الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              ( ولا جمعة على معذور بمرخص في ترك الجماعة   ) مما يمكن مجيئه هنا لا كالريح بالليل واستشكله جمع بأن من ذلك الجوع ويبعد ترك الجمعة به وبأنه كيف يلحق فرض العين بما هو سنة أو فرض كفاية قال السبكي لكن مستندهم قول ابن عباس رضي الله عنهما الجمعة كالجماعة ويجاب بما أشرت إليه آنفا وهو منع قياس الجمعة على الجماعة بل صح بالنص أن من أعذارها المرض فألحقوا به ما هو في معناه مما مشقته كمشقته أو أشد وهو سائر أعذار الجماعة فاتضح ما قالوه وبان أن كلام ابن عباس مقو لما سلكوه لا أنه الدليل لما ذكروه ومن العذر هنا [ ص: 409 ] ما لو تعين الماء لطهر محل النجو ولم يجد ماء إلا بحضرة من يحرم نظره لعورته ولا يغض بصره عنها ؛ لأن في تكليف الكشف حينئذ من المشقة ما يزيد على مشقة كثير من الأعذار وهل من العذر هنا خلف غيره عليه أن لا يصليها لخشيته عليه محذورا لو خرج إليها لكن المحلوف عليه لم يخشه وذلك ؛ لأن في تحنيثه حينئذ مشقة عليه بإلحاقه الضرر لمن لم يتعد بحلفه فإبراره كتأنيس مريض بل أولى

                                                                                                                              وأيضا فالضابط السابق يشمل هذا إذ مشقة تحنيثه أشد من مشقة نحو المشي في الوحل كما هو ظاهر أو ليس ذلك عذرا ؛ لأن مبادرته بالحلف في هذا قد ينسب فيها إلى تهور فلا يراعى كل محتمل ولعل الأول أقرب إن عذر في ظنه الباعث له على الحلف لشهادة قرينة به ( و ) لا على ( مكاتب ) ؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم وقيل : تجب عليه ( وكذا من بعضه رقيق ) لا جمعة عليه ، ولو في نوبته ( على الصحيح ) لعدم استقلاله وعطفهما مع عدم وجوب الجماعة عليهما أيضا ليشير للخلاف في المبعض وكذا المكاتب كما مر ، وإن كان المتن مصرحا بأنه لا خلاف فيه ( ومن صحت ظهره ) ممن لا جمعة عليه ( صحت جمعته ) إجماعا قيل تعبيرا أصله بأجزأته أصوب لإشعاره بسقوط القضاء بخلاف الصحة . ا هـ . وهو ممنوع [ ص: 410 ] بل هما سواء كما هو مقرر في الأصول

                                                                                                                              ( وله ) أي من لا تلزمه ( أن ينصرف ) قيل تعبيره به لا يستلزم الترك . ا هـ . وليس في محله لأن الكلام في المعذور الذي لا تلزمه وهو صريح في أن له الترك من أصله فتخيل عدم ذلك الاستلزام عجيب وحاصل كلامه أن جواز الترك من أصله للمعذور لا تفصيل فيه وإنما التفصيل في الانصراف بعد الحضور ( من الجامع ) يعني من محل إقامتها وآثر الجامع ؛ لأن الأغلب إقامتها فيه قبل الإحرام بها لا بعده ؛ لأن نقصه المانع لا يرتفع بحضوره ( إلا المريض ونحوه ) ممن عذر بمرخص في ترك الجماعة ، ولو أكل كريه كما شمله ذلك وتضرر الحاضرين به يحتمل أو يسهل زواله بتوقي ريحه ( فيحرم انصرافه إن دخل الوقت ) لزوال المشقة بحضوره ( إلا أن يزيد ضرره بانتظاره ) لفعلها فيجوز انصرافه ما لم تقم [ ص: 411 ] إلا إذا تفاحش ضرره بأن زاد على مشقة المشي في الوحل زيادة لا تحتمل عادة فيما يظهر فله الانصراف ، وإن أحرم بها أما قبل الوقت فله الانصراف مطلقا ، ولو أعمى لا يجد قائدا كما شمله إطلاقهم ، وإن حرم انصرافه بعد دخول الوقت اتفاقا

