الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      ( ومن سافر من بلدة فأول سفره مجاوزة سورها ) المختص بها  ، وإن تعدد إن كان لها سور كذلك ولو في جهة مقصده فقط لكن إن بقيت تسميته سورا [ ص: 371 ] لأن ما في داخله ولو خرابا ومزارع محسوب من موضع الإقامة ، والخندق كالسور وبعضه كبعضه ، وإن لم يكن فيه ماء على الأوجه ويظهر أنه لا عبرة به مع وجود السور وألحق الأذرعي به قرية أنشئت بجانب جبل يشترط فيمن سافر في صوبه قطع ارتفاعه إن اعتدل وإلا فما نسب إليها منه عرفا ويلحق بالسور أيضا تحويط أهل القرى عليها بالتراب أو نحوه ( فإن كان وراءه عمارة اشترط مجاوزتها في الأصح ) ؛ لأنها تابعة لداخله فيثبت لها حكمه وأطال الأذرعي في الانتصار له

                                                                                      ( قلت الأصح ) الذي عليه الجمهور أنها ( لا تشترط والله أعلم ) ؛ لأنها لا تعد من البلد ودعوى التبعية لا تفيد هنا ؛ لأن المدار فيه على محل الإقامة ذاتا لا تبعا على أن التبعية هنا ممنوعة ألا ترى إلى قول الشيخ أبي حامد لا يجوز لمن في البلد أن يدفع زكاته لمن هو خارج السور لأنه نقل للزكاة ولا ينافيه ما يأتي أنه لو اتصل بناء قرية بأخرى اشترطت مجاوزتهما لأنهم جعلوا السور فاصلا بينهما ومنه يؤخذ أن من بالعمران الذي وراء السور لو أراد أن يسافر من جهة السور لم تشترط مجاوزة السور ؛ لأنه مع خارجه كبلدة منفصلة عن أخرى ولا إطلاق المصنف فيمن سافر قبل فجر رمضان اعتبار العمران ؛ لأنه محمول على ما هنا من التفصيل بين وجود سور وعدمه ، والفرق بأنه ثم لم يأت ببدل بخلافه هنا يرد بأنه ثم يأتي بالقضاء وكفى به بدلا ، فإن أريد في الوقت فالركعتان هنا لم يأت لهما ببدل فيه أيضا فاستويا

                                                                                      ( فإن لم يكن ) لها ( سور ) [ ص: 372 ] مطلقا أو صوب سفره أو كان لها سور غير مختص بها كقرى متفاصلة جمعها سور ( فأوله مجاوزة العمران ) ، وإن تخلله خراب ليس به أصول أبنية أو نهر ، وإن كبر أو ميدان ؛ لأنه محل الإقامة ومنه المقابر المتصلة به ومطرح الرماد وملعب الصبيان ونحو ذلك على ما بحثه الأذرعي وبينت ما فيه في شرح العباب ، وإن كلام صاحب المعتمد والسبكي مصرح بخلافه ، والفرق بينها هنا وفي الحلة الآتية واضح ( لا الخراب ) الذي بعده إن اتخذوه مزارع أو هجروه بالتحويط على العامر أو ذهبت أصول أبنيته وإلا اشترطت مجاوزته ( و ) لا ( البساتين ) ، والمزارع كما فهمت بالأولى ، وإن حوطت واتصلت بالبلد لأنها لم تتخذ للسكنى نعم إن كان فيها أبنية تسكن في بعض أيام السنة اشترطت مجاوزتها على ما جزما به لكنه استظهر في المجموع عدم الاشتراط واعتمده الإسنوي وغيره ( والقرية كبلدة ) في جميع ما ذكر والقريتان إن اتصلتا عرفا كقرية ، وإن اختلفتا اسما وإلا كفى مجاوزة قرية المسافر وقول الماوردي أن الانفصال بذراع كاف في إطلاقه نظر

