الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              ( و ) يعفى في الثوب والبدن والمكان ( عن قليل دم البراغيث )  لا جلدها كما مر وفي معناها في كل ما يأتي كل ما لا نفس له سائلة ( وونيم الذباب ) أي ذرقه ومثله قوله [ ص: 132 ] وبول الخفاش ومثله روثه رطبها ويابسها في الثوب والبدن والمكان على الأوجه خلافا لمن خص المكان بالجاف وعمم في الأولين ولو عكس لكان أولى لما مر أن ذرق الطيور يعفى عنه فيه دونهما بل بحث العفو عن ونيم برأس كوز يمر عليه ماء قليل فلا يتنجس به وذلك لأن ذلك كله مما تعم به البلوى ويشق الاحتراز عنه ، وهو مفرد وقيل جمع ذبابة بالباء لا بالنون لأنه لم يسمع وجمعه ذبان كغربان وأذبة كأغربة ( والأصح ) أنه ( لا يعفى عن كثيره ) لندرته ( ولا عن قليل انتشر بعرق ) لمجاوزته محله ( وتعرف الكثرة ) والقلة ( بالعادة الغالبة ) فيجتهد المصلي أي وجوبا إن تأهل والأرجح إلى عارف يجتهد له فيما يظهر نظير ما مر بتفصيله في القبلة ، نعم لا يرجح هنا بكثرة ولا أعلمية لأن الأصل القلة فليأخذ به بل ولو قيل يأخذ به ابتداء لكان له معتبرا الزمان والمكان فما رأى أنه مما يغلب التلطخ به ويعسر الاحتراز عنه فقليل وإلا فكثير ولو شك في شيء أقليل أو كثير فله حكم القليل هنا وفيما يأتي ، ولو تفرق النجس في محال ولو جمع لكثر كان له حكم القليل عند الإمام والكثير عند المتولي والغزالي وغيرهما ورجحه بعضهم ( قلت الأصح عند المحققين ) بل في المجموع أنه الأصح باتفاق الأصحاب ( العفو مطلقا والله أعلم ) .

                                                                                                                              وإن كثر منتشرا بعرق وإن جاوز البدن إلى الثوب كما اقتضاه إطلاقهم ولا ينافيه ما يأتي في دم نحو الفصد لأن الابتلاء هنا أكثر بل وإن تفاحش وطبق الثوب على المعتمد ، نعم محل العفو هنا وفيما مر ويأتي حيث لم يختلط بأجنبي وإلا لم يعف عن شيء منه [ ص: 133 ] كذا ذكره كثيرون ومحله في الكثير وإلا نافاه ما في المجموع عن الأصحاب في اختلاط دم الحيض بالريق في حديث عائشة أنه مع ذلك يعفى عنه لقلته كما يأتي وخرج بالأجنبي ، وهو ما لم يحتج لمماسة نحو ماء طهر وشرب وتنشف احتاجه وبصاق في ثوبه كذلك وماء بلل رأسه من غسل تبرد أو تنظف ومماس آلة نحو فصاد من ريق أو دهن وسائر ما احتيج إليه كما صرح به شيخنا في الأخير وغيره في الباقي قال أعني شيخنا بخلاف اختلاط دم جرح الرأس عند حلقه ببلل شعره أو بدواء وضع عليه لندرته فلا مشقة في الاحتراز عنه ا هـ . وفيه نظر وما علل به ممنوع ولا ينافي ما تقرر إطلاق أبى على تأثير رطوبة البدن لأنه محمول على ترطبه بغير محتاج إليه بل أطلق بعضهم المسامحة في الاختلاط بالماء واستدل له بنقل الأصبحي عن المتولي والمتأخرين ما يؤيده وحيث كان في ملبوس لم يتعمد إصابته له وإلا كأن قتل قملا في بدنه أو ثوبه فأصابه منه دم أو حمل ثوبا فيه دم براغيث مثلا أو صلى عليه  لم يعف إلا عن القليل نعم لما لبسه زائدا لتجمل أو نحوه حكم بقية ملبوسه على الأوجه خلافا لقضية كلام القاضي بالنسبة لنحو الصلاة لا لنحو ماء قليل [ ص: 134 ] أي لم يحتج لمماسته له فينجس به وإن قل .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              [ ص: 131 ] قوله والمكان ) قضية ذلك العفو عن الكثير على تصحيح المصنف الآتي ، وقد يحتاج للفرق بينه وبين الصلاة على ثوب البراغيث كما يأتي فليتأمل ويمكن الفرق بأن الاحتراز عن الصلاة على ثوب البراغيث لا عسر فيه بخلاف الاحتراز عن المكان قد يعسر . [ ص: 132 ] قوله وبول الخفاش ومثله روثه ) كالصريح في العفو عنهما في البدن والثوب أيضا وعلى هذا فيخالف عدم الفرق عن زرق الطير في البدن والثوب مع أن الخفاش من جملة الطير واستحسن ذلك م ر بعد البحث معه فيه فيكون مستثنى من الطير لعسر الاحتراز عنه ويكون العفو عن روثه في المكان مع الرطوبة مستثنى من اشتراط الجفاف في العفو عن زرق الطير في المكان ( قوله بالجاف ) هو قياس زرق الطير لكن الفرق ظاهر ومن ثم لم يعف عن الزرق في الثوب والبدن كما ذكره الشارح ( قوله فيه ) أي المكان وقوله دونهما أي الثوب والبدن