                                                                                                                              واستشكل ذلك السبكي وتبعه الإسنوي والأذرعي بأنه ينبغي إذا لم يشق على المعذور الصبر أن يحرم انصرافه كما يجب السعي قبله على بعيد الدار ويجاب بأن بعيد الدار لم يقم به عذر مانع وهذا قام به عذر مانع فلا جامع ، ثم رأيت شيخنا أجاب بما يئول لذلك ، فإن قلت فلم فرق فيه بين دخول الوقت وعدمه مع زوال المشقة في كل قلت : لأنه عهد أنه يحتاط للخطاب بعده لكونه إلزاميا ما لا يحتاط له قبله لكونه إعلاميا وأما بعيد الدار فهو إلزامي فيهما فاستويا في حقه وتردد الأذرعي في قن أحرم بها بغير إذن سيده وتضرر بغيبته ضررا لا يحتمل  والذي يتجه أنه إن ترتب على عدم قطعه فوت نحو مال للسيد قطع ، كما يجوز القطع لإنقاذ المال أو نحو أنس فلا .

                                                                                                                              ( تنبيه ) ظاهر كلامهم أنه لو كان أربعون من نحو المرضى بمحل لم تلزمهم إقامة الجمعة فيه  ، وإن جوزنا تعددها لقيام العذر بهم [ ص: 412 ] وليس كما لو حضر المريض مع غيره لأن المانع مشقة الحضور وقد زالت بحضوره مع كونه تابعا لهم ومتحملا مشقة الحضور وأما مسألتنا فليس فيها ذلك ؛ لأن الفرض أنهم بمحل واحد كما تقرر ويؤخذ من ذلك ترجيح ما قاله السبكي أنه لو اجتمع في الحبس أربعون لم تلزمهم بل لم تجز لهم إقامة الجمعة فيه لقيام العذر بهم وأيده بأنه لم يعهد في زمن إقامتها في حبس مع أن حبس الحجاج كان يجتمع فيه العدد الكثير من العلماء وغيرهم فقول الإسنوي القياس أنها تلزمهم لجواز التعدد عند عسر الاجتماع فعند تعذره أولى فيه نظر ؛ لأن الحبس عذر مسقط وبه يندفع قوله : أيضا فيلزم الإمام أن ينصب من يقيم لهم الجمعة ا هـ

                                                                                                                              ولو قيل : لو لم يكن بالبلد غيرهم وأمكنهم إقامتها بمحلهم لزمتهم لم يبعد ؛ لأنه لا تعدد هنا والحبس إنما يمنع وجوب حضور محلها وقول السبكي المقصود من الجمعة إقامة الشعار لا ينافي ذلك ؛ لأن إقامته موجودة هنا ألا ترى أن الأربعين لو أقاموها في صفة بيت وأغلقوا عليهم بابه صحت ، وإن فوتوها على غيرهم كما يعلم مما يأتي ( وتلزم الشيخ الهرم والزمن ) يعني من لا يستطيع المشي ، وإن لم توجد حقيقة الهرم وهو أقصى الكبر والزمانة وهي الابتلاء والعاهة ( إن وجدا مركبا ) ، ولو آدميا لم يزر به ركوبه كما هو ظاهر بإعارة أي لا منة فيها بأن تفهت المنفعة جدا فيما يظهر ويحتمل أنه في الآدمي لا فرق أخذا مما يأتي في بذل الطاعة للمعضوب في الحج وعللوه باعتياد المسامحة بالارتفاق في بدن الغير ما لم يعتد به في ماله وقد يفرق بأن الحج يحتاط له أكثر ؛ لأنه لا يجب في العمر إلا مرة ولا مجزئ عنه أو إجارة بأجرة مثل وجدها فاضلة عما يعتبر في الفطرة كما هو [ ص: 413 ] ظاهر ( ولم يشق الركوب ) عليهما كمشقة المشي في الوحل إذ لا ضرر ( والأعمى يجد قائدا ) ، ولو بأجرة مثل كذلك

