الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              ( فإن الاشتغال ) افتعال من الشغل بفتح أوله وضمه ( بالعلم ) المعهود شرعا وهو التفسير والحديث والفقه وآلاتها واختصاصه بالثلاثة الأول عرف خاص بنحو الوصية ( من أفضل الطاعات ) ففرض عينه أفضل الفروض العينية  لتفرعها عليه وأفضله معرفة الله تعالى لأن العلم يشرف بشرف معلومه وهي واجبة إجماعا وكذا النظر المؤدي إليها ووجوبهما بالشرع عند أكثر الأشاعرة إذ لا حكم قبل الشرع وعند بعض منا والمعتزلة بالعقل وبسط ذلك يطول قيل وكل منهما يلزمه دور لا محيد عنه ا هـ .

                                                                                                                              وليس كذلك ، وفرض الكفاية منه أفضل فروض الكفايات ونفله أفضل من بقية النوافل وكون معرفة الله تعالى أفضل مطلقا ثم بقية العلوم على ما تقرر من التفصيل لا ينافي [ ص: 30 ] عد ذلك من الأفضل إذ بعض الأفضل قد يكون أفضل بقية أفراده ، وقد لا فزعم خروج المعرفة أو إيرادها غير صحيح وحينئذ فأولى معطوف على أفضل كما يأتي ، ويصح عطفه على من أفضل لما تقرر أن كونه أفضل لا ينافي أنه من الأفضل ويؤيده ما صح عن أنس { كان صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا } فأتى هنا بمن مع أنه صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا إجماعا فنتج أن كون الشيء من الأفضل لا ينافي كونه أفضل بنص كلام أنس هذا الذي هو أقوى حجة في مثل ذلك ، وقالت عائشة رضي الله عنها كما صح عنها أيضا فإذا انتهك من محارم الله تعالى شيء كان من أشدهم في ذلك غضبا فأتت بمن مع أنه أشدهم وزعم بعض من لا تحقيق عنده أن من هنا زائدة بخلافها في كلام أنس .

                                                                                                                              فإن قلت إذا تقرر أن الاشتغال بالعلم  أفضل الطاعات فما فائدة من الموهمة خلاف ذلك كما هو المتبادر منها قلت فائدتها الإشارة إلى التفصيل الذي ذكرته وهو أن كلا من العلوم الثلاثة أفضل بقية أفراد نوعه [ ص: 31 ] ومفضول بالنسبة لنوع آخر أعلى منه ألا ترى أن فرض الكفاية منه وإن كان أفضل بقية فروض الكفايات والنوافل وعليه حمل قول الشافعي رضي الله تعالى عنه الاشتغال بالعلم أي الذي هو فرض كفاية أفضل من صلاة النافلة هو مفضول بالنسبة للفروض العينية غير العلم ونفله أفضل النوافل كما هو ظاهر كلام الشافعي إذ حمله المذكور بعيد ؛ لأن فرض الكفاية من العلم وغيره أفضل من نفل الصلاة فلا خصوصية للعلم حينئذ ولا بدع أن يخص قولهم أفضل عبادة البدن الصلاة بغير ذلك ومفضول بالنسبة لفروض الكفاية والعين من غير العلم فلم يصح حذف من لهذا الاعتبار لئلا يوهم أنه أفضل من غيره وإن اختلف الجنس فتأمله ثم فضله الوارد فيه من الآيات والأخبار ما يحمل من له أدنى نظر إلى كمال استفراغ الوسع في تحصيله مع الإخلاص فيه إنما هو لمن عمل بما علم حتى يتحقق فيه وراثة الأنبياء وحيازة فضيلة الصالحين القائمين بما تحتم عليهم من حقوق الله تعالى وحقوق خلقه .

