الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      ( وإذا ثبت ) عند حاكم ( مال على غائب ) ، أو ميت ، وحكم به بشروطه ( وله مال )  حاضر في عمله ، أو دين ثابت على حاضر في عمله كما شمله المتن ، واعتمده جمع منهم أبو زرعة ، وأطال فيه في فتاويه ، ولا ينافيه منعهم الدعوى بالدين على غريم الغريم  ؛ لأنه محمول على ما إذا كان الغريم حاضرا ، أو غائبا ، ولم يكن دينه ثابتا على غريمه فليس له الدعوى ليقيم شاهدا ، ويحلف معه ، وجزم ابن الصلاح [ ص: 173 ] بأن لغريم ميت لا وارث له ، أو له وارث ، ولم يدع الدعوى على غريم الميت بعين له تحت يده لعله يقر قال : والأحسن إقامة البينة بها ، وتبعه السبكي قال الغزي ، وهو واضح ، وما ذكروه في المنع إنما هو في الدين للفرق بينهما ، والغائب كالميت فيما ذكر ، وقول شريح تمتنع إقامة غريم الغائب بينة بملكه عينا منظر فيه ، أو محمول على ما إذا أراد أن يدعي ليقيم شاهدا ، ويحلف معه ( قضاه الحاكم منه ) إذا طلبه المدعي ؛ لأن الحاكم يقوم مقامه ، ولا يطالبه بكفيل ؛ لأن الأصل بقاء المال ، ولا يعطيه بمجرد الثبوت ؛ لأنه ليس بحكم أما إذا كان في غير عمله فسيأتي قريبا ، واستثنى منه البلقيني ما إذا كان الحاضر يجبر على دفع مقابله للغائب كزوجة تدعي بصداقها الحال قبل الوطء ، وبائع يدعي بالثمن قبل القبض ، وما إذا تعلق بالمال الحاضر حق كبائع له لم يقبض ثمنه ، وطلب من الحاكم الحجر على المشتري الغائب حيث استحقه فيجيبه ، ولا يوفى الدين منه ، وكذلك يقدم مؤنة ممون الغائب ذلك اليوم على الدين الذي عليه ، وطلب قضاؤه من ماله ، ولو كان نحو مرهون تزيد قيمته على الدين فللقاضي بطلب المدعي إجبار المرتهن على أخذ حقه بطريقة ليبقى الفاضل للدائن . ا هـ .

                                                                                      ولو باع قاض مال غائب في دينه فقدم ، وأبطل الدين بإثبات إيفائه ، أو نحو فسق شاهد  بطل البيع على الأوجه خلافا للروياني ( وإلا ) يكن له مال في عمله ، أو لم يحكم ( فإن سأل المدعي إنهاء الحال إلى قاضي بلد الغائب ) ، أو إلى كل من يصل إليه الكتاب من القضاة ( أجابه ) وجوبا ، وإن كان المكتوب إليه قاضي ضرورة مسارعة لقضاء حقه ( فينهي إليه سماع بينة ) ، ثم إن عدلها لم يحتج المكتوب إليه إلى تعديلها ، وإلا احتاج إليه ( ليحكم بها ثم يستوفي ) الحق ، وخرج بها علمه فلا يكتب به ؛ لأنه شاهد الآن لا قاض [ ص: 174 ] ذكره في العدة ، وخالفه السرخسي ، واعتمده البلقيني ؛ لأن علمه كقيام البينة ، ويؤيده قول المتن الآتي فشافهه بحكمه إلى آخره ، وله على الأوجه أن يكتب سماع شاهد واحد ليسمع المكتوب إليه شاهدا آخر ، أو يحلفه ، ويحكم له ( أو ) ينهي إليه ( حكما ) إن حكم ( ليستوفي ) الحق ؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك ، ولا يشترط هنا بعد المسافة كما يأتي قيل : إنهاؤه إما سماع بينة ، أو ثبت عندي ، وهي تستلزم الأولى ، ولا عكس ، وإما الحكم بالحق ، وهو أرفعها ، ويستلزم الأولين ، والذي يرتب عليه المكتوب إليه الحكم هو الثانية لا الأولى فإذا تعبير المصنف ليس بمحرر . ا هـ . ، ويرد بأن غاية الأمر أن قوله : سماع بينة محتمل لأن يكون معه ثبوت ، وأن لا ، والمراد الأول ، ومثل هذا لا يوجب الجزم بعدم تحرير التعبير ، ولو كتب لمعين فشهد الشاهدان عند غيره أمضاه إذ الاعتماد على الشهادة ، ولو حضر الغائب ، وطلب من الكاتب المبهم البينة المعدل لها أن يبينها له ليقدح فيها أجيب على الأوجه وفاقا لجمع ، ولو شهدت بينة عند قاض أن القاضي فلانا ثبت عنده كذا لفلان ، وكان قد مات ، أو عزل  حكم به ، ولم يحتج لإعادة البينة بأصل الحق ، وقولهم إذا عزل بعد سماع بينة ، ثم ولي أعادها محله كما بينه البلقيني إذا لم يكن قد حكم بقبول البينة ، وإلا لم تجب استعادتها ، وإن لم يكن قد حكم بالإلزام بالحق ، وفي الكفاية لو فسق ، والكتاب بسماع الشهادة لم يقبل ، ولم يحكم به كما لو فسق الشاهد قبل الحكم ، ومحله إذا كان فسقه قبل عمل المكتوب إليه بالسماع فإن كان بعده لم ينتقض صرح به جمع متقدمون . ا هـ . ملخصا ( تنبيه )

