الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              ( باب الربا ) بكسر الراء والقصر وبفتحها والمد وألفه بدل من واو ويكتب بهما وبالياء وهو لغة الزيادة وشرعا قال الروياني عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما والأصل في تحريمه وأنه من أكبر الكبائر الكتاب والسنة والإجماع قيل ولم يحل في شريعة قط ولم يؤذن الله تعالى في كتابه عاصيا بالحرب غير آكله ومن ثم قيل إنه علامة على سوء الخاتمة كإيذائه أولياء الله فإنه صح فيها الإيذان بذلك وتحريمه تعبدي وما أبدى له إنما يصلح حكمة لا علة وهو إمار بأفضل بأن يزيد أحد العوضين ومنه ربا القرض بأن يشرط فيه ما فيه نفع للمقرض [ ص: 273 ] غير نحو الرهن أو ربا يد بأن يفارق أحدهما مجلس العقد قبل التقابض أو ربا نساء بأن يشرط أجل في أحد العوضين وكلها مجمع عليها والقصد بهذا الباب بيان ما يعتبر في بيع الربوي  زيادة على ما مر ثم العوضان إن اتفقا جنسا  اشترط ثلاثة شروط أو علة وهي الطعم والنقدية اشترط شرطان وإلا كبيع طعام بنقد أو ثوب أو حيوان بحيوان ونحوه لم يشترط شيء من تلك الثلاثة إذا علمت ذلك علمت أنه ( إذا بيع الطعام بالطعام ) أو النقد بالنقد  كما يأتي ( إن كانا ) أي الثمن والمثمن ووقع في بعض النسخ بلا ألف وهو فاسد ( جنسا ) واحدا بأن جمعهما اسم خاص من أول دخولهما في الربا واشتركا فيه اشتراكا معنويا كتمر معقلي وبرني وخرج بالخاص العام كالحب وبما بعده الأدقة فإنها دخلت في الربا قبل طرو هذا الاسم لها فهي أجناس كأصولها وبالأخير البطيخ الهندي والأصفر فإنهما جنسان والتمر والجوز الهنديان مع التمر والجوز المعروفين فإن إطلاق الاسم عليهما ليس لقدر مشترك بينهما أي ليس موضوعا لحقيقة واحدة بل لحقيقتين مختلفتين وهذا الضابط مع أنه أولى ما قيل منتقض باللحوم والألبان لصدقه عليها مع أنها أجناس كأصولها ( اشترط الحلول ) من الجانبين إجماعا لاشتراط المقابضة في الخبر ومن لازمها الحلول غالبا فمتى اقترن بأحدهما تأجيل ولو للحظة فحل وهما في المجلس لم يصح ( والمماثلة ) مع العلم بها وكان فيها خلاف لبعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم انقرض وصار الإجماع على خلافه ( والتقابض ) يعني القبض الحقيقي فلا يكفي [ ص: 274 ] نحو حوالة نعم يكفي هنا قبض من غير تقدير ومع استحقاق البائع للحبس وإن لم يفد صحة التصرف كما يأتي ( قبل التفرق ) حتى لو كان العوض معينا كفى الاستقلال بقبضه ويكفي قبض وارثيهما في مجلس العقد بعد موتهما وهما فيه [ ص: 275 ] ومأذونيهما لا غيرهما ولا سيدا وموكلا لأنه يقبض عن نفسه قبل تفرقهما لا بعده لقدرتهما على القبض قبل تفرق الآذنين بخلاف الوارث ولو قبضا البعض صح فيه تفريقا للصفقة .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( باب الربا ) ( قوله : عقد على عوض مخصوص إلخ ) لك أن تقول هذا الحد غير مانع لأنه يدخل فيه بيع صبرة بر بصبرة شعير جزافا مع الحلول والتقابض إذ يصدق على الصبرتين أنه عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع مع أنه لا ربا في ذلك ولا يقال التماثل إنما يعتبر في الجنس فقوله غير معلوم التماثل معناه إذا كان يعتبر فيه التماثل لأن الحد لا تعرض فيه لذلك ويمكن أن يجاب بأن الـ في التماثل للعهد أي التماثل المعتبر شرعا وذلك عند اتحاد الجنس وليس حملها على العهد بأبعد من حمل قوله على عوض مخصوص على الأنواع المخصوصة التي هي محل الربا فليتأمل ( قوله : وأنه من أكبر الكبائر ) وظاهر الأخبار أنه أعظم إثما من الزنا والسرقة وشرب الخمر لكن أفتى شيخنا الشهاب الرملي بخلافه ( قوله : إنما يصلح حكمة ) يفيد أن مجرد علم الحكمة لا يخرجه [ ص: 273 ] عن كونه تعبديا فليراجع فإن فيه نظرا ظاهرا ( قوله : وهو فاسد ) في الجزم بالفساد مع احتمال رجوع الضمير للطعام أي إن كان الطعام من الجانبين جنسا أو للمذكور نظر ظاهر ( قوله : كتمر معقلي ) يتأمل انطباق الضابط على ذلك ( قوله : ومن لازمها الحلول ) قد يقال لكن لا يلزم إرادة اللازم [ ص: 274 ] قوله : قبل التفرق ) شامل للتفرق سهوا أو جهلا ( قوله : وهما فيه ) أي يشترط وجود الوارث في المجلس عند موت المورث والأوجه وفاقا لما أفاده كلام الشيخ أبي علي أنه يكفي قبضهما في مجلس علمهما بالموت وإن لم يكونا عند الموت في مجلس موت المورثين خلافا للزركشي لأن الموت بمنزلة الإكراه على التفرق وهو لا يضر على المعتمد فغيبة الوارث قبل علمه بالموت عن مجلس العقد بمنزلة إكراهه على مفارقته المجلس فإذا علم كان مجلس علمه بمنزلة مجلس زوال الإكراه فلا بد من قبضه قبل مفارقته بأن يحضر المعقود عليه إليه أو قبض وكيله بأن يوكل من يقبض له في أي موضع كان قبل مفارقته هو مجلس العلم قاله م ر وعبارة شرحه ويكفي قبض الوكيل فيه من العاقدين أو أحدهما وهما بالمجلس وكذا قبض الوارث مع موت مورثه في المجلس أي وإن لم يكن الوارث معه في مجلس العقد لأنه في معنى المكره كما قاله الشيخ أبو علي في آخر كلام له انتهى وفي شرح العباب للشارح عن الشيخ أبي علي عكس ما ذكر والاكتفاء بقبض وارثيهما ظاهر إذا كان العاقدان مالكين بخلاف ما لو كانا وكيلين وبقبض المأذونين ظاهر إذا كان العاقدان مالكين أو أذن المالكان لهما في التوكيل أو ساغ لهما شرعا وفي شرح العباب وهل مفارقة المورث الميت قبل قبض الوارث كمفارقة الموكل قبل قبض الوكيل وكما يأتي أن الفراق كرها كهو اختيارا أو يفرق بانتفاء الأهلية من أصلها عن الميت فسقط اعتبار حضوره [ ص: 275 ] بخلاف المكره ونحوه كل محتمل وكلامهم يميل للثاني ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : ومأذونيهما إلخ ) حاصل هذا الكلام كما ترى أنه يشترط قبض المأذونين قبل مفارقة الآذنين ولا يشترط قبض الوارثين قبل مفارقة المورثين الميتين مع الفرق فليتأمل .




                                                                                                                              الخدمات العلمية