الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      ، ولو تعددت مواضع متقاربة وتميز كل باسم  فلكل حكمه . ا هـ . وإنما يتجه أن عد كل مع ذلك قرية مستقلة عرفا وقضية قوله هنا في خطة وفيما يأتي بأربعين أن شرط الصحة كون الأربعين في الخطة وأنه لا يضر خروج من عداهم عنها فيصح ربط صلاتهم الجمعة بصلاة إمامها بشرطه وهو متجه وكلامهم في شروط القدوة المكانية يقتضيه أيضا [ ص: 425 ] فعليه لو اقتدى أهل بلد سمعوا وهم ببلدهم بإمام الجمعة في بلده وتوفرت شروط الاقتداء  جاز ، ثم رأيت الأذرعي والزركشي أطلقا أنه لا يضر خروج الصفوف المتصلة بمن في الأبنية إلى محل القصر وأني قلت في شرح العباب عقبه وهو مقيس لكن الأوجه حمله على ما هنا والتبعية إنما ينظر إليها غالبا في الزائد على الأربعين وانعقاد جمعة من دونهم إذا بان حدث الباقين تبعا للإمام خارج عن القياس على أن صورة الجماعة المراعاة ، ثم لم يوجد في الخارج ما ينافيها بخلافه هنا فإن وجود بعض الأربعين خارج الأبنية ينافيها

                                                                                      ( ولو لازم أهل الخيام الصحراء ) أي محلا منها كما بأصله ( أبدا فلا جمعة ) عليهم ( في الأظهر ) ؛ لأن قبائل العرب كانوا حول المدينة ولم يأمرهم صلى الله عليه وسلم بحضورها ولا تصح منهم بمحلهم ، ولو سمعوا النداء من محلها بشروطه السابقة لزمتهم فيه تبعا لأهله ، أما لو كانوا ينتقلون في نحو الشتاء فلا جمعة عليهم جزما وخرج بالصحراء ما لو كانت خيامهم في خلال الأبنية وهم مستوطنون فتلزمهم الجمعة وتنعقد بهم لأنهم في خلال الأبنية فلا يشترط كونهم في أبنية ( الثالث أن لا يسبقها ولا يقارنها جمعة في بلدتها ) مثلا ، وإن عظمت لها لم تفعل في زمنه صلى الله عليه وسلم ولا في زمن الخلفاء الراشدين إلا في موضع واحد وحكمته ظهور الاجتماع المقصود فيها ( إلا إذا كبرت ) ذكره إيضاحا على أن المدار إنما هو على قوله ( وعسر اجتماعهم ) يقينا وسياقه يحتمل أن ضمير اجتماعهم لأهل البلد الشامل لمن تلزمه ومن لا ، وأنه لمن تنعقد به وكلاهما بعيد والذي يتجه [ ص: 426 ] اعتبار من يغلب فعلهم لها عادة وأن ضابط العسر أن يكون فيه مشقة لا تحتمل عادة ( في مكان ) واحد منها ، ولو غير مسجد فتجوز الزيادة بحسب الحاجة لا غير

                                                                                      قال في الأنوار أو بعدت أطراف البلد أو كان بينهم قتال والأول محتمل إن كان البعيد بمحل لا يسمع منه نداؤها بشروطه السابقة وظاهر إن كان بمحل لو خرج منه عقب الفجر لم يدركها ؛ لأنه لا يلزمه السعي إليها إلا بعد الفجر كما مر وحينئذ ، فإن اجتمع من أهل المحل البعيد كذلك أربعون صلوا الجمعة وإلا فالظهر والثاني ظاهر أيضا فكل فئة بلغت أربعين تلزمها إقامة الجمعة ( وقيل لا تستثنى هذه الصورة ) وتتحمل المشقة لما تقرر أنها لم تتعدد في الزمن الأول ومن ثم أطال السبكي في الانتصار له نقلا ودليلا ، ، وقال : إنه قول أكثر العلماء ولا يحفظ عن صحابي ولا تابعي تجويز تعددها ولم تزل الناس على ذلك إلى أن أحدث المهدي ببغداد جامعا آخر ( وقيل إن حال نهر عظيم ) يحوج إلى سياحة ( بين شقيها كانا كبلدين ) فلا يقام في كل شق أكثر من جمعة واعترضه الشيخ أبو حامد بأنه يلزمه جواز قصر من دخل من أحدهما إلى الآخر بقصد السفر والتزامه قائله

