الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              ( ويسن خرص الثمر ) الذي تجب فيه الزكاة  وإن كان من نخيل البصرة ، وما أطال به الماوردي من استثنائه ونقل فيه الإجماع ؛ لأنهم لا يمنعون منه مجتازا فيخرجون أكثر مما عليهم وألحق بهم من هو مثلهم في ذلك ردوه بأنه طريقة ضعيفة تفرد بها ( إذا بدا صلاحه ) [ ص: 257 ] أو صلاح بعضه ( على مالكه ) للأمر الصحيح بذلك ، ومن ثم قيل بوجوبه وبحثه بعضهم على الأول إذا علم الإمام أو نائبه تصرف الملاك بالبيع وغيره قبل الجفاف ، والخرص التخمين فهو هنا حزر ما يجيء من الرطب والعنب تمرا أو زبيبا بأن يرى ما على كل شجرة ثم إن شاء ، وهو الأولى قدر عقب رؤية كل ما عليها رطبا ثم جافا ، وإن شاء قدر الجميع رطبا ثم جافا بشرط اتحاد النوع ، وخرج بالثمر المراد به الرطب والعنب الحب لتعذر الحزر فيه لكن بحث بعضهم أن للمالك إذا اشتدت الضرورة لشيء منه أخذه ويحسبه واستدل بما لا يتأتى على قواعدنا فهو ضعيف ، وإن نقل عن الأئمة الثلاثة ما قيل إنه يوافقه وببعد بدو الصلاح قبله لتعذر خرصه ولعدم تعلق حق الفقراء به ( والمشهور إدخال جميعه في الخرص ) لعموم الأدلة الموجبة لعشر الكل أو نصفه من غير استثناء شيء لأكله وأكل عياله ونحوهم لكن يشهد للاستثناء خبر صحيح به وحملوه كالشافعي رضي الله عنه في أظهر قوليه على أنه يترك له من الزكاة شيء ليفرقه بنفسه في أقاربه وجيرانه ، وفي تضعيف المتن مدرك هذا المقابل نظر مع شهادة الحديث وبعد تأويله ، ومن ثم قال الأذرعي : ليس عنه جواب شاف ، وهو مذهب الحنابلة واختاره بعضهم إذا دعت حاجة المالك إليه ، ولم يجد خارصا يثق به ونوى أن يخرج بعد الجداد عما يأكله واستشهد له بتناوله صلى الله عليه وسلم الباكورة قبل بعث الخارص ومر الجواب عن هذا الاستشهاد ( وأنه يكفي خارص ) واحد ؛ لأنه يجتهد ويعمل بقول نفسه فهو كالحاكم ، ولو اختلف خارصان  توقفنا حتى يعرف الأمر منهما أو من غيرهما ، ولو فقد خارص من جهة الساعي  

                                                                                                                              [ ص: 258 ] حكم المالك عدلين يخرصان عليه ويضمنانه كما يأتي ، ولا يكفي واحد احتياطا لحق الفقراء ولأن التحكيم هنا على خلاف الأصل رفقا بالمالك ، فبحث بعضهم إجزاء واحد يرد بذلك ، وبتحكيمهما مع التضمين الآتي المفيد للتصرف رد ابنا الرفعة والأستاذ قول الغزالي كإمامه ينفذ التصرف في الرطب قبل الجفاف فيما عدا قدر الزكاة  بالإجماع وإلا لمنع الناس من الرطب وحمل - ما قالاه - آخرون على ما بعد الخرص والتضمين ( وشرطه   ) العلم بالخرص ويظهر الاكتفاء فيه حيث لا شاهدان به بالاستفاضة و ( العدالة ) وتأتي شروطها ، وحيث أطلقت أريد بها عدالة الشهادة لكن لأجل حكاية الخلاف صرح ببعض ما خرج بها فقال ( وكذا الحرية والذكورة في الأصح ) ؛ لأنه ولاية ، وليس من لم تكمل فيه شروط عدالة الشهادة أهلا لها .

