الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      ( ، ويجب   ) [ ص: 166 ] فيما إذا لم يكن للغائب وكيل حاضر إن كانت الدعوى بدين ، أو عين ، أو بصحة عقد ، أو إبراء كأن أحال الغائب على مدين له حاضر فادعى أنه مكره عليه ( أن يحلفه بعد البينة ) ، وتعديلها ( أن الحق ) في الصورة الأولى ( ثابت في ذمته ) إلى الآن احتياطا للمحكوم عليه ؛ لأنه لو حضر لربما ادعى ما يبريه .

                                                                                      ويشترط أن يقول مع ذلك ، وأنه يلزمه تسليمه إليه ؛ لأنه قد يكون عليه ، ولا يلزمه أداؤه لتأجيل ، أو نحوه ، وظاهر كما قاله البلقيني أن هذا لا يأتي في الدعوى بعين بل يحلف فيها على ما يليق بها ، وكذا نحو الإبراء كما يأتي ، وأنه لا بد أن يتعرض مع الثبوت ، ولزوم التسليم إلى أنه لا يعلم أن في شهوده قادحا في الشهادة مطلقا ، أو بالنسبة للغائب كفسق ، وعداوة ، وتهمة بناء على الأصح أن المدعى عليه لو كان حاضرا ، وطلب تحليف المدعي  على ذلك أجيب ، ولا يبطل الحق بتأخير هذه اليمين ، ولا ترتد بالرد ؛ لأنها ليست مكملة للحجة ، وإنما هي شرط للحكم ، ولو ثبت الحق ، وحلف ثم نقل إلى حاكم آخر ليحكم به لم تجب إعادتها على الأوجه أما إذا كان له وكيل حاضر [ ص: 167 ] فهل يتوقف التحليف على طلبه ، وجهان ، وقضية كلامهما توقفه عليه ، واعتمده ابن الرفعة ، واستشكله في التوشيح بأنه إذا كان له وكيل حاضر لم يكن قضاء على غائب ، ولم تجب يمين جزما ، وفيه نظر ؛ ولأن العبرة في الخصومات في نحو اليمين بالموكل لا الوكيل فهو قضاء على غائب بالنسبة لليمين ، ويؤيد ذلك قول البلقيني للقاضي سماع الدعوى على غائب ، وإن حضر وكيله  لوجود الغيبة المسوغة للحكم عليه ، والقضاء إنما يقع عليه أي : في الحقيقة ، أو بالنسبة لليمين ، فالحاصل أن الدعوى إن سمعت على الوكيل توجه الحكم إليه دون موكله إلا بالنسبة لليمين احتياطا لحق الموكل ، وإن لم تسمع عليه توجه الحكم إلى الغائب من كل وجه في اليمين ، وغيرها ( تنبيه )

                                                                                      علم من كلام البلقيني أن القاضي فيمن له وكيل حاضر مخير بين سماع الدعوى على الوكيل ، وسماعها على الغائب  إذا وجدت شروط القضاء عليه ، ولا يتعين عليه أحد هذين ؛ لأن كلا منهما يتوصل به إلى الحق فإن لم توجد شروط القضاء على الغائب فالذي يظهر وجوب سماعها على الوكيل حينئذ لئلا يضيع حق المدعي ، وخرج بقوله : إن الحق ثابت في ذمته ما لو لم يكن كذلك كدعوى قن عتقا ، أو امرأة طلاقا على غائب ، وشهدت البينة حسبة على إقراره به [ ص: 168 ] فلا يحتاج لليمين إذا لاحظ جهة الحسبة ، وبه أفتى ابن الصلاح في العتق ، وألحق به الأذرعي الطلاق ، ونحوه من حقوق الله تعالى المتعلقة بشخص معين بخلاف ما لو ادعى عليه بنحو بيع ، وأقام بينة به ، أو بالإقرار به ، وطلب الحكم بثبوته  فإنه يجيبه لذلك خلافا لما وقع في الجواهر ، وحينئذ يجب أن يحلف خوفا من مفسد قارن العقد ، أو طرو مزيل له ، ويكفي أنه الآن مستحق لما ادعاه ( وقيل : يستحب ) التحليف ؛ لأنه يمكنه التدارك إن كان له دافع ، ويقع أن الحاضر بالبلد يوكل من يدعي على الغائب حتى ينفي عنه يمين الاستظهار أخذا من ظواهر عبارات تقتضي ذلك ، وليس بصواب ، بل المجزوم به في كلام الأصحاب أنه لا بد من حلف الموكل ، وتلك العبارات محمولة على وكيل الغائب أي : إلى محل تسمع عليه الدعوى فيه لا مطلقا كما هو ظاهر ، وسكتوا عن التصريح بذلك لوضوحه ( تنبيه )