                                                                                      ( وقيل : إن كانت قرى ) متفاصلة ( فاتصلت ) عمارتها ( تعددت الجمعة بعددها ) أي تلك القرى استصحابا لحكمها الأول ( ولو سبقها جمعة ) بمحلها حيث لا يجوز فيه التعدد ( فالصحيحة السابقة ) لجمعها الشرائط [ ص: 427 ] ولو أخبرت طائفة بأنهم مسبوقون بأخرى أتموها ظهرا والاستئناف أفضل ومحله كما هو ظاهر إن لم يمكنهم إدراك جمعة السابقين وإلا لزمهم القطع لإدراكها ويعرف السبق بخبر عدل رواية أو معذور كما هو ظاهر كما يقبل إخباره بنجاسة على المصلي وإنما لم يقبل في عدد الركعات خبر الغير ؛ لأنه لا مدخل له فيه لإناطته بما في قلب المصلي ( وفي قول إن كان السلطان مع الثانية ) إماما كان أو مأموما ( فهي الصحيحة ) وإلا لأدى إلى تفويت جمعة أهل البلد بمبادرة شرذمة ونائب السلطان حتى الإمام الذي ولاه مثله في ذلك وكذا الذي أذن فيها أما ما يجوز فيه التعدد فتعددت بزيادة على الحاجة فتصح السابقات إلى أن تنتهي الحاجة

                                                                                      ثم تبطل الزائدات ومن شك في أنه من الأولين أو الآخرين أو في أن التعدد لحاجة أو لا لزمته الإعادة فيما يظهر كما يعلم مما يأتي ، فإن قلت فكيف مع هذا الشك يحرم أو لا وهو متردد في البطلان قلت : لا نظر لهذا التردد لاحتمال أن يظهر من السابقات المحتاج إليهن فصحت لذلك ؛ لأن الأصل عدم مقارنة المبطل ، ثم إن لم يظهر شيء تلزم الإعادة [ ص: 428 ] ( والمعتبر سبق التحرم ) براء أكبر من الإمام ، وإن لم يلحقه الأربعون إلا بعد إحرام أربعي المتأخر ؛ لأن بالراء يتبين الانعقاد والعدد تابع فلم يعتبر وقيل : هو المعتبر ويدل له أن الإمام لو سلم في الوقت والقوم خارجه فلا جمعة للجميع ويجاب بأنه يغتفر للتمييز في السبق لكون الكل في الوقت ما لم يغتفر ، ثم لأن الوقت هو الأصل كما مر

                                                                                      ( وقيل ) سبق الهمزة وقيل سبق ( التحلل ) وهو السلام أي ميم المتأخر منه من عليكم أو السلام كما هو ظاهر وذلك للأمن بعده من عروض مفسد للصلاة بخلاف التحرم ( وقيل ) المعتبر السبق ( بأول الخطبة ) بناء على أن الخطبتين بدل عن الركعتين ( فلو وقعتا ) بمحل يمتنع تعددها فيه ( معا أو شك ) أوقعتا معا أو مرتبا ( استؤنفت الجمعة ) إن اتسع الوقت لتدافعهما في المعية واحتمالها عند الشك مع أن الأصل عدم وقوع جمعة مجزئة في حق كل طائفة ولا أثر للتردد مع إخبار العدل ؛ لأن الشارع أقام إخباره في نحو ذلك مقام اليقين [ ص: 429 ]