                                                                                                                              ( فإذا خرص ) وضمن   ( فالأظهر أن حق الفقراء ) أي : المستحقين ومر حكمة تغليبهم ( ينقطع من عين الثمر ) بالمثلثة ( ويصير في ذمة المالك التمر ) بالمثناة ( والزبيب ) إن لم يتلفا بغير تقصير منه فإن تلفا بغير تقصير منه قبل التمكن من الأداء فلا ضمان عليه ( ليخرجهما بعد جفافه ) أي : كل منهما ؛ لأن الخرص مع التضمين يبيح له التصرف في الجميع وذلك يدل على انقطاع حقهم منه ( ويشترط ) في الانقطاع والصيرورة المذكورين ( التصريح ) من الساعي أو الخارص المحكم في الخرص ( بتضمينه ) أي حق الفقراء لنحو المالك كضمنتك إياه بكذا أو خذه بكذا ( وقبول المالك ) أو وليه أو وكيله للتضمين ( على المذهب ) ؛ لأن الانتقال من العين إلى الذمة يستدعي رضاهما ويأتي قريبا ما يعلم منه جواز تضمين الساعي أحد شريكين قدر حقه  بل الكل .

                                                                                                                              كما يجوز له أن يضمن زكاة حصة المسلم شريكه اليهودي [ ص: 259 ] كما يأتي وبحث أخذا من هذا ، ومن أنه يجوز له إخراجها من غيره أنه لو ضمن حصته أو أخرجها ثم اقتسما حل له التصرف في ماله ، وإن لم يخرج شريكه حصته بناء على أن القسمة إفراز قال غيره أو بيع ، وقد اقتسما بعد الجفاف للضرورة ؛ إذ لا يكلف بغيره مع صحة القسمة وتبعية الزكاة للمال ا هـ وفيه نظر ؛ إذ كلامهم كالصريح في امتناع استقلال الملاك بالقسمة التي هي بيع بعد تعلق حق الزكاة  فليحمل ذلك على ما إذا انقطع حقهم من عينه بتضمين صحيح ، ثم رأيت بعضهم أطلق بطلان القسمة وأن إخراج أحدهما قبلها أو بعدها حصته يشيع في المال كله فتبطل في حصة الشريك لعدم إذنه ، ولم يحسب للمخرج إلا الربع إن تناصفا وحينئذ لا يجوز له التصرف في شيء من المال لبقاء تعلق الزكاة بحصته ونظيره ما لو باع شريك عبدين بغير إذن شريكه  يبطل في نصف كل لا في كل أحدهما ا هـ .

                                                                                                                              وهذا كله مبني على ضعيف لما مر أن المنقول المعتمد أن الخلطة أي : شيوعا أو جوارا في الحيوان والمعشر وغيرهما كما صرحوا به تجعل المالين كالمال الواحد فيجوز لأحد الشريكين الإخراج من ماله ، ولو بغير إذن شريكه اكتفاء بإذن الشارع ويرجع على الشريك بحصته ما لم ينو التبرع وحينئذ فمتى أخرج أحد شريكين أو خليطين جاز له التصرف في قدر حقه كما لو ضمن قدر الزكاة تضمينا صحيحا ، ولا يجاب ساع طلب قسمة ما يجف أو غيره قبل القطع بأن يفرد الزكاة بالخرص في نخلة أو أكثر إن قلنا : القسمة بيع ، وإلا أجيب ، وكذا بعد القطع وقبل الجفاف وعلى المنع يقبض الساعي الواجب من المقطوع مشاعا بقبض الكل .