                                                                                      ادعى على غائب بنحو طلاق كأن علقه بمضي شهر فمضى  حكم به ، ولا ينتظر ، وإن احتمل أن تخلفه بعذر كما مر مبسوطا أواخر الطلاق ، وظاهر كلام السبكي وجوب يمين الاستظهار حتى في الطلاق أي : إذا لم يلاحظ فيه الحسبة فإنه أفتى فيمن قال : إن مضت مدة كذا ، ولم أدخل بها فهي طالق فانقضت المدة ، وهو غائب بأنه إن شهد أربع نسوة ببكارتها ، وحلفت على عدم الدخول لأجل غيبته حكم بوقوع الطلاق فقوله : وحلفت بالواو لا بأو خلافا لما وقع في نسخ تحريفا ، وتعليله بقوله : لأجل غيبته صريح في أنها يمين استظهار ، وقد يجمع بأن الأول في بينة شهادة بإقراره فهو المقصر به فلم يحتج للاستظهار في حقه [ ص: 169 ] وهذا في بينة شاهدة بفعله ، وهو لضعف دلالته يحتاج لمقو فوجبت هذا ، والأوجه إطلاق وجوبها ؛ لأنه الأنسب بالاحتياط المبني عليه أمر الغائب ، وظاهر أنه ليس من محل الخلاف ما إذا علق بعدم الإنفاق عليها فتحلف أن نفقتها باقية عليه ما برئ منها بطريق من الطرق ، وأفتى بعضهم بأنه لا يحتاج إليها في قاض جعله الميت ، وصيا ، واعترف عنده بدين عليه لفلان بناء على أن له القضاء بعلمه ، وفيه نظر ، بل لا يصح ؛ لأنه قد يبرئه بعد الوصية فاحتيج ليمين الاستظهار لنفي ذلك ، ونحوه ، وبأنه لو أقر بدين ، وهو مريض ، وأوصى بقضائه ، وفي الورثة يتيم  احتيج ليمين الاستظهار إن مضى بعد الإقرار إمكان أدائه ، وفيه إيهام ، والوجه أخذا مما مر أنه تلزمه يمين بأن الإقرار حق ، وببقاء الدين ، وإن لم يمض مدة إمكان أدائه لاحتمال الإبراء ، أو نحوه ( ، ويجريان ) أي : الوجهان كما قبلهما من الأحكام ( في دعوى على صبي ، ومجنون   ) لا ولي له ، أو له ولي ، ولم يطلب فلا تتوقف اليمين على طلبه ، وميت ليس له ، وارث خاص حاضر كالغائب ، بل ، أولى لعجزهم عن التدارك فإذا كملا ، أو قدم الغائب فهم على حجتهم أما من له وارث خاص حاضر كامل فلا بد في تحليف خصمه بعد البينة من طلبه [ ص: 170 ] والفرق بينه ، وبين ما مر في الولي ظاهر ، ومن ثم لو كان على الميت دين مستغرق  لم يتوقف على طلبه إلا إن حضر معه كل الغرماء ، وسكتوا نعم إن سكت عن طلبها لجهل عرفه الحاكم فإن لم يطلبها قضى عليه بدونها ، وخرج بمن ذكر متعزز ، ومتوار فيقضى عليهما بلا يمين كما يأتي لتقصيرهما

                                                                                      التالي السابق



                                                                                      الخدمات العلمية