                                                                                      ( تنبيه ) من الواضح أنه لا يجوز الاستئناف مع التعدد إلا إن علم أنه بقدر الحاجة فقط وإلا فلا فائدة له وأنه ما دام الوقت متسعا لا تصح الظهر إلا إن وقع اليأس من الجمعة أخذا مما مر آنفا وأن هذه الظهر هي الواجبة ظاهرا فتقع الجماعة فيها فرض كفاية لا سنة ويسن الأذان لها إن لم يكن أذان قبل والإقامة لها ، ولا ينافيه قوله : السابق تسن الجماعة في ظهرهم ؛ لأن الغرض ثم هو الجمعة وقد وقعت صحيحة مجزئة وأن المراد بالشك في المعية وقوعهما على حالة تمكن فيها المعية وكذا الباقي فلا يقال لو شك بعض الأربعين دون بعض ما حكمه نعم يظهر أنه لو ( أخبر ) بعض الأربعين عدل بسبق جمعتهم لم يلزمهم استئناف لأنهم غير شاكين بخلاف الباقين يلزمه إن أمكنهم بشروطه ولا لاحتمال تقدم إحداهما في مسألة الشك فلا تصح الأخرى ؛ لأن المدار على ظن المكلف دون نفس الأمر لكن يسن مراعاته بأن يصلوا بعدها الظهر ( وإن سبقت إحداهما ولم تتعين ) كأن سمع مسافر مثلا تكبيرتين متلاحقتين وجهل المتقدمة منهما ( أو تعينت ونسيت [ ص: 430 ] صلوا ظهرا ) لتيقن وقوع جمعة صحيحة في نفس الأمر لكنها غير معلومة لمعينة منهما

                                                                                      والأصل بقاء الفرض في حق كل فلزمتهما الظهر عملا بالأسوأ فيها وفيه ( وفي قول جمعة ) ؛ لأن المفعولتين غير مجزئتين .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      حاشية ابن قاسم

                                                                                      ( قوله : فعليه لو اقتدى أهل بلد إلى جاز ) هذا متجه مع قطع النظر عن المفرع عليه لوجود الشرط من الجماعة والخطة بخلاف المفرع عليه لفقد شرط الخطة ، ولو وقف أحد بإحدى رجليه في الخطة والأخرى خارجها فيحتمل أن يقال فيه ما قيل في الاعتكاف ، فإن كان أولا في الخطة فأخرج إحدى رجليه لم يضر أو كان أولا خارجها ، ثم أدخل إحداهما لم يفد ويحتمل أن يكون كما لو قدم إحدى رجليه على الإمام واعتمد عليهما أو على إحداهما ( قوله : ثم رأيت الأذرعي والزركشي أطلقا أنه لا يضر خروج الصفوف إلخ ) اعتمد شيخنا الشهاب الرملي عدم صحة جمعة الخارجين عن الخطة ، واعلم أنه لو خرج من لا تلزمه الجمعة عن الخطة وأحرم بالظهر فأحرم بالخطة أربعون بالجمعة خلفه صحت لهم الجمعة كما هو ظاهر ولا يضر خروج الإمام ؛ لأنه لم ينو الجمعة فليتأمل ( قوله : لكن الأوجه حمله إلخ ) أي بأن يحمل على الزائد على الأربعين ( قوله : فلا جمعة عليهم جزما ) يتجه أنهم لو سمعوا نداء محل الجمعة بشرطه لزمتهم فيه حيث امتنع ترخصهم

                                                                                      ( فرع ) لو طول الخطيب بحيث يؤدي إلى سبق غير هذه الجمعة ، ولو ظنا حرم عليه ذلك م ر ( قوله : والذي يتجه إلخ ) نقل عن شيخنا الشهاب الرملي ما يوافق ذلك والأوجه اعتبار الحاضرين بالفعل في تلك [ ص: 426 ] الجمعة وأنهم لو كانوا ثمانين مثلا وعسر اجتماعهم في مكان بسبب واحد منهم فقط بأن سهل اجتماع ما عدا واحدا وعسر اجتماع الجميع أنه يجوز التعدد ( قوله : إن كان البعيد بمحل إلخ ) بل هو متجه لو كان بمحل يسمع منه حيث لحقه بالحضور مشقة لا تحتمل عادة لتحقق العذر المجوز للتعدد حينئذ ولعل هذا مراد الأنوار ولا ينافي ذلك قولهم يجب السعي من الفجر على بعيد الدار ؛ لأن محله إذا لم يتأت إقامة الجمعة في محله فالحاصل أن مشقة السعي التي لا تحتمل عدة تجوز التعدد دون الترك رأسا م ر ( قوله : وظاهر إن كان بمحل لو خرج إلخ ) بل ، وإن [ ص: 427 ] كان لو خرج أدركها حيث شق الحضور ( قوله : بخبر عدل رواية أو معذور ) صور بهما ؛ لأن كلا لا يلزمه الجمعة فيتضح تركه الجمعة والإخبار بالسبق ( قوله : ومن شك ) أي عند الإحرام بدليل ما يأتي من السؤال والجواب ولا يخفى أن هذا الشك حاصله الشك في أن جمعته من القدر الزائد على الحاجة فهي باطلة أو المحتاج إليه فهي صحيحة فهل حكمه كما في قوله فلو وقعتا معا أو شك استؤنفت الجمعة وهل قضية ذلك أنه إذا استأنفها برئ حيث لم يقارن استئناف القدر الزائد ، وإن سبقوه بالفعل أو لا ؛ لأن مقتضى شكه عدم إجزائهم ما فعلوه أولا فليتأمل

