحاس ومن قال في هذه بتفريق الصفقة فقد وهم لأن شرط الصحة علم التساوي حال العقد فيما يستقر عليه وذلك مفقود هنا فالصواب أنه من القاعدة ( فباطلة ) ولا يتأتى هنا تفريق الصفقة لأن الفساد للهيئة الاجتماعية كالعقد على خمس نسوة معا وذلك لما في الحديث الحسن أو الصحيح { أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع قلادة فيها حرز وذهب بذهب حتى يميز [ ص: 289 ] بينهما فقال المشتري إنما أردت الحجارة فقال لا حتى تميز بينهما } قال الراوي : فرده أي البيع حتى ميز بينهما ولأن قضية اشتمال أحد طرفي العقد على مالين مختلفين أن يوزع ما في الطرف الآخر عليهما باعتبار القيمة والتوزيع هنا - لكونه ناشئا عن التقويم الذي هو تخمين والتخمين قد يخطئ - يؤدي - وإن اتحدت شجرة المدين وضرب الدرهمين - للمفاضلة أو عدم العلم بالمماثلة في بيع مد ودرهم بمدين إن زادت قيمة المد على الدرهم الذي معه أو نقصت تلزم المفاضلة وإن ساوته لزم الجهل بالمماثلة وقس الباقي وكذا يقال في بيع صحيح ومكسر بهما أو بأحدهما والكلام في المعين لصحة الصلح عن ألف درهم وخمسين دينارا بألفي درهم كما يأتي بسطه في الاستبدال بما يعلم منه أنه لو عوض دائنه عن دينه النقد نقدا من جنسه وغيره مع الجهل بالمماثلة صح .

                                                                                      ( تنبيه ) ينبغي التفطن لدقيقة يغفل عنها وهي أنه يبطل كما عرف مما تقرر بيع دينار مثلا فيه ذهب وفضة بمثله أو بأحدهما ولو خالصا وإن قل الخليط   [ ص: 290 ] لأنه يؤثر في الوزن مطلقا فإن فرض عدم تأثيره فيه ولم يظهر به تفاوت في القيمة صح والحيلة المخلصة من الربا مكروهة بسائر أنواعه خلافا لمن حصر الكراهة في التخلص من ربا الفضل .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      حاشية ابن قاسم

                                                                                      ( قوله : بشرط أن تقل حبات الآخر إلخ ) كذا قاله بعضهم ومشى عليه شيخ الإسلام أيضا [ ص: 288 ] لكن مقتضى كلام الشيخين أنه يصح مطلقا وقال شيخنا الشهاب الرملي وغيره إنه الصحيح ( قوله : وظاهر أن مراد الطبري إلخ ) دعوى ظهور ذلك مع تعبيره بقوله وأحدهما خشن أو أسود لا يخفى ما فيها ( قوله : بنحو نحاس ) في العباب ويصح درهم ومغشوش بدينار مغشوش بنحاس وكذا بفضة لا يتميز انتهى قال في شرحه أخذ هذا من قول الجواهر لا يجوز بيع دراهم مغشوشة بمثلها ولا بخالصة وأما بيع الدراهم المغشوشة بالدنانير المغشوشة فإن كان غش الذهب فضة حرم قال البغوي و هذا عندي إن كان يحصل منه شيء بالتمييز وإلا جاز كبيع دنانير مطلية بالنقرة أو عكسه يجوز إذا كان التمويه لا يحصل منه شيء وإن كان غشه نحاسا فعلى قولي جمع مختلفي الحكم هذا إذا كثر بحيث يكون للغش بعد التمويه قيمة والأوجب الجواز لأنه إذا لم يكن له قيمة لم يقابل بشيء ثم أجاب عما يورد على ذلك من أنه ينبغي عدم الصحة لأن ذلك يؤدي إلى جهالة الباقي بأنه لا نظر إلى ذلك بل إلى الرواج قال وليس بواضح ا هـ والذي يتجه من ذلك أنه لا يجوز بيع الدراهم المغشوشة بالدنانير المغشوشة لا حيث لم يكن للغش قيمة ولم يؤثر في الوزن سواء كان الغش فضة أم نحاسا حصل منه شيء بالتمييز أم لا ولا مدخل للرواج في هذا الباب كما مر فلا نظر إليه ثم رأيت الروياني صرح بما ذكرته حيث قال الغش اليسير الذي لا يأخذ حظا من الوزن لا يمنع من صحة البيع إلى آخر ما أطال به في تأييد ما قاله وقول البغوي كبيع دنانير مطلية إلخ يدل على صحة بيع الدنانير المطلية وأن الطلاء لا يمنع صحته وإنه يكتفي برؤيتها مع الطلاء ويوجه بأنه كالصبغ لقلته بعدم تحصيل شيء منه فهو كرؤية الأمة المحمرة بنحو الحناء م ر ا هـ .

                                                                                      ( قوله : علم التساوي ) مفهومه أنه [ ص: 289 ] لو علم التساوي سلم ما قاله هذا القائل وفيه نظر لاقتضاء الحال التوزيع المؤدي للمحذور ( قوله : وكذا يقال في بيع صحيح ومكسر بهما أو بأحدهما ) أي والفرض أن قيمة المكسر دون قيمة الصحاح أو أزيد كما تقدم فإن استوت قيمتهما فلا بطلان وعبارة الكنز لشيخنا أبي الحسن البكري وفي بيع الدراهم والدنانير الصحاح والمكسرة إن استوت قيمة المكسرة أي من الجانبين لم تتحقق المماثلة لما مر وإلا تحققت المفاضلة كما تقدم كما هي متحققة في البيع بصحاح فقط أو مكسرة فقط إذ الفرض أن قيمة المكسرة مخالفة لقيمة الصحاح فلو تساوت قيمتهما فلا بطلان ا هـ ومثله في شرح الجلال المحلي فالحاصل أنه حيث تساوت قيمة الصحاح وقيمة المكسرة فلا بطلان وإن اختلفت فالبطلان سواء استوت قيمة المكسرة من الجانبين وذلك للجهل بالمماثلة أو اختلفت وذلك لتحقق المفاضلة وإنما لم نحكم بالبطلان أيضا إذا تساوت قيمة الصحاح وقيمة المكسرة ويقال للجهل بالمماثلة لأن التقويم تخمين لأن الدراهم والدنانير قيم الأشياء فهي أضبط من غيرها ( قوله : لصحة الصلح إلخ ) قد ينظر في دلالة هذا على التقييد بالمعنى إذا لم يبع المجموع بالمجموع بل الألف درهم وقعت استيفاء عن الألف درهم والألف الأخرى عوض عن الخمسين دينارا وهذا لا يقتضي صحة بيع ألفي درهم بألف درهم وخمسين دينارا في الذمة فليتأمل وبذلك يظهر ما في إطلاق قوله بما يعلم منه إلخ فليتأمل ( قوله : كما يأتي بسطه إلخ ) هذا رجع إليه في النسخة الأخيرة وضرب على ما في غيرها من قوله وخرج بالصلح [ ص: 290 ] ما لو عوض دائنه عن دينه النقد نقدا من جنسه ووفاه به من غير تعويض إلخ وتبعه م ر في هذا واستمر عليه فوقع البحث معه فيه في قوله أو وفاه به من غير تعويض فأصلحه هكذا أو وفاه به من غير لفظ تعويض لكن بمعناه ا هـ .




                                                                                      الخدمات العلمية