                                                                                      والوجه ما ذكرته من اعتبار العرف ثم رأيت الأذرعي وغيره اعتمدوه ( وأول سفر ساكن الخيام مجاوزة الحلة ) [ ص: 373 ] فقط وهي بكسر الحاء بيوت مجتمعة أو متفرقة بحيث يجتمع أهلها للسمر في ناد واحد ويستعير بعضهم من بعض ويشترط مجاوزة مرافقها كمطرح رماد وملعب صبيان وناد ومعاطن إبل وكذا ماء وحطب اختصا بها وقد يشمل اسم الحلة جميع هذه فلا ترد عليه وذلك أن هذه كلها ، وإن اتسعت معدودة من مواضع إقامتهم هذا إن كانت بمستو ، فإن كانت بواد وسافر في عرضه وهي بجميع العرض أو بربوة أو وهدة اشترطت مجاوزة العرض ومحل الهبوط ومحل الصعود إن اعتدلت هذه الثلاثة ، فإن أفرطت سعتها أو كانت [ ص: 374 ] ببعض العرض اكتفي بمجاوزة الحلة ومرافقها أي التي تنسب إليه عرفا كما هو ظاهر ويفرق بينها وبين الحلة في المستوى بأنه لا مميز ثم بخلافه هنا والنازل وحده بمحل من البادية بفراقه وما ينسب إليه عرفا فيما يظهر وهذا محمل ما بحث فيه أن رحله كالحلة فيما تقرر ولو اتصل البلد أي الذي لا سور له من جهة البحر كما هو ظاهر لوضوح الفرق بين العمران ، والسور بساحل البحر اشترط جري السفينة أو زورقها ، وإن كان في هواء العمران كما اقتضاه إطلاقهم .

                                                                                      [ ص: 375 ] وينتهي السفر ببلوغ ما شرط مجاوزته ابتداء مما مر سواء أكان ذلك أول دخول إليه أم لا بأن رجع من سفره إليه كما قال .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      حاشية ابن قاسم

                                                                                      ( قوله : مجاوزة سورها ) اعلم أن العادة أن باب السور له كتفان خارجان عن محاذاة عتبته بحيث إن الخارج مجاوز العتبة وهو في محاذاة الكتفين فهل يتوقف جواز القصر على مجاوزة محاذاته الكتفين فليس له القصر قبل مجاوزة ذلك ، وإن انفصل عن العتبة فيه نظر ومال م ر للتوقف فليحرر ( قوله : كذلك ) أي مختص بها ( قوله : لكن إن بقيت تسميته سورا ) في شرح الروض قال الأذرعي وهل للسور المنهدم حكم العامر [ ص: 371 ] فيه نظر قلت الأقرب أن له حكمه وسيأتي في كلامه قريبا ما يؤيده . ا هـ . وأراد بالآتي في كلامه المذكور ما نقله عنه بعد في الخراب إذا بقيت بقايا حيطانه قائمة ولم يتخذوه مزارع ولا هجروه بالتحويط على العامر دونه من قوله الصحيح الأقرب إلى النصوص الاشتراط . ا هـ . وقد يقال إن كان المنهدم يفيد فوائد السور أو بعضها فالوجه اعتباره وإلا فالوجه أن حكمه حكم بقية الخراب والفرق بينهما بعيد فليتأمل ( قوله : ويظهر أنه لا عبرة إلخ ) اعتمده م ر .

                                                                                      ( قوله : ألا ترى إلى قول الشيخ أبي حامد إلخ ) قد يقال الشيخ أبو حامد من المخالفين فلا يكون حجة على غيره م ر ( قوله : لأنهم ) أي هنا جعلوا السور فاصلا بينهما أي ولا فاصل في الاتصال المذكور ( قوله : لم تشترط مجاوزة السور إلخ ) ومعلوم أن العمارة لو لاصقت السور لم يتحقق مجاوزتها إلا بعبور السور ولو بأن يصير في هواء جداره بخلاف ما إذا انفصلت عنه فقد يتحقق مجاوزتها قبل عبوره فليتأمل ( قوله : ولا إطلاق المصنف إلخ ) معطوف على قوله ما يأتي أنه إلخ ولا يقال هذا لا يتوهم منافاته لما الكلام فيه ليحتاج للجواب فتأمل ( قوله : اعتبار العمران ) أي الشامل لما وراء السور ( قوله : لأنه محمول على ما هنا من التفصيل ) أي فهو محمول على بلدة لا سور لها شرح م ر .