                                                                                                                              وبه يبرأ المالك ويملكه المستحقون بقبض نائبهم ثم يبيعه أو يبيعه هو والمالك ويقتسمان الثمن ، ويلزمه فعل الأحظ ، وليس له أخذ قيمة الواجب مع بقاء الثمرة أي : إلا باجتهاد أو تقليد صحيح كما علم مما مر في الخلطة ، فإن أتلفها المالك ، أو تلفت عنده بعد قطعها لزمه قيمة الواجب رطبا وقت التلف ذكره في المجموع قال : وفارق هذا ما مر في مسألة العراقيين بأنه ثم يلزمه إبقاؤها إلى الجفاف حتى يدفع الجاف فإذا قطع قبله فقد تعدى فلزمه الجاف ، وهنا لا إبقاء عليه ؛ لأن الفرض أنه خاف العطش فلم يلزمه الثمر بل له القطع ودفع الرطب فلم يلزمه غيره ، وفيه غموض فتأمله ( وقيل ينقطع ) حق الفقراء ( بنفس الخرص ) ؛ لأن التضمين لم يرد ، وليس هذا التضمين على حقيقة الضمان [ ص: 260 ] لما يأتي أنه لا يضمن ما تلف بغير تقصير ( وإذا ضمن ) وقبل على الأول ( جاز تصرفه في جميع المخروص بيعا وغيره ) ؛ لأنه ملكه بذلك ، ولم يبق لأحد تعلق به ، وهذا هو فائدة التضمين واستبعده الأذرعي في معسر يصرفه في دينه أو يأكله وبقاؤه في ذمته لا حظ لهم فيه وتبعه غيره فقال : إنما يضمنه حيث يرى المصلحة ، ولا مصلحة هنا فإن ظنها فاختلف ظنه باع الإمام جزءا من الثمر أو الشجر أي حيث لم يكن مرهونا وبحث بعضهم أنه متى أمكن الاستيفاء من الشجر أو غيره خرص عليه وضمنه ، وإلا فلا أما قبل الخرص والتضمين أو القبول فلا ينفذ تصرفه ببيع أو غيره إلا فيما عدا قدر الزكاة كما يأتي ، ومع ذلك يحرم عليه التصرف في شيء منها لتعلق الحق بها مع كون الشركة غير حقيقية ؛ لأن المغلب فيها جانب التوثق فحرم التصرف مطلقا [ ص: 261 ] وبهذا يعلم ضعف إفتاء غير واحد بأن للمالك قبل التضمين الأكل إذا نوى أنه يخرج الجاف ؛ لأن حق المستحقين شائع في كل ثمرة فكيف يجوز أكله بنية غرم بدله

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله : في المتن ويسن خرص الثمر إلخ ) في البهجة

                                                                                                                              فإن يضمن ( أي الخارص ) بالصريح المالكا الثمر الجاف ويقبل ذلكا فنافذ في كله تصرفه
                                                                                                                              وبعد أن يضمن لو لم يتلفه يضمنه مجففا

                                                                                                                              ا هـ فقوله الثمر الجاف قال في شرحه أي : إن كان يجف وقوله يضمنه مجففا قال في شرحه : إن كان يجف فإن لم يجف أو أتلفه قبل الخرص أو التضمين أو القبول ضمنه رطبا لا جافا فيغرم القيمة ا هـ ولا يخفى أن هذا الصنيع الذي في شرحه قد يقتضي دخول الخرص ، والتضمين ما لا يجف فليتأمل وليراجع وقوله فيغرم القيمة الأوجه أنه إنما يغرم المثل كما يعلم مما يأتي .

                                                                                                                              ( قوله : إذا بدا صلاحه [ ص: 257 ] أو صلاح بعضه ) نعم إذا بدا صلاح نوع دون آخر ففي جواز خرص الكل وجهان في البحر والأوجه على ما قاله الشيخ عدم الجواز لكن الأقيس كما قاله ابن قاضي شبهة الجواز شرح م ر ( قوله : لتعذر الحزر فيه ) في تعذره في الشعير نظر ( قوله : وإن نقل عن الأئمة الثلاثة ما قيل : إنه يوافقه ) تقدم عن أحمد ما يوافقه بل ما هو أبلغ منه [ ص: 258 ] قوله : حكم المالك عدلين إلخ ) كذا في الروض وغيره ( قوله : وحمل ما قالاه آخرون إلخ ) يتأمل هذا الحمل مع قولهما فيما عدا قدر الزكاة مع أنه بعد الخرص والتضمين يباح التصرف في الجميع كما سيأتي آنفا ( قوله : صرح ببعض ما خرج بها ) هلا قال ما دخل فيها ( قوله : في المتن بعد جفافه ) هلا فسر الهاء بالثمر فلا إشكال [ ص: 259 ] حينئذ في إفراد ضمير جفافه وتثنية ضمير ليخرجهما ؛ لأن مرجع الأول حينئذ مفرد ، وهو الثمر والثاني مثنى ، وهو التمر والزبيب ، ولا حاجة إلى التأويل الذي ارتكبه المبني على اتحاد المرجع في الموضعين فيرد الإشكال المحوج لبيان الحكمة الواضحة فليتأمل .

