الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                                            ( 7870 ) مَسْأَلَةٌ ; قَالَ : وَإِنْ وَلَدَتْ ، ذَبَحَ وَلَدَهَا مَعَهَا وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا عَيَّنَ أُضْحِيَّةً فَوَلَدَتْ فَوَلَدُهَا تَابِعٌ لَهَا ، حُكْمُهُ حُكْمُهَا ، سَوَاءٌ كَانَ حَمْلًا حِينَ التَّعْيِينِ أَوْ حَدَثَ بَعْدَهُ . وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، لَا يَذْبَحُهُ ، وَيَدْفَعُهُ إلَى الْمَسَاكِينِ حَيًّا ، وَإِنْ ذَبَحَهُ ، دَفَعَهُ إلَيْهِمْ مَذْبُوحًا ، وَأَرْشَ مَا نَقَصَهُ الذَّبْحُ ; لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهَا ، فَلَزِمَهُ دَفْعُهُ إلَيْهِمْ عَلَى صِفَتِهِ ، كَصُوفِهَا وَشَعْرِهَا . وَلَنَا ، أَنَّ اسْتِحْقَاقَ وَلَدِهَا حُكْمٌ يَثْبُتُ لِلْوَلَدِ بِطَرِيقِ السِّرَايَةِ مِنْ الْأُمِّ ، فَيَثْبُتُ لَهُ مَا يَثْبُتُ لَهَا ، كَوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةِ . إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَذْبَحُهُ كَمَا يَذْبَحُهَا ; لِأَنَّهُ صَارَ أُضْحِيَّةً عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ لِأُمِّهِ ، وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَلَا تَأْخِيرُهُ عَنْ أَيَّامِهِ ، كَأُمِّهِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنِّي اشْتَرَيْت هَذِهِ الْبَقَرَةَ لِأُضَحِّيَ بِهَا ، وَإِنَّهَا وَضَعَتْ هَذَا الْعِجْلَ ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ : لَا تَحْلُبْهَا إلَّا فَضْلًا عَنْ تَيْسِيرِ وَلَدِهَا ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَضْحَى ، فَاذْبَحْهَا وَوَلَدَهَا عَنْ سَبْعَةٍ . رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ زُهَيْرٍ الْعَبْسِيِّ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَذْفٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ( 7871 ) فَصْلٌ : وَلَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا إلَّا الْفَاضِلَ عَنْ وَلَدِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ شَيْءٌ ، أَوَكَانَ الْحَلْبُ يَضُرُّ بِهَا ، أَوْ يُنْقِصُ لَحْمَهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، فَلَهُ أَخْذُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ . وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْلُبُهَا ، وَيَرُشُّ عَلَى الضَّرْعِ الْمَاءَ حَتَّى يَنْقَطِعَ اللَّبَنُ ، فَإِنْ احْتَلَبَهَا ، تَصَدَّقَ ، بِهِ ; لِأَنَّ اللَّبَنَ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ لِلْمُضَحِّي الِانْتِفَاعُ بِهِ ، كَالْوَلَدِ وَلَنَا ، قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَحْلُبُهَا إلَّا فَضْلًا عَنْ تَيْسِيرِ وَلَدِهَا . وَلِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ لَا يَضُرُّهَا ، فَأَشْبَهُ الرُّكُوبَ ، يُفَارِقُ الْوَلَدَ ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ إيصَالُهُ إلَى مَحَلِّهِ ، أَمَّا اللَّبَنُ ، فَإِنْ حَلَبَهُ وَتَرَكَهُ فَسَدَ ، وَإِنْ لَمْ يَحْلُبْهُ ، تَعَقَّدَ الضَّرْعُ ، وَأَضَرَّ بِهَا ، فَجُوِّزَ لَهُ شُرْبُهُ ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ كَانَ أَفْضَلَ . وَإِنْ احْتَلَبَ مَا يَضُرُّ بِهَا أَوْ بِوَلَدِهَا ، لَمْ يَجُزْ لَهُ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ . فَإِنْ قِيلَ : فَصُوفُهَا شَعْرُهَا ، وَوَبَرُهَا إذَا جَزَّهُ ، تَصَدَّقَ بِهِ ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ ، فَلِمَ أَجَزْتُمْ لَهُ الِانْتِفَاعَ بِاللَّبَنِ ؟ قُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا : أَنَّ لَبَنَهَا يَتَوَلَّدُ مِنْ غِذَائِهَا وَعَلَفِهَا ، وَهُوَ الْقَائِمُ بِهِ ، فَجَازَ صَرْفُهُ إلَيْهِ ، كَمَا أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إذَا عَلَفَ الرَّهْنَ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْلُبَ ، وَيَرْكَبَ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الصُّوفَ وَلَا الشَّعْرَ . الثَّانِي ، أَنَّ الصُّوفَ وَالشَّعْرَ يُنْتَفَعُ بِهِ عَلَى الدَّوَامِ ، فَجَرَى مَجْرَى جِلْدِهَا وَأَجْزَائِهَا ، وَاللَّبَنُ يُشْرَبُ وَيُؤْكَلُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَجَرَى مَجْرَى مَنَافِعِهَا وَرُكُوبِهَا ، وَلِأَنَّ اللَّبَنَ يَتَجَدَّدُ كُلَّ يَوْمٍ ، وَالصُّوفُ وَالشَّعْرُ عَيْنٌ مَوْجُودَةٌ دَائِمَةٌ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ . ( 7872 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا صُوفُهَا ، فَإِنْ كَانَ جَزُّهُ أَنْفَعَ لَهَا ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ فِي زَمَنِ الرَّبِيعِ ، تَخِفُّ بِجَزِّهِ وَتَسْمَنُ ، جَازَ جَزُّهُ ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِهَا ; لِقُرْبِ مُدَّةِ الذَّبْحِ أَوْ كَانَ بَقَاؤُهُ أَنْفَعَ لَهَا ; لِكَوْنِهِ يَقِيهَا الْحَرَّ وَالْبَرْدَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ بَعْضِ أَجْزَائِهَا .

                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                            الخدمات العلمية