ص: ( أو رفع نية نهارا ) ش: يعني بعد أن أصبح صائما، فأحرى إذا أصبح ناويا للفطر وسواء استمر [ ص: 434 ] بعد ذلك على نية الفطر، أو نوى الصوم نهارا قبل أن يأكل، وصرح بذلك جميعه في المدونة، ويؤخذ حكمه من كلام المصنف. وقال ابن عرفة : وفي إصباحه ينوي الفطر، قول ابن القاسم مع مالك، وأشهب مع روايتي أبي الفرج، وفيها: لو أصبح ينوي الفطر، ثم نوى الصوم قبل طلوع الشمس كفر. أشهب: لا كفارة. الصقلي: لعله فيمن صام بعضه؛ إذ لا ترتفع نيته إلا بفعل.
ولو كان أول صومه كفر اتفاقا. وفيها الشك في قول مالك : بكفارة من نوى الفطر بعد الصبح. ابن القاسم : أحب إلي أن يكفر. سحنون : لا كفارة، وقضاؤه مستحب. فخرجهما عياض على صحة رفضه وامتناعه. الشيخ عن ابن حبيب : من نوى الفطر بعد الفجر نهاره لم يفطر بالنية، انتهى.
( فرع ) : لا كفارة على من ارتد في نهار رمضان. ذكره في المعونة . وفي العمدة مختصرة المعونة : والردة مبطلة، ولا يلزم قضاء ما أفطره فيها إذا أسلم كالكافر الأصلي، انتهى.
ص: ( أو أكلا أو شربا ) ش: انظر ما مراده بالأكل: هل هو الأكل المعتاد؟ فلا تلزم الكفارة بالحصا والتراب ونحوه. أو مراده ما قدم أنه يقع به الإفطار فيعم ذلك الجميع؟
قال ابن الحاجب في كلامه على الكفارة: وفي نحو التراب وفلقة الطعام على تفريع الإفطار قولان. قال ابن عبد السلام : الأقرب سقوط الكفارة، انتهى.
والظاهر من كلام المصنف وقوع الفطر بذلك؛ لأنه مشى على ما اختاره اللخمي . والذي اختاره هو قول عبد الملك بن الماجشون، وهو يرى الكفارة في ذلك في العمد.
ونص اللخمي في باب ما يقع به الفطر: واختلف في الحصى والدرهم. فقال ابن الماجشون في المبسوط : له حكم الطعام فعليه في السهو القضاء، وفي العمد القضاء والكفارة. وقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب : لا قضاء عليه إلا أن يكون متعمدا، فيقضي لتهاونه . والأول أشبه؛ لأن الحصى يشغل المعدة إشغالا وينقص من كلب الجوع، انتهى.
ص: ( بإطعام ستين مسكينا ) ش: ولو أطعم مسكينا واحدا ستين يوما لم يجزه.
فإن قيل: المقصود سد ستين خلة، وهو حاصل، فلم لا يجزئ؟ قيل: المقصود سد خلة ستين ؛ لأنه أبلغ في الأجر، ولتوقع أن يكون فيهم ولي مقبول الدعاء. نقله القرافي .
( فائدة ) : وقع في الموطأ في حديث عطاء الخراساني في حديث المجامع في رمضان [ ص: 435 ] بعد ذكر الرقبة: " هل تستطيع بدنة ؟ قال: لا " . قال في التمهيد : وهذا غير محفوظ في الأحاديث المسندة الصحاح، ولا مدخل للبدنة في كفارة الوطء في رمضان عند جمهور العلماء. وذكر البدنة هو الذي أنكر على عطاء ، ثم قال: ولا نعلم أحدا كان يفتي به إلا الحسن البصري ، فإنه كان يقول: إذا لم يجد المجامع في رمضان عامدا رقبة، أهدى بدنة إلى مكة، انتهى مختصرا.
ص: ( لكل مد ) ش: قال ابن عرفة أشهب : المد أحب إلي من الغذاء والعشاء. ونقله في الشامل بلفظ: إن شاء .