                                                                                                                              ويظهر حصول أدنى مراتب ذلك بالاتصاف بوصف العدالة الآتي في باب الشهادات

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله واختصاصه إلخ ) هذا صريح في اختصاص الآلات عن الوصية ( قوله ففرض عينه ) ما وجه التفريع إلا أن تجعل الفاء للتفسير ، وقوله أفضل الفروض قضيته أنه أفضل من نحو الصلاة المفروضة ( قوله يلزمه دور لا محيد عنه ) قال في المواقف احتج المعتزلة بأنه لو لم يجب إلا بالشرع لزم إفحام الأنبياء [ ص: 30 ] إذ يقول المكلف لا أنظر ما لم يجب أي النظر ولا يجب ما لم يثبت الشرع ولا يثبت الشرع ما لم أنظر ، وأجيب عنه بوجهين أحدهما أنه مشترك الإلزام إذ لو وجب النظر بالعقل فبالنظر اتفاقا فيقول لا أنظر ما لم يجب ولا يجب ما لم أنظر إلى أن قال في المواقف وشرحه الثاني الحل وهو أن قولك لا يجب النظر على ما لم يثبت الشرع عندي قلنا هذا إنما يصح لو كان الوجوب عينه بحسب نفس الأمر موقوفا على العلم بالوجوب المستفاد من العلم بثبوت الشرع لكنه لا يتوقف في نفس الأمر على العلم به إذ العلم بالوجوب موقوف على الوجوب فلو توقف الوجوب على العلم بالوجوب لزم الدور ولزم أيضا أن لا يجب شيء على الكافر بل نقول الوجوب في نفس الأمر يتوقف على ثبوت الشرع في نفس الأمر والشرع ثابت في نفس الأمر علم المكلف بثبوته أو لم يعلم نظر فيه أو لم ينظر ، وكذلك الوجوب أي ثابت في نفس الأمر مطلقا وليس يلزم من هذا تكليف الغافل لأن الغافل من لم يتصور التكليف لا من لم يصدق به وهذا معنى ما قيل إن شرط التكليف هو التمكن من العلم به لا العلم به وبهذا الحل أيضا يندفع الإشكال عن المعتزلة فيقال قولك لا يجب النظر علي ما لم أنظر باطل لأن الوجوب ثابت بالعقل في نفس الأمر لا يتوقف على علم المكلف بالوجوب والنظر فيه ا هـ .

                                                                                                                              وبه يتضح الدور والجواب عنه ( قوله ويصح عطفه على من أفضل ) أي فالاشتغال بالعلم الشامل لمعرفة الله تعالى أفضل على الإطلاق وهو بعض فروض العين التي هي أفضل من غيرها ( قوله الإشارة إلخ ) في إفادتها الإشارة إلى ما ذكر نظر ظاهر لأن كونه بعض الأفضل صادق مع مساواته لبقية أفراد الأفضل بقي شيء آخر ، وهو أنه يجوز أن المصنف أراد بالعلم ما عدا معرفة الله تعالى بل هذا هو الظاهر وحينئذ فمن لا بد منها ويمتنع عطف أولى على من [ ص: 31 ] أفضل ، ويحمل على هذا كلام المحلي وقوله على هذا التقدير أي مع مراعاة مطابقة ما أفاده من أنه بعض الأفضل لا الأفضل للواقع فليتأمل بل بعض الطاعات غير المعرفة أفضل من الاشتغال بالعلم حتى من فرض العين منه فإنه لو تعارض مع صلاة الفرض في وقتها إنقاذ نبي أو غير نبي من الهلاك تعين تقديم الإنقاذ ، وكان أفضل من فعل الصلاة الفرض في وقتها ( قوله فلم يصح حذف من ) أقول إذا لم يصح حذف من بهذا الاعتبار لم يصح عطف أولى على من أفضل بهذا الاعتبار ، وإلا لصح حذف من والمقرر خلافه وحينئذ فهذا ينافي قوله السابق ويصح عطفه على من أفضل إلا أن يكون ذاك ببعض الاعتبارات نعم لنا أن لا ننظر إلى أفراد العلم ولا إلى أصنافه ويحمل الكلام على نوعه فيصح لنا أن نوع الاشتغال بالعلم أفضل على الإطلاق من نوع الاشتغال بغيره ويصح حينئذ عطف أولى على من أفضل ، ويصح أيضا حذف من .

                                                                                                                              وإنما أتى بها إشارة إلى أنه يكفي في حمل العاقل على الاشتغال به كونه بعض الأفضل ، وإن لم يكن أفضل ولا ينافي أفضليته على هذا التقدير كون بعض أفراده مفضولا كما علم من تفصيله الذي ذكره كما أن نوع الإنسان أفضل من نوع الملك وإن كان بعض أفراد الملك أفضل من بعض أفراده ، وكما أن نوع الرجل أفضل من نوع المرأة وإن كان بعض أفراد المرأة أفضل من بعض أفراد الرجل فليتأمل ( فإن قلت ) يمكن حمل كلام الشارح على ذلك فيكون هذا محترز قوله بهذا الاعتبار ( قلت ) لا مانع ، وقد يقال هذا الاعتبار إن كان مراد المصنف لم يصح غيره وإلا لم يصح توجيه كلامه به فليتأمل




                                                                                                                              الخدمات العلمية