الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              ( واللحية   ) بكسر اللام أفصح من فتحها ، وهي الشعر النابت على الذقن التي هي مجتمع اللحيين ومثلها العارض وأطلقها ابن سيده على ذلك وشعر الخدين ( إن خفت كهدب ) فيجب غسل داخلها وباطنها أيضا ( وإلا ) تخف بأن كثفت بأن لم تر البشرة من خلالها في مجلس التخاطب عرفا قيل يلزم عليه أن الشارب مثلا لا يكون إلا كثيفا لتعذر رؤية البشرة من خلاله غالبا إن لم يكن دائما مع تصريحهم فيه بأنه مما تندر فيه الكثافة فالأولى الضبط بأن الكثيف ما لا يصل الماء لباطنه إلا بمشقة بخلاف الخفيف ا هـ .

                                                                                                                              ويرد بأن هذا الضبط فيه إيهام لعدم انضباط المشقة فالحق ما قالوه ولا يرد ما ذكر في الشارب ؛ لأن مرادهم أن جنس تلك الشعور الخفة فيه غالبة بخلاف جنس اللحية والعارض نعم لما حكى الرافعي الأول قال : وقيل الخفيف ما يصل الماء إلى منبته بلا مبالغة وقد يرجح بأن الشارب من الخفيف والغالب منعه الرؤية ا هـ ويجاب بأن كون الشارب من الخفيف إنما هو بالنسبة للحكم إذ كثيفه كخفيفه حكما وأما بالنسبة للحد فالوجه فيه هو الأول ولا يرد عليه الشارب لما تقرر [ ص: 205 ] ( فليغسل ) الذكر المحقق ( ظاهرها ) ولا يكلف غسل باطنها ، وهو البشرة وداخلها وهو ما استتر من شعرها لعسر إيصال الماء إليهما إذ كثافتها غير نادرة ولما خرج منها عن حد الوجه بأن كان لو مد خرج بالمد عن جهة نزوله أخذا مما يأتي في شعر الرأس ؛ لأنه لا تنقطع نسبته عن بشرة الوجه ليأتي فيه الخلاف الآتي إلا حينئذ ويؤيده قياس الضعيف الآتي على ذؤابة الرأس ، ويحتمل ضبطه بأن يخرج عن تدويره بأن طال على خلاف الغالب حكمها لوقوع المواجهة به كهي وبه يفرق بين وجوب هذا وعدم إجزاء مسح ذاك ؛ لأنه لا يسمى رأسا فيجب غسل باطن الخفيف أيضا وظاهر الكثيف فقط كالسلعة المتدلية عن حد الوجه وكذا خارج بقية شعور الوجه ومحاذيه مسامحة فيه دون أصوله لوقوع الخلاف في وجوب غسله من أصله كما قال .

                                                                                                                              ( وفي قول لا يجب غسل ) ظاهر كثيف ولا ظاهر وباطن خفيف ( خارج عن الوجه ) من اللحية وغيرها لخروجه عن محل الفرض كذؤابة الرأس ، وإنما وجب التعميم مطلقا اتفاقا في غسل الجنابة لعدم المشقة فيه لقلة وقوعه بالنسبة للوضوء وأما لحية الخنثى فيجب غسل باطنها حتى من الخارج مطلقا  للشك في مقتضى المسامحة فيها ، وهو الذكورة فتعين العمل بالأصل من غسل الباطن فاندفع ما لبعضهم هنا وكذا المرأة لندرة اللحية لها فضلا عن كثافتها ؛ ولأنه يسن لها نتفها أو حلقها ؛ لأنها مثلة في حقها وهل خارج بقية شعورهما كذلك فيجب غسل باطنه مطلقا لأمرهما بإزالته ؛ لأنه مشوه أو هما كغيرهما فيه كل محتمل والأول أقرب [ ص: 206 ] ثم رأيت في كلام شيخنا ما يصرح به ولو خف بعضها ، فإن تميز فلكل حكمه وإلا وجب غسل باطن الكل احتياطا وتضعيف المجموع الذي نقله شيخنا عنه لهذا بأنه خلاف ما قاله الأصحاب وما علل به الماوردي لا دلالة فيه لم أره في عدة نسخ منه ؛ فلذا جزمت به ومن له وجهان يلزمه غسلهما ، وإن فرض أن أحدهما زائد لوقوع المواجهة بهما أو رأسان [ ص: 207 ] كفى مسح بعض أحدهما ؛ لأن الواجب مسح جزء مما رأس وعلا وكل كذلك ، ويندب أن يبدأ بأعلى وجهه وأن يأخذ الماء بيديه جميعا للاتباع { وكان صلى الله عليه وسلم يبلغ براحتيه إذا غسل وجهه ما أقبل من أذنيه } .

                                                                                                                              ( تنبيه )

                                                                                                                              ذكروا في الغسل أنه يعفى عن باطن عقد الشعر أي إذا تعقد بنفسه وألحق بها من ابتلي بنحو طبوع لصق بأصول شعره حتى منع وصول الماء إليها ولم يمكنه إزالته  لكن صرح شيخنا بخلافه ، وأنه يتيمم وحمله على ممكن الإزالة غير صحيح ؛ لأنه لا يصح التيمم حينئذ والذي يتجه العفو للضرورة ، فإن أمكنه بحلق محله فالذي يتجه أيضا وجوبه ما لم يحصل له به مثلة لا تحتمل عادة

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله : ؛ لأن مرادهم أن جنس تلك الشعور إلخ ) فيه تكلف ظاهر فليتأمل ( قوله : إذ كثيفه إلخ ) فيه أن هذا جار في غيره من المذكورات فلم خصوه فهذا يضعف [ ص: 205 ] الجواب ( قوله : كل محتمل ) فرض هذا التردد فيما عدا خارج اللحية فهل يجري في خارجها حتى يكون المعتمد [ ص: 206 ] عند شيخنا الشهاب الرملي أنها كالرجل في خارجها ( قوله : في كلام شيخنا ) كأنه يريد كلامه في المنهج وشرحه فإنه يصرح بذلك لكن خالفه شيخنا الشهاب الرملي فجعل الخارج عن حد الوجه من المرأة كهو من الرجل ا هـ وعليه فمثلها الخنثى بل أولى لاحتمال ذكورته ( قوله : فإن تميز إلخ ) المراد كما قاله ابن العماد بالتميز إمكان إفراد كل بالغسل وبعدمه تعذر الإفراد وإلا فكل متميز في نفسه على كل حال م ر ( قوله ومن له وجهان إلخ ) نعم لو كان له وجه من جهة قبله وآخر من جهة دبره وجب غسل الأول فقط كما أفتى بذلك شيخنا الشهاب الرملي رحمه الله ( قوله : وإن فرض أن أحدهما زائد ) يراجع وسيأتي أن اليد الزائدة الغير المحاذية للأصلية لا يجب [ ص: 207 ] غسلها

                                                                                                                              فيحتاج للفرق إن عم هذا الغير المحاذي أيضا ( قوله : مسح بعض أحدهما ) ظاهره ، وإن كان زائدا ( قوله : ولم يمكنه إزالته ) ينبغي أو يشق إزالته مشقة لا تحتمل عادة ( قوله والذي يتجه العفو ) هو كذلك وبه أفتى شيخنا الشهاب الرملي لكن لو زال بعد فراغ الوضوء فهل يجب غسل ما تحته وما بعده أخذا مما يأتي من قوله نعم إن زال التحامها لزمه غسل ما ظهر من تحتها أو يفرق فيه نظر




                                                                                                                              الخدمات العلمية