الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      قال المصنف رحمه الله تعالى ( ولا يجوز صوم يوم الشك   ; لما روي عن عمار رضي الله عنه أنه قال : { من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم } فإن صام يوم الشك عن رمضان لم يصح ، لقوله صلى الله عليه وسلم : { ولا تستقبلوا الشهر استقبالا } ولأنه يدخل في العبادة وهو في شك من وقتها فلم يصح كما لو دخل في الظهر وهو يشك في وقتها ، وإن صام فيه عن فرض عليه كره وأجزأه ، كما لو صلى في دار مغصوبة ، وإن صام عن تطوع نظرت - فإن لم يصمه بما قبله ولا وافق عادة له - لم يصح ; لأن الصوم قربة - فلم يصح بقصد معصية ، وإن وافق عادة جاز ; لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق صوما كان يصومه أحدكم } وإن وصله بما قبل النصف جاز ، وإن وصله بما بعده لم يجز ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا انتصف شعبان فلا صيام حتى يكون رمضان } ) .

                                      التالي السابق


                                      ثم قال الخطيب : أجمع علماء السلف على أن صوم يوم الشك ليس بواجب ، وهو إذا كانت السماء مغيمة في آخر اليوم التاسع والعشرين من شعبان ، ولم يشهد عدل برؤية الهلال ، فيوم الثلاثين يوم الشك ، فكره جمهور العلماء صيامه إلا أن يكون له عادة بصوم فيصومه عن عادته ، أو كان يسرد الصوم فيأتي ذلك في صيامه فيصومه ، قال : فممن منع صوم يوم الشك عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وابن عمر وابن عباس وأنس وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وعائشة ، وتابعهم من التابعين سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وأبو وائل وعبد الله بن عكيم الجهني وعكرمة والشعبي والحسن وابن سيرين والمسيب بن رافع وعمر بن عبد العزيز ومسلم بن يسار وأبو السوار العدوي وقتادة والضحاك بن قيس وإبراهيم النخعي ، وتابعهم من الخالفين والفقهاء المجتهدين ابن جريج والأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق بن راهويه . [ ص: 468 ] وقال مالك وأبو حنيفة : لا يجوز عن رمضان ويجوز تطوعا .

                                      ( وأما ) أحمد بن حنبل فروي عنه كمذهب الجماعة أنه لا يجب صومه ، ولا يستحب ، وروي عنه متابعة الإمام في صومه وفطره ، وروي عنه أنه إن كان غيم صامه وإلا أفطره . قال الخطيب : وزعم المخالف أن الرواية التي عليها التعويل عنده عن أحمد وجوب صوم يوم الشك عن أول يوم من رمضان ، وأراه عول على قول العامة : خالف تعرف ، واحتج لقوله بما سنذكره إن شاء الله تعالى ، فمن ذلك حديث ابن عمر السابق { صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له } قال الخطيب : قال المخالف : ودلالته من وجهين فذكر الوجهين السابقين في كلام الفراء ، ومختصرهما أن ابن عمر كان يصوم يوم ليلة الغيم ، وهو الراوي ، فاعتماده أولى ( والثاني ) أن معنى " اقدروا له " ضيقوا شعبان بصوم رمضان . قال الخطيب : أما حديث ابن عمر فاختلفت الروايات عنه اختلافا يئول إلى أن يكون حجة لنا ، فإن بعض الرواة قال في حديثه عنه : " فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما " ثم روى " عنه فأكملوا العدة ثلاثين " وفي رواية عنه " فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين " ثم ذكر الخطيب بأسانيده من طرق جميع هذه الألفاظ ، وقد سبق بيانها وأنها صحيحة ، ثم قال الخطيب : لقد ثبت برواية ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ما فسر المجمل ، وأوضح المشكل وأبطل شبهة المخالف ، وكشف عوار تأويله الفاسد ، لأن قوله صلى الله عليه وسلم " فاقدروا له " مجمل فسره برواية " فعدوا له ثلاثين يوما " و " فأكملوا العدة له ثلاثين " و " فاقدروا له ثلاثين " مع موافقة أبي هريرة ابن عمر على روايته مثل هذه الألفاظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر الخطيب رواية أبي هريرة من طريقين في بعضها " { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين } وفي الثانية " فإن غم عليكم فاقدروا له " .

