الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              ( و ) رابعها ( طهارة الحدث )   [ ص: 117 ] بأقسامه السابقة بماء أو تراب وجده وإلا لم تكن شرطا لما مر من صحة صلاة فاقد الطهورين  فإن نسيه وصلى أثيب على قصده لا على فعله إلا ما لا يتوقف على طهره كالذكر ، وكذا القراءة إلا من نحو جنب على الأوجه وإنما لم يؤثر النسيان هنا فيما يأتي لأن الشروط من باب خطاب الوضع ، وهو لا يؤثر فيه [ ص: 118 ] ذلك ومن ثم بطلت بنحو سبقه كما قال ( فإن سبقه ) أي المصلي غير السلس ولو فاقد الطهورين على المعتمد الحدث أو أكره عليه ( بطلت ) صلاته لبطلان طهره إجماعا ولأن صلاة فاقدهما منعقدة ( وفي القديم ) وقول في الجديد أيضا أنه يتطهر و ( يبني ) وإن كان حدثه أكبر لخبر فيه لكنه ضعيف اتفاقا وخرج بسبقه ما لو نسيه فلا تنعقد اتفاقا ( ويجريان ) أي القولان ( في كل مناقض ) أي مناف للصلاة ( عرض ) للمصلي فيها ( بلا تقصير ) منه ( وتعذر ) دفعه عنه ( في الحال ) كتنجس ثوبه الذي لا يمكنه إلقاؤه فورا برطب وكأن طير الريح ثوبه لمحل بعيد أي لا يصله إلا بفعل كثير أخذا مما قالوه في عتق أمة بعد ساترها عنها ( فإن أمكن ) دفعه حالا ( بأن كشفه ريح فستر في الحال ) أو تنجس رداؤه فألقاه أو نفضها عنه [ ص: 119 ] حالا   ( لم تبطل ) صلاته ويغتفر هذا العارض لقلته بخلاف ما لو نحاها بنحو كمه أو عود بيده لأنه حامل لها حينئذ ولا يقاس الحمل هنا بحمل الورقة السابق قبيل فصل قضاء الحاجة لأن الحمل في كل محل محمول على ما يناسبه إذ ما هنا أضيق فأثر فيه ما لا يؤثر ثم ألا ترى أن حمل المماس هنا مبطل وثم لا يحرم وقد مر سر ذلك في مبحث السجود على ما لا يتحرك بحركته ( وإن قصر بأن فرغت مدة خف فيها ) فاحتاج لغسل رجليه ( بطلت ) قطعا كحدثه مختارا [ ص: 120 ] وبحث السبكي أن هذا إذا ظن بقاء المدة إلى فراغها وإلا لم تنعقد وفيه نظر لأنه إذا ظن ذلك لم يقصر فلا يتأتى القطع إلا أن يقال إن غفلته عنها حتى ظن ذلك تقصير ولأنه إذا افتتحها مع علمه بانقضاء المدة فيها يكون المبطل منتظرا ، وهو لا ينافي الانعقاد حالا كما مر فيمن أحرم مفتوح الجيب فالذي يتجه انعقادها حتى تصح القدوة به .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله إلا من نحو جنب ) يفيد أنه لا يثاب عليها بل على قصدها فقط ونقل عن شيخنا الشهاب الرملي أن قراءة الجنب لا بقصد القرآن يثاب عليها ثواب الذكر ، وهو لا ينافي ذلك ؛ لأنه هنا لم يصرفها عن القرآنية لنسيانه الجنابة ولم يوجد شرط ثوابها من الطهارة وهناك انصرفت عن القرآنية لعدم قصدها فصارت ذكرا فأثيب على الذكر ، وقد يقال نسيانه الجنابة لا يقتضي قصد القرآنية فينبغي حينئذ أن يثاب عليها ثواب الذكر لانصرافها عن القرآنية بسبب الجنابة بل ينبغي أن يثاب كذلك وإن قصدها إلغاء لقصدها لعدم مناسبته ( قوله على الأوجه ) اعتمده م ر ( قوله وإنما لم يؤثر النسيان ) أي وإنما لم يغتفر فتصح الصلاة مع ترك الطهارة نسيانا ( قوله : لأن الشروط من باب خطاب الوضع إلخ ) يرد أن الموانع أيضا من باب خطاب الوضع ويؤثر [ ص: 118 ] فيها النسيان كما في يسير الكلام أو الأكل نسيانا فإنه لا يضر ، واللائق أن يقال من باب المأمورات فلا يؤثر فيها النسيان وحينئذ لا ترد الموانع ؛ لأنها من باب المنهيات والنسيان يؤثر فيها ( قوله فلا تنعقد ) هذا يقتضي أن الكلام في نسيانه قبل الدخول في الصلاة إذ نسيانه فيها لا يناسبه نفي الانعقاد بل الذي يناسبه البطلان وحينئذ فكيف يكون النسيان محترز قوله فإن سبقه المفروض في حال الصلاة فليتأمل .