                                                                                      ( قوله : تلزم الإعادة ) أي إعادة الجمعة وهو ظاهر إن علم أن وقت الحاجة لم ينقض ، فإن علم انقضاءه لم تلزم الإعادة بل لم تجز وقد فاتته الجمعة ، وإن شك فهل يعيد ، ثم إن لم يظهر شيء تلزم الإعادة أيضا ويعود التفصيل [ ص: 428 ] المذكور أو كيف الحال فليحرر ( قوله : والمعتبر سبق التحرم براء أكبر إلخ ) ، فإن قلت بتمام الراء يتبين الدخول من أول التكبير فمن سبق بأوله ، وإن تأخرت راؤه عن راء الآخر يتبين سبقه إياه فكان ينبغي اعتبار الابتداء قلت السابق بالراء يتبين دخوله قبل تمام إحرام الآخر فيختل إحرامه لانعقاد جمعته قبل تمامه وهو مانع من انعقاده فليتأمل فقد اتضح اعتبار الانتهاء ( قوله : في المتن فلو وقعتا معا أو شك استؤنفت الجمعة ) فلو أيس من استئنافها صلى الظهر وفي هذه الحالة يتجه أمور منها ندب سنة الجمعة القبلية دون البعدية أما ندب القبلية فتبعا لجواز إقدامه على الجمعة وإنما جاز الإقدام عليها بل وجب لاحتمال أن يسبق ومن لازم مشروعية إقدامه عليها مشروعية سنتها المتقدمة وإلا لامتنع الإقدام أيضا على الجمعة وأما عدم ندب البعدية فلأنه بالمعية أو الشك تبين عدم إجزائها وأن ما وقع ليس فرض وقته فلم يبق له بل القياس انقلاب ما وقع من الجمعة وقبليتها نفلا مطلقا ومن هنا يظهر أن ندب القبلية منوط بجواز الإقدام على الجمعة والبعدية منوطة بإجزاء الجمعة التي فعلها ومنها أن تجب كفاية الجماعة في الظهر ؛ لأنه الذي صار فرض الوقت والجماعة في فرض الوقت واجبة كفاية فليتأمل

                                                                                      ( قوله : في المتن استؤنفت الجمعة ) فلو أيس من استئنافها صلى الظهر واكتفى شيخنا الشهاب الرملي باليأس العادي بأن جرت العادة بعدم استئنافها .

                                                                                      وشرط شيخنا عبد الحميد اليأس الحقيقي بأن يضيق الوقت ويؤيده أنهم لو لم يفعلوا شيئا مطلقا امتنع الظهر إلا عند ضيق الوقت فليتأمل ( فرع ) حيث تعددت الجمعة طلب الظهر وجوبا إن لم يجز التعدد وندب إن جاز خروجا من خلاف من منع التعدد مطلقا أي سواء كان [ ص: 429 ] بقدر الحاجة أو زائدا عليها ( قوله : وإن سبقت إحداهما ولم تتعين أو تعينت ونسيت [ ص: 430 ] صلوا ظهرا ) فيه أمران أحدهما هل يندب لكل من الفرقتين سنة الجمعة البعدية لوقوع جمعة مجزئة في نفس الأمر وهي محتملة من كل منهما أو ؛ لأنها لم تجز واحدة منهما فيه نظر والثاني غير بعيد ثانيهما هل تجب الجماعة كفاية في الظهر ؛ لأنها المجزئة أو لا لحصول الجماعة في جمعة صحيحة فيه نظر والأول غير بعيد .




                                                                                      الخدمات العلمية