                                      قال الخطيب : وأما تعلق المخالف بما روي عن ابن عمر أنه كان يصوم إذا غم الهلال ، فقد روي أنه كان يفعل ويفتي بخلاف ذلك ، وفتياه أصح من فعله يعني لتطرق التأويل إلى فعله ، ثم روى الخطيب [ ص: 469 ] بإسناده عن عبد العزيز بن حكيم قال : " سألوا ابن عمر فقالوا " نسبق قبل رمضان حتى لا يفوتنا منه شيء ، فقال ابن عمر : أف أف ، صوموا مع الجماعة ، وأفطروا مع الجماعة " إسناده صحيح إلا عبد العزيز بن حكيم ، فقال يحيى بن معين : هو ثقة ، وقال أبو حاتم : ليس بقوي يكتب حديثه ، وعن ابن عمر قال : " لا أتقدم قبل الإمام ولا أصله بصيام " . وعن عبد العزيز بن حكيم قال : " ذكر عند ابن عمر يوم الشك فقال : لو صمت السنة كلها لأفطرته " قال الخطيب : وهذا هو الأشبه بابن عمر لأنه لا يجوز الظن به أنه خالف النبي صلى الله عليه وسلم وترك قوله الذي رواه هو وغيره من العمل بالرؤية أو إكمال العدة فيجب أن يحمل ما روي عن ابن عمر من صوم يوم الشك على أنه كان يصبح ممسكا حتى يتبين بعد ارتفاع النهار هل تقوم بينة بالرؤية فظن الراوي أنه كان صائما ويدل عليه أنه كان لا يحتسب به ولا يفطر إلا مع الناس ويدل عليه أيضا قوله : " لا أتقدم قبل الإمام " وقوله : " لو صمت السنة لأفطرته " يعني يوم الشك .

                                      قال الخطيب : وهذا تصريح منه بأنه كان لا يعتقد الصيام في ذلك . وإنما كان ممسكا .

                                      ( فإن قيل ) فما الفائدة في إمساكه بلا نية للصوم لأنه لو ثبت كونه من رمضان لم يجزه ( قلنا ) فائدته تعظيم حرمة رمضان ، وكيف يظن بابن عمر مخالفة السنة وهو المجتهد في اقتفاء آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء بأفعاله ، وطريقة ابن عمر في ذلك مشهورة محفوظة قال الخطيب : وقد تأول المخالف قول ابن عمر " لو صمت السنة لأفطرت يوم الشك " على أن معناه لم أصمه [ ص: 470 ] تطوعا وإن تطوعت بجميع السنة قال : ويحتمل أن يكون يوم الشك في الصحو ، قال : وهكذا قوله " صوموا مع الجماعة " المراد مع الصحو . قال الخطيب : وهذا تأويل باطل ; لأن المفهوم من هذا الكلام في اللغة والعرف أنه لا يصومه بحال . وكذا المعروف عندهم من يوم الشك إنما هو مع وجود السحاب لا مع الصحو ، مع أن ما تأوله على ابن عمر لو لم يكن له وجه إلا ما قاله لم يكن فيه حجة لثبوت السنن الراتبة الصريحة ، بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما ادعى المخالف ، ولا يجوز تركها لفعل ابن عمر ولا غيره .