                                                                                      إنما يعتد بكتاب القاضي فيما لم يمكن تحصيله بغيره فلو طلب منه أن يحكم لغريب حاضر على غائب بعين غائبة ببلد الغريب ، وله بينة من بلده عازمون على السفر إليه  لم تسمع شهادتهم ، وإن سمعها لم يكتب بها بل يقول له : اذهب معهم لقاضي بلدك ، وبلد ملكك ليشهدوا عنده ( والإنهاء أن يشهد ) ذكرين ( عدلين بذلك ) أي : بما جرى عنده من ثبوت ، أو حكم ، ولا يكفي غير رجلين ، ولو في مال ، أو هلال رمضان ( ويستحب كتاب به ) ليذكر الشهود الحال ( يذكر فيه ما يتميز به المحكوم ) ، أو المشهود ( عليه ) ، وله من اسم ، ونسب ، وصنعة ، وحلية ، وأسماء الشهود ، وتاريخه ( ويختمه ) ندبا حفظا له ، وإكراما للمكتوب إليه ، وختم الكتاب من حيث هو سنة [ ص: 175 ] متبعة ، وظاهر أن المراد بختمه جعل نحو شمع عليه ، ويختم عليه بخاتمه ؛ لأنه يحفظ بذلك ، ويكرم به المكتوب إليه حينئذ ، وعلى هذا يحمل ما صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يرسل كتبه غير مختومة فامتنع بعضهم من قبولها إلا مختومة فاتخذ خاتما ، ونقش عليه محمد رسول الله ، ويسن له ذكر نقش خاتمه الذي يختم به في الكتاب ، وأن يثبت اسم نفسه ، واسم المكتوب إليه في باطنه ، وعنوانه ، وقبل ختمه يقرؤه هو ، أو غيره بحضرته على الشاهدين ، ويقول : أشهد كما أني كتبت إلى فلان بما فيه ، ولا يكفي أشهد كما أن هذا خطي ، أو أن ما فيه حكمي ، ويدفع لهما نسخة أخرى غير مختومة يتذاكران بها ، ولو خالفاه ، أو انمحى ، أو ضاع فالعبرة بهما ( و ) بعد وصوله للمكتوب إليه ، وإحضاره الخصم خلافا لقول ابن الصلاح لا يتوقف إثبات الكتاب الحكمي على حضور الخصم ، ولا على إثبات غيبته الغيبة المعتبرة ثم رأيت القمولي قال : وهذا غريب ، والخادم قال عن الماوردي لا بد من حضور الخصم ؛ لأن ذلك شهادة عليه ، وسكت عليه الروياني ، وغيره ، وبه أفتى السبكي ، ونقله غيره عن قضية كلام الشيخين وابن الرفعة ، واعتمد أكثر متأخري فقهاء اليمن ما ذكر عن ابن الصلاح قيل : وعليه عمل الأشياخ ، والقضاة ؛ لأن القاضي المنهى إليه منفذ لما قامت به الحجة عند الأول غير مبتدئ للحكم ، وقد قطع الروياني بأن التنفيذ لا يشترط فيه حضور الخصم ، والدعوى عليه . ا هـ .