( تنبيهات ) :
الأول: فلو أطعم ثلاثين : مدين مدين في يوم أو أكثر لم يجزه حتى يطعم ثلاثين آخرين، انتهى من الذخيرة، وهو مذهب المدونة .
أبو الحسن : وله أن يسترجع ثلاثين مدا من المساكين، ويعطيها غيرهم، فإن فوتوها لم يكن له عليهم رجوع، كمن عوض من صدقة ظانا لزومها، انتهى.
الثاني: قال ابن عرفة : اللخمي صنفها ككفارة اليمين. قال ابن عرفة : وفي كون إطعام الكفارة لأيام من رمضان واحد كيمين واحدة، لا يأخذ منها المسكين الواحد إلا ليوم واحد. أو أيامه كأيمان يجزيه أخذه لليومين نظر، وهذا أبين. وقول الجلاب : لو أطعم ستين لإحدى كفارتيه، ثم أطعمهم في اليوم الثاني للأخرى أجزأه؛ مفهومه لو أطعمهم عنها في يوم واحد لم يجزه، وفيه نظر، انتهى.
الثالث: قال ابن الحاجب وغيره: وتتعدد بتعدد الأيام، ولا تتعدد في اليوم الواحد قبل التكفير اتفاقا، ولا بعده على الأصح المعروف من المذهب. وقاله في التوضيح . وقال ابن عرفة : وتتعدد بتعدد أيام موجبها ولو قبل إخراجها، لا بتعدد موجبها قبله اتفاقا، وبعده نقلا. ابن بشير عن المتأخرين، انتهى والله أعلم.
ص: ( وهو الأفضل ) ش: قال ابن يونس : وإن كان حرا مالك التصرف، ويكفر العبد والأمة بالصيام إلا أن يضر ذلك بالسيد، فيبقى دينا عليهما إلا أن يأذن السيد في الإطعام. ونقله المصنف في التوضيح .
وإذا فعل السفيه موجب الكفارة، وقلنا: إنها على التخيير، كما هو المشهور، أمره وليه بالصيام لحفظ ماله، وإن لم يقدر عليه وأبى، كفر عنه وليه بالأقل من العتق والطعام. عبد الحق : ويحتمل أن تبقى في ذمته إذا أبى من الصوم. قال: وهو الأبين، انتهى من التوضيح .
( تنبيه ) : قال ابن عرفة الباجي : أفتى متأخرو أصحابنا بالإطعام في الشدة، والعتق في الرخاء. وأبو إبراهيم : بصوم ذي سعة.
وبادر يحيى بن يحيى الأمير عبد الرحمن حين سأل الفقهاء عن وطء جارية له في رمضان بكفارته بصومه، فسكت حاضروه. ثم سألوه: لم لم تخيره في أحد الثلاثة؟ فقال: لو خيرته وطىء كل يوم وأعتق. فلم ينكروه.
عياض : وحكاه فخر الدين عن بعضهم. وتعقبه بأنه مما ظهر من الشرع إلغاؤه واتفق العلماء على إبطاله.
( قلت ) : وتأول بعضهم أن المفتي بذلك رأى الأمير فقيرا، ما بيده إنما هو للمسلمين.
( قلت ) : ولا يرد هذا بتعليل المفتي بذلك بما ذكر؛ لأنه لا ينافيه، والتصريح به موحش، انتهى.
وقال القرافي في شرح المحصول للفخر : هذا المثال قد يتحيل فيه أنه ليس مما أبطله الشرع؛ لأجل قيام الفرق بين الملوك وغيرهم، وأن الشرع إنما شرع الكفارة زجرا، والملوك لا تنزجر بالإعتاق، فتعين ما هو زجر في حقهم، فهذا نوع من النظر [ ص: 436 ] المصلحي الذي لا تأباه القواعد، انتهى.
