الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              ( وأما غيره فميقات المتوجه من المدينة  ذو الحليفة ) تصغير الحلفة بفتح أوله واحدة الحلفاء نبات معروف ، وهو المسمى الآن بأبيار علي كرم الله وجهه لزعم العامة أنه قاتل الجن فيها على نحو ثلاثة أميال من المدينة ( ومن الشام ( ومصر والمغرب الميقات )   ) إذا لم يسلكوا طريق تبوك ( ومصر والمغرب الجحفة ) ، وهي بعيد رابغ شرقي المتوجه إلى مكة نحو خمس مراحل من مكة والإحرام من رابغ الذي اعتيد ليس مفضولا لكونه قبل الميقات ؛ لأنه لضرورة انبهام الجحفة على أكثر الحجاج ولعدم مائها ، فإن قلت كيف جعلت ميقاتا مع نقل حمى المدينة أنها أوائل الهجرة لكونها مسكن اليهود بدعائه صلى الله عليه وسلم حتى لو مر بها طائر حم قلت ما علم من قواعد الشرع أنه صلى الله عليه وسلم لا يأمر بما فيه ضرر يوجب حمل ذلك على أنها انتقلت إليها مدة مقام اليهود بها ثم زالت بزوالهم من الحجاز أو قبله حين التوقيت بها .

                                                                                                                              ( ومن تهامة اليمن يلملم ومن نجد اليمن ونجد الحجاز قرن ) [ ص: 40 ] بإسكان الراء ( ومن المشرق ) العراق وغيره ( ذات عرق ) ويسن لهم الإحرام من العقيق قبيلها لخبر فيه ضعيف وكل من الثلاثة على مرحلتين من مكة وذلك للنص الصحيح في الكل حتى ذات عرق وتوقيت عمر رضي الله عنه بها اجتهاد وافق النص وعبر بالمتوجه ليوافق الخبر { هن لهن } أي لأهلهن { ولمن أتى عليهن من غير أهلهن } ممن أراد الحج والعمرة ويستثنى مما ذكر الأجير ، فإنه يحرم من مثل مسافة ميقات من أحرم عنه إن كان أبعد من ميقاته ، فإن أحرم من ميقات أقرب فوجهان أحدهما عليه دم الإساءة والحط ورجحه البغوي وآخرون والثاني لا شيء عليه وعليه الأكثرون ونقل عن النص وأنه علله بأن الشرع سوى بين المواقيت ورجحه الأذرعي ، لكن مفهوم قول الروضة وأصلها إذا عدل أجير عن ميقات معين لفظا أو شرعا إلى آخر مساو له أو أبعد لا شيء عليه أنه إذا كان أقرب عليه شيء وبه يترجح الوجه الأول .

                                                                                                                              قال الإسنوي وفرع المحب الطبري [ ص: 41 ] على ذلك فرعا طويلا في مكي استؤجر عن آفاقي بحج أو عمرة فأحرم من مكة وترك ميقات المستأجر عنه  فعلى الوجه الأول يلزمه ما مر بالأولى وعلى مقابله يحتمل وجهين أحدهما لا شيء عليه ؛ لأن مكة ميقات شرعي وأصحهما عليه دم الإساءة والحط ، وإن عينها له الولي في الإجارة ولو شرط عليه ميقات أبعد لزمه منه اتفاقا

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله : ليوافق الخبر ) فيه أنه لا يشمل المتوجه .

                                                                                                                              ( قوله : أهلهن ) والخبر يشمل ذلك صريحا .

                                                                                                                              ( قوله : ورجحه الأذرعي ) عبارة حاشية الإيضاح قال الأذرعي والظاهر أنه المذهب ثم استشكله بأن مقتضى اعتبار بلد المحجوج عنه أنه لا يجوز العدول إلى أقرب منه وأنه لو كان ميقاته أقرب من ميقات طريقه جاز له مجاوزته بلا إحرام إلى محاذاة ميقات بلد المحجوج عنه ثم قال ولا أراهم يسمحون بذلك وأجيب عن الأول بأنه إنما يجيء ذلك لو سلك طريق بلد [ ص: 41 ] المحجوج عنه وإلا فلا لما ذكره الشافعي وعن الثاني بأنهم لم يسمحوا بذلك لأجل مروره على ميقات شرعي لا نظرا لجانب المحجوج عنه ا هـ وقضية الجواب عن الثاني التزام أنهم لا يسمحون بما ذكر وعلى هذا فيحتمل أن يؤخذ منه أنه لو استأجر مصري بمصر عن مكي مات بمكة أو عضب بها ، وهو مقيم بها بعد امتنع عليه مجاوزة الجحفة للإحرام من مكة التي هي ميقات المحجوج عنه ؛ لأن ذلك نظير ما لو استأجر مدني عن مصري حيث يمتنع عليه مجاوزة ذي الحليفة للإحرام من الجحفة كما اقتضاه هذا الجواب ويحتمل أن يفرق بأن المحجوج عنه في صورتنا لم يكن يلزمه قطع المسافة التي قبل ميقاته فلم يلزم نائبه ذلك فلم يلزمه الإحرام قبل ميقات المحجوج عنه على أنه كان يمكن في الجواب عن الثاني التزام أنهم يسمحون بما ذكر كما هو قضية عبارتهم إلا أن يوجد نقل عنهم بخلاف ذلك ( تنبيه ) قال في المجموع لا يشترط أي في صحة الاستئجار ذكر الميقات ويحمل على ميقات تلك البلدة في العادة الغالبة ا هـ . قال الشارح في شرح العباب وكأنه قصد بهذا رد طريقة ضعيفة حكاها بعد ، وهي إن كان للبلد طريقان مختلفا الميقات أو طريق يفضي إلى ميقاتين كالعقيق وذات عرق لأهل العراق وكالجحفة وذي الحليفة لأهل الشام ، فإنهم تارة يمرون بهذا وتارة يمرون بهذا اشترط بيانه وإلا فلا ا هـ . والراجح لا يشترط ويحمل على ميقات بلد المحجوج عنه في العادة الغالبة ا هـ . ويبقى الكلام في حال الاستواء ويحتمل أنه يتخير وأن يعتبر ما سلكه بالفعل ومن هنا يعلم حكم أجير أهل الروم الذين تارة يمرون على مصر وتارة على الشام




                                                                                                                              الخدمات العلمية