                                                                                                                              فإن فقده أو وجده بأكثر من أجرة المثل أو بها وفقدها أو لم تفضل عما مر لم يلزمه ، وإن اعتاد المشي بالعصا كما قاله جمع منهم المصنف في تعليقه على التنبيه خلافا لآخرين ، وإن قرب الجامع منه خلافا للأذرعي لأنه قد تحدث حفرة أو تصدمه دابة فيتضرر بذلك .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله : ويبعد ترك الجمعة به ) عبارته في شرح العباب وفي الجواهر يبعد عد الجوع من أعذار الجمعة انتهى ولا بعد فيه إذا شق عليه الحضور معه كمشقته على المريض بضابطه السابق انتهى وانظر لو تمكن من الأكل الدافع للجوع فأخره بلا عذر إلى حضورها بحيث يفوتها الاشتغال به وقد يخرج عما لو تعمد أكل ذي الريح الكريه لإسقاطها إلا أن يخشى نحو تلف نفس لو حضرها مع الجوع ( قوله بما هو سنة أو فرض كفاية ) قد يقال لا مانع غاية الأمر أنه [ ص: 409 ] قياس أدون ( قوله : ما لو تعين الماء لطهر محل النجو ) أي كأن انتشر الخارج ( قوله : ؛ لأن في تكليف الكشف حينئذ من المشقة ما يزيد إلخ ) نعم هو جائز له إذا أراد تحصيلها ، فإن خاف فوت وقت الظهر أو غيرها من الفرائض وجب عليه الكشف وعلى الحاضرين غض البصر إذ الجمعة لها بدل بخلاف الوقت أفتى بذلك شيخنا الشهاب الرملي رحمه الله تعالى شرح م ر

                                                                                                                              ( قوله : لخشيته عليه محذورا لو خرج إليها ) احترز عما لو لم يخش ذلك لتعديه بالحلف حينئذ بل الحلف حينئذ لا يكون عذرا في حق الحالف بل يجب عليه الحنث ففي حق غيره أولى ( قوله : وعطفهما إلخ ) قد يكفي في عطفهما بيان محترز حر ( قوله : ليشير إلخ ) قد يقال ولعدم تبادرهما من قوله معذور [ ص: 410 ] إلخ ( قوله : بل هما سواء كما هو مقرر في الأصول ) أي بل هما أي الصحة والإجزاء سواء أي في أن كلا منهما لا يستلزم سقوط القضاء فإن ذلك هو الصحيح في الأصول كما يعلم من جمع الجوامع وغيره لا في أن كلا منهما يستلزم سقوط القضاء فإن ذلك قول مرجوح في الأصول كما يعلم مما ذكر أيضا ، فإن أراد هذا الثاني فهو ممنوع كما تبين

                                                                                                                              ( قوله : وهو صريح في أن له الترك من أصله ) فيه بحث ؛ لأنه إنما هو صريح في الترك من أصله قبل الحضور أما بعده والكلام فيه فيجوز أن يتغير الحكم ولذا نقل هذا المعترض وهو الإسنوي وجها أن العبد إذا حضر لزمته الجمعة وكذا أيضا لزمت نحو المريض إذا دخل الوقت بشرطه بل الجواب ما يفهم من الاستثناء الذي ذكره المصنف تأمل ( قوله : فيه ) أي التفصيل في الانصراف ( قوله : في المتن من الجامع ) ينبغي أن يكون حضوره نحو باب الجامع مما لا يبقى معه مشقة كحضوره في نفس الجامع حتى يمتنع الانصراف منه بشرطه ( قوله : وآثر الجامع ؛ لأن الأغلب إلخ ) أو أراد بالجامع المعنى اللغوي أي المكان الجامع الذي يجتمعون فيه ( قوله : ولو أكل كريه ) هل يأتي فيه نظير الاستثناء الآتي فيقال إلا أن يزيد ضرر الحاضرين ( قوله : في المتن فيحرم انصرافه إلخ ) المتبادر منه [ ص: 411 ] نحو لزوم الجمعة في هذه الحالة فهذا قرينة على أن المراد بقوله السابق وله أن ينصرف الانصراف المانع للزوم وبهذا يندفع الاعتراض السابق بأن الانصراف لا يستلزم الترك

                                                                                                                              ( قوله : إلا إذا تفاحش ضرره إلخ ) أي كإسهال به ظن انقطاعه فحضر ، ثم أحس به بل لو علم من نفسه سبقه له وهو محرم في الصلاة لو مكث فله الانصراف كما قاله الأذرعي ، ولو زاد تضرر المعذور بطول صلاة الإمام كأن قرأ بالجمعة والمنافقين جاز له الانصراف أيضا كما بحثه الإسنوي سواء أكان أحرم معه أم لا شرح م ر ( قوله : واستشكل ذلك ) أي جواز الانصراف قبل الوقت ( قوله : ويجاب إلخ ) قد يخدشه أن ذلك العذر إنما هو مانع لوجوب الحضور لمشقته ولوجوب الاستمرار بعد أن زاد الضرر فحيث حضر ولا زيادة للضرر ولم يبق مانعا إلا أنه يريد حينئذ أن هذا لا يزيد على غير المعذور الذي يجوز له الانصراف قبل الوقت لكن بشرط الرجوع لإقامتها وهذا لو رجع لوقع في المشقة قد يقال بل يزيد ؛ لأن جواز انصراف غير المعذور قبل الوقت مشروط بقصد الرجوع لإقامتها والكلام هنا في المعذور في انصرافه على قصد الإعراض عنها رأسا فليتأمل