                                                                                                                              ( فرع ) في شرح م ر والأوجه أن دم البراغيث الحاصل على حصر نحو المسجد مما ينام عليها كزرق الطير خلافا لابن العماد ( قوله كان له حكم القليل عند الإمام ) أي وهو الراجح م ر ، وهذا لا ينافي ما تقدم أول الكتاب فيما لو تفرقت النجاسة التي لا يدركها الطرف ولو جمعت أدركها أنه لا يعفى عنها على ما تقدم ؛ لأن العفو في الدم أكثر والعفو عنه أوسع من العفو من غير الدم من النجاسة كما هو ظاهر ولهذا عفي عما يدركه الطرف هنا لإثم ( قوله بأجنبي ) شامل للجامد كالتراب وفي شرح م ر فإن اختلط به أي بالأجنبي لم يعف عن شيء منه ويلحق بذلك ما لو حلق رأسه فخرج حال حلقه واختلط دمه قبل الشعر أو حك نحو دمل حتى أدماه ليستمسك عليه الدواء ثم ذره عليه كما أفتى به شيخنا الشهاب الرملي رحمه الله تعالى [ ص: 133 ] قوله ومحله في الكثير إلخ ) يتحصل من كلامه بالنظر لهذا أقسام ثلاثة غير مختلط فيعفى عن قليله وكثيره ومختلط بأجنبي فيعفى عن قليله فقط ومختلط بغير أجنبي فيعفى عن قليله وكثيره ( قوله نحو ماء طهر وشرب إلخ ) وما يتساقط من الماء حال شربه والطعام حال أكله م ر ( قوله قال أعني شيخنا إلخ ) أي ووافقه شيخنا الشهاب الرملي حيث أفتى به

                                                                                                                              ( تنبيه ) قضية كلامهم أن من له ثوبان في أحدهما دم معفو عنه دون الآخر أنه يجوز له لبس الأول والصلاة فيه وإن استغنى عنه بالثاني ؛ لأن منعه من لبس الأول مما يشق ولأنه لا يشترط في العفو أن يضطر إلى نحو اللبس وإلا لم تصح صلاة من حمل ثوب براغيث وإن قل دمها ولأن كلامهم صريح في أنه لا يجب عليه غسل الدم إذا قدر عليه وإذا صحت الصلاة في ثوب البراغيث مع إمكان غسلها فلتصح فيها مع القدرة على ثوب آخر لا دم فيه فليتأمل ( قوله لتجمل أو نحوه ) أي بخلاف زائد ليس . [ ص: 134 ] لذلك فلا يخفى إلا عن القليل ( قوله لم يحتج لمماسته له ) أخرج المحتاج لمماسته فيفيد أنه لو أدخل يده إناء فيه ماء قليل أو مائع أو رطب لإخراج ما يحتاج لإخراجه لم ينجس

                                                                                                                              ( فرع ) في شرح م ر ولو نام في ثوبه فكثر فيه دم البراغيث التحق بما يقتله منها عمدا لمخالفته من العري عند النوم ذكره ابن العماد بحثا ، وهو محمول على عدم احتياجه للنوم فيه وإلا عفي عنه ا هـ .




                                                                                                                              الخدمات العلمية