ص: ( وعن أمة وطئها، أو زوجة أكرهها ) ش: إنما قال في الأمة وطئها، والزوجة أكرهها؛ لينبه على أن طوع الأمة كالإكراه، فإذا وطئها وجبت عليه الكفارة، سواء كانت طائعة أو مكرهة، بخلاف الزوجة فإنما يكفر عنها إذا كانت مكرهة.
وما ذكره في الأمة هو الذي ذكره في النوادر . قال في التوضيح : وقال في النوادر : قال بعض أصحابنا: إن وطىء أمة كفر عنها، وإن طاوعته؛ لأن طوعها كالإكراه للرق، ولذلك لا تحد المستحقة، وإن كانت تعلم أن واطئها غير مالك. قال ابن يونس : إلا أن تطلبه هي بذلك وتسأله فيه، فيلزم الأمة الكفارة، وتحد المستحقة، إن لم تعذر بجهل، انتهى.
وينبغي أن يلحق بالسؤال ما إذا تزينت، ولم أر في كتاب الأصحاب خلاف ما نقله الشيخ أبو محمد، انتهى كلام التوضيح .
( فرع ) : فإن أعتقها قبل أن يكفر عنها، فالإطعام عنها لازم له، انتهى من أبي الحسن الكبير عن ابن يونس، وانظر تخصيصه التكفير عنها حينئذ بالإطعام، والظاهر أنه لا مفهوم له، وإنما ذكره لأنه الأخف غالبا، وإلا فحين صارت حرة فيصح التكفير عنها بالعتق، والله أعلم.
( فرع ) : قال في النوادر : وإن فعل العبد ذلك بمن يلزمه أن يكفر عنه فهي جناية، إما أن يسلمه السيد فيها، أو يفديه بالأقل من ذلك، أو من قيمته. ولو طلبت المفعول بها أخذ ذلك وتصوم عن نفسها لم يجزها وإن رضي السيد بذلك؛ لأنه لم يجب لها، فيصير ثمنها للصيام، والصيام لا ثمن له، انتهى.
وقال في التوضيح : وإن أكره العبد زوجته، فقال ابن شعبان : هو جناية إن شاء السيد أسلمه، أو افتكه بأقل القيمتين من الرقبة أو الطعام. وليس لها أن تأخذ ذلك وتكفر بالصيام؛ إذ لا ثمن له.
ابن محرز : ومعنى قول ابن شعبان : الرقبة التي يكفر بها لا رقبة العبد الجاني، وهو خلاف ما حكاه أبو محمد في نوادره . وهو أشبه بالأصول مما حكاه أبو محمد . ويحتمل عندي أن يفتديه السيد بالأكثر من الأمرين؛ لأن المرأة مخيرة فيما تكفر به، وهذا الوجه أقوى عندي من الأول، إلا أنه لاحظ في الأول كون المكفر إنما يكفر بأخف الكفارات لا بأثقلها، انتهى بمعناه.
خليل : وقوله: خلاف ما حكاه أبو محمد إلخ، يريد لأن عبارة الشيخ أبي محمد : يفديه بالأقل من ذلك أو من قيمته، فهذا يقتضي قيمة العبد وليس حكم الجناية المتعلقة برقبة العبد كهذا، بل يفتكه بأرش الجناية، أو يسلمه. وعلى هذا ففي نقل أبي محمد نظر. فاعلمه، انتهى كلام التوضيح .
( قلت ) : وليس ما قالاه متعينا في كلام الشيخ أبي محمد، بل يمكن حمله على خلاف ما قالا، بأن يكون قوله : من ذلك- راجعا إلى ما يكفر به وهو الرقبة والطعام، ويكون الضمير في رقبته راجعا إلى ذلك. والمعنى: أنه يخير بين أن يسلمه أو يفتكه بالأقل من الرقبة والطعام أو قيمة الرقبة والطعام، والله أعلم.