                                                                                                                              ( قوله : إذ كلامهم كالصريح في امتناع استقلال الملاك بالقسمة إلخ ) انظر ما تقدم قبيل والحب مصفى من تبنه ( قوله فليحمل ذلك على ما إذا إلخ ) إن أراد حمل البحث المذكور فلا يخفى ما في هذا الحمل كما يدرك بالتأمل ( قوله : على ما إذا انقطع حقهم ) قد يقال : قد فرض أنه ضمن حصته أو [ ص: 260 ] أخرجها ومع ذلك يقطع حقهم من العين إلا أن يقال : كلامه بالنسبة لشريكه فإنه لم يوجد منه ضمان ، ولا إخراج فالحق متعلق بالعين بالنسبة له ( قوله : في المتن وإذا ضمن إلخ ) ، ومحل جواز التضمين إذا كان المالك موسرا ينبغي ، ولو بالشجر فإن كان معسرا فلا شرح م ر ( قوله : باع الإمام إلخ ) ما المراد بذلك مع بقاء الثمر وتعلق الزكاة بحاله على هذا البحث ( قوله : فلا ينفذ تصرفه ) أي : في الكل أو البعض شائعا كما في شرح الروض ، وكذلك البعض معينا كما هو ظاهر ، وحاصل ذلك مع قوله الآتي آنفا ، ومع ذلك يحرم عليه التصرف إلخ أنه يحرم التصرف مطلقا سواء أكان في الكل أم في البعض معينا أم شائعا

                                                                                                                              ووجه الحرمة أنه تصرف في حق غيره ؛ لأن ما أوقع التصرف عليه من الكل أو البعض مطلقا للمستحقين فيه حق فقد تصرف في حق غيره بغير إذن صاحب الحق فيحرم لكنه مع الحرمة يصح فيما عدا قدر الزكاة ، ويبطل في قدرها ، نعم إن استثنى قدر الزكاة في البيع على ما سيأتي في آخر الباب فينبغي عدم التحريم ؛ لأنه خص التصرف بغير حق المستحقين فليتأمل ، وقضية ذلك أنه يحرم على الشريك في غير الزكاة بيع المشترك أو بعضه بغير إذن شريكه إلا أن يفرق بالنسبة للبعض بأن المغلب هنا التوثق ( قوله : لأن المغلب فيها جانب التوثق ) أي : فلا يقال : هلا جاز التصرف في قدر نصيبه كما في المشترك .

                                                                                                                              ( قوله : فحرم التصرف مطلقا ) ظاهره ، وإن كان التصرف فيما عدا قدر الزكاة شائعا ، وعبارة الروض

                                                                                                                              ( فرع )

                                                                                                                              يحرم الأكل والتصرف قبل الخرص قال في شرحه لكن إن تصرف في الكل أو البعض شائعا صح [ ص: 261 ] فيما عدا نصيب المستحقين ا هـ وكذا ظاهر عبارة الروض وأصله وغيرهما ، ولا يخلو عن الإشكال ، وقد يدفع بأنه لا يؤمن أن يتلف ما عدا قدر الزكاة ، وإن لم يلزمه فيما إذا تلف بغير تقصير إلا حصة الواجب من ذلك الباقي كما يدل عليه قوله : الآتي آخر الصفحة أو بعضه زكى الباقي ، والأولى دفعه بأنه تصرف في حق غيره ؛ لأن ما تصرف فيه من كل أو بعض فيه حق للمستحقين نعم إن استثنى في البيع قدر الزكاة على ما يأتي آخر الباب فيتجه عدم التحريم




                                                                                                                              الخدمات العلمية