                                                                                      ويرد بأن التنفيذ إنما يكون في الأحكام التامة التي فرغ منها ، وأما الحكم هنا فلا يقال له : تنفيذ ؛ لأن الأول إن لم يحكم فواضح ، وإن حكم ، ولم يكن بمحله مال للمحكوم عليه فحكمه لم يتم فنزل منزلة عدم الحكم ، وعلى كل فليس هنا محض تنفيذ فاشترط حضور الخصم ، وإن كان هناك حكم احتياطا ( يشهدان عليه إن أنكر ) بما فيه ( فإن قال : لست المسمى في الكتاب صدق بيمينه ) على ذلك ؛ لأن الأصل براءته ( وعلى المدعي بينة ) ، ويكفي فيها العدالة الظاهرة كما أخذه الزركشي من كلام الرافعي ( بأن هذا المكتوب اسمه ، ونسبه ) [ ص: 176 ] نعم إن كان معروفا بهما حكم عليه ، ولم يلتفت لإنكاره ( فإن أقامها بذلك فقال : لست المحكوم عليه لزمه الحكم إن لم يكن هناك مشارك له في الاسم ، والصفات ) ، أو كان ، ولم يعاصره ؛ لأن الظاهر أنه المحكوم عليه ( ، وإن كان ) هناك من يشاركه بعلم القاضي ، أو بينة ، وقد عاصره قال جمع متقدمون : وأمكنت معاملته أي : أو معاملة مورثه ، أو إتلافه لماله ، ومات بعد الحكم ، أو قبله ، وقع الإشكال فيرسل للكاتب بما يأتي ، وإن لم يمت ( أحضر فإن اعترف بالحق طولب ، وترك الأول ) إن صدق المدعي المقر ، وإلا فهو مقر لمنكر ، ويبقى طلبه على الأول ( وإلا ) أي : وإن أنكر ( بعث ) المكتوب إليه ( إلى الكاتب ) بما وقع من الإشكال ( ليطلب من الشهود زيادة صفة تميزه ، ويكتبها ) ، وينهيها لقاضي بلد الغائب ( ثانيا ) فإن لم يجد مزيدا وقف الأمر حتى ينكشف الحال ، وبحث البلقيني أنه لا بد من حكم ثان بما كتب به من غير دعوى ، ولا حلف ، وفيه ، وقفة ؛ لأن هذا من تتمة الحكم الأول فلا حاجة لاستئناف حكم آخر .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      حاشية ابن قاسم

                                                                                      ( قوله : وحكم به ) يأتي محترزه ( قوله : ولا ينافيه ) كتب عليه م ر ( قوله : لأنه محمول ) كتب عليه م ر ( قوله : فليس له الدعوى ليقيم شاهدا ، ويحلف معه ) فيه إشارة إلى أن له الدعوى لإقامة البينة لكن قولهم ، واللفظ لعماد الرضا ببيان أدب القضا لشيخ الإسلام ، ومنها أي : المسائل لو أثبت دينا على ميتة ، وادعى أن لها على زوجها مهرا ، ولم يدع ذلك وارثها لم تسمع دعواه لأنه يدعي حقا لغير منتقلا إليه كما لو ادعت الزوجة دينا لزوجها ، فإنها لا تسمع ، وإن كان لو ثبت لتعلق به حق [ ص: 173 ] النفقة انتهى يقتضي خلافه ( قوله : لعله يقر ) هلا جاز الدعوى بالدين أيضا لعله يقر ( قوله : ، ولا يعطيه بمجرد الثبوت إلخ . ) محترز قوله السابق ، وحكم به بشروطه ( قوله : قبل الوطء ) ، فإنها مأمورة بدفع مقابل الصداق ، وهو نفسها بأن تسلمها للزوج ( قوله : أو لم يحكم ) محترز قوله : السابق ، وحكم به بشروطه [ ص: 174 - 176 ] قوله : أو كان ، ولم يعاصره إلخ . ) صرح في شرح المنهج بجعل فاعل يعاصره ، وعاصره المدعي ( قوله : وبحث البلقيني أنه لا بد من حكم ثان بما كتب به إلخ . ) عبارة كنز الأستاذ ، ولا يشترط تجديد حكم خلافا للبلقيني انتهى




                                                                                      الخدمات العلمية