                                                                                                                              ( قوله إلا بفعل كثير ) لو أمكنه الوصول بفعل كثير غير متوال وفعل فهل تصح مطلقا أو إن لم يطل الزمن ينبغي الثاني ( قوله بأن كشفته ريح فستر في الحال ) لو تكرر كشف الريح وتوالى بحيث احتاج في الستر إلى حركات كثيرة متوالية فالمتجه البطلان بفعل ذلك ؛ لأن ذلك نادر ويؤيد البطلان ما قالوه فيما لو صلت أمة مكشوفة الرأس فعتقت في الصلاة ووجدت خمارا تحتاج في مضيها إليه إلى أفعال كثيرة أو طالت مدة الكشف من أن صلاتها تبطل وما قالوه في دفع المار من أنه لا يدفعه بفعل كثير متوال وإلا بطلت صلاته ، وأما التصفيق المحتاج إليه في الإعلام إذا كثر وتوالى فسيأتي أنه يبطل الصلاة عند الشارح كما في دفع المار لكن اعتمد شيخنا الرملي أنه لا تبطل وفرق بينه وبين البطلان في دفع المار ( قوله ريح ) أو كشفه آدمي أو حيوان آخر ( قوله أو نفضها عنه [ ص: 119 ] حالا ) ينبغي أو غسلها حالا كأن وقع عليه نقطة بول فصب عليها حالا الماء بحيث طهر المحل بمجرد صبه حالا ، والمتجه أن البدن كالثوب في ذلك بجامع اشتراط طهارة كل منهما فإذا وقع عليه نقطة بول مثلا فصب فورا الماء عليها بحيث طهر المحل بمجرد الصب حالا لم تبطل صلاته كما لو وقع عليه نجس جاف فألقاه عنه حالا بنحو إمالته فورا حتى سقط عنه النجس إذ لا فرق في المعنى بين إلقاء النجس فورا وصب الماء على النجس الرطب فورا في كل منهما فليتأمل ثم رأيت عن الفتى فيما لو أصابه في الصلاة نجاسة حكمية فغسلها فورا أن أول كلام الروضة يفهم صحة صلاته وآخره يفهم خلافه .

                                                                                                                              ( تنبيه ) لو دار الأمر بين إلقاء النجاسة حالا لتصح صلاته لكن يلزم إلقاؤها في المسجد لكونه فيه وبين عدم إلقائها صونا للمسجد عن التنجيس لكن تبطل صلاته فالمتجه عندي مراعاة صحة الصلاة وإلقاء النجاسة حالا في المسجد ثم إزالتها فورا بعد الصلاة ؛ لأن في ذلك الجمع بين صحة الصلاة وتطهير المسجد لكن يغتفر إلقاؤها فيه وتأخير التطهير إلى فراغ الصلاة للضرورة فليتأمل وقولنا فالمتجه إلخ وافق عليه م ر في الجافة ومنعه في الرطبة ، وهو متجه إن اتسع الوقت ( قوله أو نفضها عنه ) قال في شرح العباب أو بتحريك ما هي عليه حتى وقعت أخذا من قول القاضي لو أخذ طرفا من مسجده الذي وقعت عليه نجاسة وزحزحه حتى سقطت فالظاهر أنها لا تبطل أو ينفخها من غير أن يظهر منه حرفان وهي يابسة لم يضر ا هـ . وظاهر ما أخذه من كلام القاضي وما نقله عنه أنه لا فرق في عدم البطلان بين قبض طرف ما وقعت عليه وتحريكه بلا قبض ، وقد يشكل الأول بمسألة العود دون مسألة القاضي فليتأمل فإنه لا يخفى ما فيه بل المتبادر خلافه وفي فتاوى شيخنا الشهاب الرملي فيما لو وقف على نحو ثوب متنجس الأسفل ورجله مبتلة ثم رفعت فارتفع معها الثوب لالتصاقه بها أنه إن انفصل عن رجله فورا ولو بتحريكها صحت صلاته وإلا بطلت ( قوله حالا ) عبارة الروض وشرحه فإن نحى النجاسة ولو رطبة بأن نحى محلها فورا لم يضر ا هـ . ( قوله أو عود بيده ) على أحد وجهين في الروض بلا ترجيح وفي شرحه أنه الأوجه ( قوله بأن فرغت مدة خف ) أي كما هو [ ص: 120 ] ظاهر أو تعمد كشف عورته أو ملابسته النجاسة ( قوله إذا ظن ) ينبغي أو شك وإلا لم تنعقد ( قوله فيمن أحرم مفتوح الجيب ) الفرق بين ما نحن فيه ومسألة الجيب واضح ؛ لأن المنافي هنا لا يمكن دفعه بخلافه ثم .




                                                                                                                              الخدمات العلمية