وقوله: المرأة مخيرة- يعني: فيما إذا كانت تكفر عن نفسها، وأما إذا كفر الزوج فالخيار له، ولهذا إنما يرجع بالأقل. وإنما أراد أن يبين أنه كان ينبغي أن يلاحظ أكثر القيمتين لكون المرأة لو كفرت عن نفسها كانت مخيرة. فتأمله، والله أعلم.
وظاهر كلام النوادر : أنه لو أكره أمة فالحكم كالزوجة، بل صريحه، وهو ظاهر، والله أعلم.
( فرع ) : قال أبو الحسن في الكبير : قال ابن محرز : وإذا أكره المرأة على الوطء رجلان، فالكفارة على الأول منهما دون الثاني؛ وذلك أن الثاني لم يفسد صومها، ولا أوجب عليها بوطئه ما لم يكن واجبا، [ ص: 437 ] انتهى.
ص: ( وفي تكفيره عنها إن أكرهها على القبلة حتى أنزلا تأويلان ) ش: قال في التوضيح : اختلف في الذي يقبل امرأته مكرهة حتى ينزلا. فقال ابن القاسم : يكفر عن نفسه فقط، وعليها القضاء. وقال الشيخ أبو محمد وحمديس : ويكفر عنها، وكل أول المدونة: على ما ذهب إليه، ورجح مذهب ابن أبي زيد؛ لأن الانتهاك من الرجال خاصة، انتهى.
ص: ( وفي تكفير مكره رجل ليجامع قولان ) ش: ابن عبد السلام : الأقرب السقوط؛ لأنه متسبب، والمكره مباشر.
ويظهر من كلامه في التوضيح : أنه لا كفارة على المكره - بكسر الراء - عند الأكثر. ولكن أول كلامه يقتضي أن ذلك إنما هو في حق المكره - بفتح الراء -.
( تنبيه ) : وهذا الخلاف إنما يتفرع على القول بسقوطها عن المكره - بفتح الراء - وقال في التوضيح : المشهور أنه لا تجب عليه كفارة.
قال في التنبيهات: واختلف في الرجل المكره على الوطء. فقيل: عليه الكفارة، وهو قول عبد الملك ، وأكثر أقوال أصحابنا: إنه لا كفارة عليه، ولا خلاف أن عليه القضاء، والخلاف في حده، والأكثر على إيجاب الحد، انتهى من شرح قول ابن الحاجب : فلا كفارة في الإكراه.
وقال ابن عرفة : وفي الرجل المكره على الوطء قولان لها، ولابن الماجشون .
عياض: ورواه ابن نافع : وتبع المصنف رحمه الله في نقل القولين في المكره ابن الحاجب . وقد قال ابن عرفة : ونقل ابن الحاجب وجوبها على مكره رجل على وطء، لا أعرفه إلا من قول ابن حبيب في النائم، وقول اللخمي انتهاك صوم غيره كنفسه، انتهى.
فعلى هذا يكون المكره - بكسر الراء - لا خلاف في سقوط الكفارة عنه، وإنما الخلاف في المكره، فعليه ينبغي أن يقرأ مكره في قول المصنف: وفي تكفير مكره رجل - بفتح الراء يعني الذي أكرهه رجل - على الوطء. وفيه تكلف جدا، والله أعلم.
( فرع ) : قال ابن عرفة : ولا تجب الكفارة على مكره على أكل أو شرب أو امرأة على وطء، انتهى.
( مسألة ) : قال عبد الحق عن أبي عمران ، فيمن غرر رجلا وقال له: لم يطلع الفجر وجعل يأكل: إنه لا كفارة على الغار؛ لأنه غرور بالقول، قال: ولو أطعمه بيده لقمة وجعل الطعام في فيه فهاهنا يكفر عنه؛ لأنه غرور بالفعل، ولا كفارة على الآكل؛ لأنه غير منتهك إذا لم يعلم أنه كذب وغره، انتهى من المسائل الملقوطة. قال: نقله من خط القاضي جمال الدين الأقفهسي .


