الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              [ ص: 218 ] قال المصنف - رحمه الله تعالى - باب الإحرام وما يحرم فيه ( إذا أراد أن يحرم فالمستحب  أن يغتسل ، لما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل للإحرام } وإن كانت امرأة حائضا أو نفساء اغتسلت للإحرام ، لما روى ، القاسم بن محمد { أن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء فذكر ذلك أبو بكر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مروها فلتغتسل ثم لتهل } ولأنه غسل يراد به النسك فاستوى فيه الحائض والطاهر ، ومن لم يجد الماء تيمم لأنه غسل مشروع فانتقل فيه إلى التيمم عند عدم الماء كغسل الجنابة ، قال في الأم : ويغتسل لسبعة مواطن : للإحرام ودخول مكة والوقوف بعرفة والوقوف بالمزدلفة ولرمي الجمرات الثلاث ; لأن هذه المواضع تجتمع لها الناس فاستحب لها الاغتسال ، ولا يغتسل لرمي جمرة العقبة ; لأن وقته من نصف الليل إلى آخر النهار ، فلا يجتمع له الناس في وقت واحد ، وأضاف إليها في القديم الغسل لطواف الزيارة وطواف الوداع ; لأن الناس يجتمعون لهما ولم يستحبه في الجديد ; ولأن وقتهما متسع فلا يتفق اجتماع الناس فيهما ) .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              ( الثانية ) إذا عجز المحرم عن الغسل تيمم ، هكذا نص عليه الشافعي في الأم ، وقطع به الأصحاب في جميع الطرق إلا أن الرافعي قال : يتيمم العاجز . قال : وقد ذكرنا في غسل الجمعة احتمالا لإمام الحرمين أنه لا يتيمم ، قال : وذلك لاحتمال جار هنا ، والمذهب ما سبق ، وهذا الذي ذكرته من أنه يتيمم إذا عجز عن الغسل أحسن وأعم من عبارة المصنف ومن وافقه في قولهم : إن لم يجد الماء يتيمم لأن العجز يعم عدم الماء والخوف من استعماله وغير ذلك ، والحكم في الجميع واحد .

                                                                                                                              ( وأما ) إذا وجد من الماء ما لا يكفيه للغسل فقد قال المحاملي في كتبه الثلاثة المجموع والتجريد والمقنع ، والبغوي والرافعي : يتوضأ به ، وهذا الذي قالوه إن أرادوا به أنه يتوضأ مع التيمم فحسن ، وإن أرادوا أنه يقتصر على الوضوء فليس بمعول ، ولا يوافقون عليه ، لأن التيمم يقوم مقام الغسل عند العجز عن الماء ، ولا يقوم الوضوء مقام الغسل ، ولا يرد هذا على الجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يجامع فإنه يستحب له الوضوء ولا يستحب له التيمم ; لأن الجنب الذي فيه الكلام واجد لما يكفيه لغسله ، ولا يفيده التيمم شيئا ، ولا يصح للقدرة على الماء ويفيده الوضوء في رفع الحدث عن أعضائه فاستحب له ، وفي مسألة المحرم هو عادم لما يكفيه لغسله فنظيره من الجنب أن يكون عادما لما يكفيه من الماء ، فإنه يتيمم مع الوضوء أو يتيمم من غير وضوء ، على القولين المعروفين في باب التيمم .



                                                                                                                              ( الثالثة ) قال المصنف : قال الشافعي رحمه الله في الأم : يغتسل [ ص: 222 ] المحرم لسبعة مواطن : للإحرام ، ودخول مكة ، والوقوف بمزدلفة ، ولرمي الجمرات الثلاث ; لأن هذه المواضع يجتمع لها الناس ويستحب لها الاغتسال ، وهذا النص الذي نقله عن الأم كذا هو في الأم ، وكذا نقله أصحابنا عن الأم ، ونقله بعضهم عن نصوصه قديما وجديدا . وليس هذا التعليل في الأم - أعني قوله : لأن هذه المواطن يجتمع لها الناس - بل هو من عند المصنف والأصحاب ، وإنما استدل الشافعي - رحمه الله - في الأم في ذلك بآثار ذكرها ، قال في الأم عقب ذكره هذه المواضع : وأستحب الغسل بين هذه المواضع عند تغير البدن بالعرق وغيره تنظيفا للبدن ، قال : فلذلك أحبه للحائض ، قال : وليس واحد من هذا واجبا والله أعلم .

                                                                                                                              وقوله : ( للوقوف بمزدلفة ) يعني الوقوف على المشعر الحرام وهو قزح ، وذلك الوقوف يكون بعد صلاة الصبح يوم النحر كما سيأتي بيانه في بابه إن شاء الله - تعالى - ، وهكذا قال جماهير الأصحاب في هذا الغسل : إنه للوقوف بالمزدلفة ونقله عن الأم ، وكذا رأيته في الأم صريحا وخالفهم المحاملي في كتبه الثلاثة المجموع والتجريد والمقنع وأبو الفتح سليم الرازي في الكفاية ، والشيخ نصر المقدسي في الكافي ، فقالوا : الغسل للمبيت بالمزدلفة ، ولم يذكروا الغسل للوقوف بالمزدلفة ، بل جعلوا الغسل السابع هو الغسل للمبيت بها ، والصواب الأول ; لأن المبيت بها ليس فيه اجتماع فلا يحتاج إلى غسل ، بخلاف الوقوف ، فالصواب أن الغسل السابع الوقوف بالمزدلفة ، وأنه لا يشرع للمبيت بها ، وقولهم ( لرمي الجمرات الثلاث ) يعنون الجمرات في أيام التشريق يغتسل في كل يوم من الأيام الثلاثة غسلا واحدا لرمي الجمرات ولا يغتسل لكل جمرة في انفرادها ، هذا الذي ذكرناه من الأغسال المستحبة في الحج سبعة فقط هو نصه في الجديد ، وأضاف إليها في القديم استحبابه لطواف الزيارة وطواف الوداع ، هكذا نقله الأصحاب عن القديم . [ ص: 223 ] ولم يذكر المصنف والشيخ أبو حامد وجمهور الأصحاب في الطريقتين عن القديم أنه أضاف إلى هذين الغسلين ، وزاد القاضي أبو الطيب في تعليقه والرافعي عن القديم غسلا ثالثا ، وهو الغسل للحلق ، واتفقت نصوصه وطرق الأصحاب على أنه لا يستحب الغسل لرمي جمرة العقبة يوم النحر ، وقد ذكر المصنف دليله والله أعلم .




                                                                                                                              الخدمات العلمية