                                                                                                                              ( قوله : قلت لأنه عهد إلخ ) هذا قد يدل على مخاطبة المعذورين بعد الوقت إلزاما وهو ممنوع إذ لو خوطبوا إلزاما بعد الوقت لزمهم الحضور وليس كذلك كما هو ظاهر نعم إذا تبرعوا بالحضور بعد الوقت خوطبوا حينئذ بذلك إلزاما بشرطه وعلى هذا فحاصل الإشكال أن هؤلاء لا خطاب في حقهم إلزاميا قبل الحضور لا قبل الوقت ولا بعده إذا خوطبوا إلزاما بعد الحضور بعد الوقت فليخاطبوا كذلك بعد الحضور قبله وهذا لا يندفع بما ذكره من الفرق ؛ لأنه إن فرضه قبل الحضور فهو ممنوع إذ لا خطاب قبله مطلقا أو بعده فهذه التفرقة هي أول المسألة فكيف يسوغ التمسك بها تأمل ( قوله : قطع ) هل جوازا فقط كالمنظر به أو يفرق ( فرع ) النوم يوم الجمعة بعد الفجر وقبل الزوال إذا لم يظن الانتباه منه وإدراك الجمعة هل يجب تركه ويحرم التسبب فيه ؟ فيه نظر وقياس وجوب السعي من الفجر على بعيد الدار وجوب تركه وحرمة [ ص: 412 ] التسبب فيه وبادر م ر بالمنع وحاول الفرق بما لم يتضح فليحرر

                                                                                                                              ( قوله : ويؤخذ من ذلك إلخ ) قضية الأخذ منه أنه نظيره وحينئذ فقياس ما قاله الإسنوي لزومها لأربعين مرضى أو عميانا بلا قائد تيسر لهم إقامتها بمحلهم وأما ما أشار إليه الشارح من الفرق بين حضور المرضى وعدم حضورهم فلا يخفى ما فيه ولا نسلم أن التبعية التي ذكرها لها مدخل في الوجوب فليتأمل ( قوله : أنه لو اجتمع في الحبس أربعون لم تلزمهم إلخ ) والحبس كما قال الغزالي عذر إن منعه الحاكم وله ذلك لمصلحة رآها وإلا فلا ، وإن أفتى البغوي بوجوب إطلاقه لفعلها وذكر الرافعي في الجماعة أنه عذر إن لم يقصر فيه فيكون هنا كذلك شرح م ر ( قوله : بل لم تجز لهم إلخ ) لا وجه لعدم الجواز حيث جاز التعدد وما استدل به لا يفيد عدم الجواز

                                                                                                                              ( قوله : مع أن حبس الحجاج كان يجتمع فيه العدد الكثير من العلماء وغيرهم ) لعلهم منعوا من إقامتها وهي وقائع حالية محتملة ( قوله : فقول الإسنوي القياس أنها تلزمهم إلخ ) ويبقى النظر في أنه إذا لم يكن فيهم من يصلح فهل يجوز لواحد من البلد التي لا يعسر فيها الاجتماع إقامة الجمعة لهم ؛ لأنها جمعة صحيحة ومشروعة أم لا لأنا إنما جوزناها للضرورة ولا ضرورة فيه والأوجه الأول شرح م ر ( قوله : لأن الحبس عذر مسقط ) للإسنوي أن يقول إنما يسقط إذا احتيج لحضور محل آخر لا مطلقا فهو عذر مسقط للحضور لا لفعل الجمعة في محلهم فالاستدلال بأنه عذر استدلال ساقط بل لا منشأ له إلا الالتباس ( قوله : وبه يندفع قوله : أيضا يلزم الإمام إلخ ) اعتمد م ر اللزوم ( قوله : بإعارة إلخ ) يجوز تعلقه بالغاية لا بأصل الكلام فتشمل العبارة الملك والإعارة والإجارة لغير الآدمي لكن سكوته عن الملك في الآدمي كعبده [ ص: 413 ] فيه نظر ( قوله : بإعارة إلخ ) فلو وهب له مركوب لم يجب قبوله للمنة م ر ( قوله : وإن قرب الجامع منه إلخ ) المتجه وجوب الحضور إذا قرب بحيث لا يناله ضرر شرح م ر .




                                                                                                                              الخدمات العلمية