                                                                                      ( قوله : والفرق بأنه ثم إلخ ) عبارة شرح العباب والفرق بأنه ثم لم يأت للعبادة ببدل بخلافه هنا لا تأثير له ؛ لأن مدار البابين على وجود السفر بشروطه السابقة وقد صرحوا [ ص: 372 ] بحصوله فيما له سور بمجاوزته فالتوقف حينئذ على مجاوزة ما وراءه من العمران لا معنى له ا هـ وقوله فالركعتان هنا إلخ قد يناقش بأن الركعتين المفعولتين بدل عن مجموع الأربع الأصلية ( قوله : أو هجروه بالتحويط على العامر ) يخرج ما لو هجروه بمجرد عدم التردد إليه ويؤيده قوله في شرح العباب بخلاف ما إذا لم يتخذوه مزارع ولا هجروه بما ذكر فلا بد من مجاوزته ، وإن لم يكن مسكونا على المعتمد ؛ لأنه صالح للسكنى فهو من العمران . ا هـ . لكن قضيته أنه إذا لم يصلح للسكنى ولا ذهبت أصول أبنيته لا يعتبر وفيه نظر فليتأمل ( قوله : واعتمده الإسنوي وغيره ) وهو المعتمد شرح م ر .

                                                                                      ( قوله : ثم رأيت الأذرعي وغيره اعتمدوه ) عبارة [ ص: 373 ] شرح العباب ثم رأيت الأذرعي استحسن الضبط بالعرف .

                                                                                      ( قوله : وكذا ماء وحطب اختصا بها ) عبارة شرح العباب ويظهر جريان ذلك في نحو مطرح الرماد أيضا وكان وجه التخصيص أن الغالب في هذين الاشتراك فاحتيج لتقييدهما بما ذكر بخلاف غيرهما فلم يحتج لتقييده بذلك . ا هـ .

                                                                                      ( قوله : وكذا ماء وحطب إلخ ) انظر لو انفصلا عنها وعن بقية مرافقها ( قوله : أو بربوة ) عطف على بواد ش .

                                                                                      ( قوله : اشترطت مجاوزة العرض إلخ ) هل يشترط مع مجاوزة العرض وما عطف عليه مجاوزة المرافق المتقدمة ، فإن اشترطت لم تخالف هذه ما في المستوي فيشكل التفرقة بينهما ، وإن لم يشترط لم يظهر الضبط بمجاوزة العرض ؛ لأن الفرض أنها عمت العرض فيكفي الضبط بمجاوزتها مال م ر إلى ذلك إلا أن تصوير المسألة بما لا يعد حلة واحدة فلا بد من مجاوزة العرض إن عمته ولا يجب مجاوزة ما زاد عليه ، وإن عمته أيضا وحينئذ تظهر التفرقة بينهما وبين ما في المستوي ؛ لأنه مفروض [ ص: 374 ] فيما يعد حلة واحدة وعلى هذا فلو عد ما عم العرض أو خرج عنه حلة واحدة ساوى ما في المستوي إلا أن هذا لا يناسب فرق الشارح ثم رأيت في شرح العباب استدلالا على شيء قرره ما نصه ثم رأيت في المجموع ما يوضح ما ذكرته وهو لا فرق في اعتبار مجاوزة عرض الوادي ، والهبوط ، والصعود بين المنفرد في خيمة ومن هو في جماعة أهل خيام على التفصيل المذكور قال أصحابنا ولو كان من أهل خيام ، فإنما يترخص إذا فارق الخيام كلها ولو متفرقة إذا كانت حلة واحدة . ا هـ . فافهم أن أهل الخيام التي هي حلة لا بد من مجاوزتها ولو أفرطت سعتها ، وإن هبط أو نزل أو جاوز العرض وأنه يكتفى بها ، وإن قصرت عن العرض ، والمهبط ، والمصعد وأن محل ما مر في الثلاثة في غير ذي الخيام التي هي حلة واحدة ا هـ لكن انظر قوله بين المنفرد في خيمة مع قوله في شرح الروض ومحل اعتبار مفارقة عرضه فيما إذا اعتدل إذا كانت البيوت في جميع عرضه ، فإن كانت في بعضه فبأن يفارقها نقله ابن الصباغ عن أصحابنا ا هـ اللهم إلا أن تصور مسألة الانفراد في خيمة بما إذا عمت عرضه ، وإن كان في غاية البعد ( قوله : ويفرق بينها وبين الحلة إلخ ) إن أريد الحلة المعتدلة اتضح الفرق ( قوله : وما ينسب إليه ) كأنه إشارة إلى نحو مطرح الرماد وملعب الصبيان ( قوله : أي الذي لا سور له ) وكذا ذو السور م ر




                                                                                      الخدمات العلمية