الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      ( وأشهد ) أعلم أتي به للخبر الصحيح { كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء } أي القليلة البركة ( أن لا إله ) أي لا معبود بحق ( إلا الله ) وفي نسخة زيادة وحده لا شريك له وحينئذ فوحده تأكيد لتوحيد الذات وما بعده تأكيد لتوحيد الأفعال ردا على نحو المعتزلة ( الواحد ) في ذاته فلا تعدد له بوجه وصفاته فلا نظير له بوجه وأفعاله فلا شريك له بوجه ولما نظر إلى حقائقها وما يليق بها حجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى قال ليس في الإمكان أبدع مما كان أي كل كائن إلى الأبد متى دخل في حيز كان لا أبدع [ ص: 24 ] منه من حيث إن العلم أتقنه والإرادة خصصته والقدرة أبرزته ولا نقص في هذه الثلاثة فكان بروزه على أبدع وجه وأكمله ولم يتفاوت بالنسبة لبارئه { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت } بل لذواته باعتبار الأحكام فاعتراضه باستلزام ذلك عجز المحدث لهذا العالم عن إيجاد أبدع منه أو بخله به أو وجوب فعل الأصلح عليه أو أنه موجب بالذات هو عين الحمق والجهل على أنه لو أمكن أبدع منه بأن تتعلق القدرة بإعدامه حال وجوده لزم اجتماع الضدين وهو محال لا تتعلق به القدرة فلم يناف ذلك صلوح القدرة للطرفين على البدلية بأن تتعلق بكل منهما بدلا عن الآخر ثم الاعتراض إنما يتوهم حيث لم تجعل ما مصدرية كما هو ظاهر ( الغفار ) أي الستار لذنوب من شاء من عباده المؤمنين فلا يؤاخذهم بها ولما كان من شأن الواحد القهر آثره على القهار لئلا تنزعج القلوب من تواليهما وليتم له ما بينهما من الطباق المعنوي لإشارة الأول لمقام الخوف والثاني لضده .

                                                                                      ( تنبيه ) فرقوا بين الواحد والأحد وأصله وحد [ ص: 25 ] بأن أحدا يختص بأولي العلم وبالنفي إلا إن أريد به الواحد أو الأول كما في الآية ووصفا بالله دون واحد ووحد وبأن نفيه نفي للماهية بخلاف في الواحد إذ لا ينفي الاثنين فأكثر ، وبأنه يستعمل للمؤنث أيضا نحو { لستن كأحد من النساء } والمفرد والجمع نحو { من أحد عنه حاجزين } وبأن له جمعا من لفظه وهو الأحدون والآحاد وقول أبي عبيد بترادفهما ولكن الغالب استعمال أحد بعد النفي اختيار له

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      حاشية ابن قاسم

                                                                                      ( قوله وأشهد ) قال الشهاب الأشبيطي في تعليقه على الخطبة معناها هنا أعلم ذلك بقلبي وأبينه بلساني قاصدا به الإنشاء حال تلفظه ، وكذا سائر الأذكار والتنزيهات ا هـ .

                                                                                      ( قوله أعلم ) هل هو بضم الهمزة وكسر اللام كما هو مناسب لمعنى الشهادة أولا ( قوله تأكيد لتوحيد الذات ) قد يقال بل هو تأكيد لاختصاص الألوهية بالله الذي أفاده النفي والإثبات ( قوله ليس في الإمكان أبدع مما كان ) صريح في إمكان غير ما كان ، وإلا لقال ليس في الإمكان إلا ما كان وإمكان غير ما كان مع التزام أن ما كان هو الأبدع يستلزم إمكان غير الأبدع وإذا كان غير الأبدع ممكنا فمن أين أن ما كان هو الأبدع بل جاز أن لا يكون هو الأبدع لأن غير الأبدع ممكن أيضا فتأمله ، والحاصل أن غير الأبدع إن كان ممكنا جاز أن يكون هو الواقع وإلا لم يكن ممكنا فمن أين أن الواقع هو الأبدع وإن لم يكن ممكنا فلا يقال ليس في الإمكان أبدع مما كان بل يقال ليس في الإمكان إلا ما كان .

                                                                                      ويمكن أن يجاب باختيار الأول لكن الممكن بالذات قد يمتنع بالغير فجاز أن يمتنع [ ص: 24 ] وقوع غير الأبدع لترجيح وقوع الأبدع بتعلق العلم والإرادة به لأن الحكمة فيه ( قوله فكان بروزه ) هذا التفريع يتوقف على إثبات أن العلم لا يقتن إلا الأبدع والإرادة لا تخصص إلا الأبدع والقدرة لا تبرز إلا الأبدع ، وما ذكره لا يثبت ذلك انتهى ( قوله عن إيجاد أبدع منه ) امتناع إيجاد أبدع منه لكونه لا أبدع منه ليس من قبيل العجز أو غيره مما ذكر ( قوله على أنه لو أمكن ) هذه العلاوة فرع أن الواقع هو الأبدع ولم يثبت ذلك كما نبهنا عليه آنفا ( قوله حال وجوده ) التقييد بقوله حال وجوده غير لازم في الإيراد الذي أشار إليه بل للمورد أن يعبر هكذا يمكن أبدع من الموجود بأن يعدمه ويوجد بدله أبدع منه أو بأن يوجد الأبدع ابتداء فلا يلزم ما ألزمه فليتأمل ( قوله حيث لم تجعل ما مصدرية ) يتأمل المعنى على المصدرية ( قوله [ ص: 25 ] ووصفا ) أي ويختص وصفا فهو حال




                                                                                      الخدمات العلمية