                                      ثم روى بإسناده عن ابن عباس قال : " ليس أحد من الناس إلا يؤخذ من قوله ويترك غير النبي صلى الله عليه وسلم قال الخطيب : وقد جعل المخالف العلة في تفسير الحديث المجمل الذي رواه ابن عمر مجرد فعله مع احتماله غير ما ذهب إليه ، وكان يلزمه ترك رأيه والأخذ بحديث ابن عباس ، ثم ذكره بإسناده عن ابن عباس قال : { تمارى الناس في رؤية هلال رمضان فقال بعضهم : اليوم وقال بعضهم : غدا فجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أنه رآه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا فنادى في الناس : صوموا ، ثم قال : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ثم صوموا ، ولا تصوموا قبله يوما } . قال الخطيب : وهذا الحديث أولى أن يأخذ به المخالف من حديث ابن عمر ، لما فيه من البيان الشافي باللفظ الواضح الذي لا يحتمل التأويل ، ولأن ابن عباس ساق السبب الذي خرج الكلام عليه قال الخطيب : والمراد في رؤية الهلال إنما يقع إذا كان في السماء غيم ، فلو كان الحكم ما ادعاه المخالف لأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالصوم من غير شهادة الأعرابي على الرؤية . قال الخطيب : وقد روي عن عبد الله بن جراد العقيلي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا فيه كفاية عما سواه فذكر بإسناد عنه ، ثم قال : " { أصبحنا يوم الاثنين صياما وكان الشهر قد أغمي علينا . [ ص: 471 ] فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فأصبناه مفطرا فقلنا : يا نبي الله ، صمنا اليوم ، فقال : أفطروا إلا أن يكون رجل يصوم هذا اليوم فليتم صومه ، لأن أفطر يوما من رمضان متماريا فيه أحب إلي من أن أصوم يوما من شعبان ليس منه } يعني ليس من رمضان . قال الخطيب : وأما ما ذكره المخالف أنه حجة له من جهة الاستنباط . وقوله : إن معنى " اقدروا له " ضيقوا شعبان لصوم رمضان فهو خطأ واضح ; لأن معناه اقدروا شعبان ثلاثين يوما ثم صوموا في الحادي والثلاثين ، وقدرت الشيء وقدرته - بتخفيف الدال وتشديدها - بمعنى واحد بإجماع أهل اللغة . ومنه قوله تعالى { فقدرنا فنعم القادرون } ثم روى الخطيب بإسناده عن يحيى بن زكريا الفراء الإمام المشهور قال في قوله تعالى { فقدرنا فنعم القادرون } ذكر عن علي وأبي عبد الرحمن السلمي أنهما شددا وخففها الأعمش وعاصم .

                                      قال الفراء : ولا يبعد أن يكون معناهما واحدا ; لأن العرب قد تقول : قدر عليه الموت ، وقدر عليه الموت وقدر عليه رزقه ، وقدر عليه رزقه . بالتخفيف والتشديد . ثم روى الخطيب عن ابن قتيبة التشديد والتخفيف ، ثم عن ابن عباس ومقاتل بن سليمان ، وكان أوحد وقته في التفسير . ثم الفراء ثم ثعلب : إنهم قالوا في تفسير قوله تعالى { فظن أن لن نقدر عليه } معناه أن لن نقدر عليه عقوبة . قال : وكذلك قاله غيره من النحاة . فهذا قول أئمة اللغة على أن في الحديث ما لا يحتاج معه غيره في وضوح الحجة وإسقاط الشبهة ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم " فاقدروا له ثلاثين " أي فعدوا له ثلاثين ، وهو بمعنى عدوا ، وكله راجع إلى معنى قوله صلى الله عليه وسلم " فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " قال الخطيب : قال المخالف : وليس في قوله صلى الله عليه وسلم " فاقدروا له " ما يدل على وجوب تقدير شعبان بثلاثين ، إذ ليس تقديره بثلاثين أولى من تقديره بتسعة وعشرين ، لأن كل واحد من العددين يكون قدرا للشهر { لقوله صلى الله عليه وسلم حين نزل من الغرفة وقد آلى شهرا فنزل لتسع وعشرين : إن الشهر تسع وعشرون } وعن ابن مسعود " ما صمنا تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين " . [ ص: 472 ] قال الخطيب : ما أعظم غفلة هذا الرجل ، ومن الذي نازعه في أن الشهر تارة يكون تسعا وعشرين وتارة يكون ثلاثين ، وأي حجة له في ذلك . وقوله : ليس التقدير بثلاثين أولى من التقدير بتسع وعشرين باطل ومحال ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على تقديره في هذه الحالة بتمام العدد والكمال . وهو قوله صلى الله عليه وسلم : " فاقدروا له ثلاثين " قال الله تعالى : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } قال الخطيب : قال المخالف ( فإن قيل ) لم كان حمله على تسع وعشرين أولى من حمله على ثلاثين ؟ ( قلنا ) لوجوه : ( أحدها ) أنه تأويل ابن عمر الراوي ، وهو أعرف .

                                      ( والثاني ) أنه مشهور في كتاب الله تعالى في غير موضع .

                                      ( الثالث ) أن فيه احتياطا للصوم . قال الخطيب : أما تأويل ابن عمر فقد ذكرنا ما يفسده من معارضة ابن عباس له بالرواية التي لا تحتمل تأويلا . وذكرنا عن ابن عمر من الروايات ما يوجب تأويل فعله على غير ما ذهب إليه المخالف ، وكذلك تفسير ما ادعاه من الآيات فلا حاجة إلى إعادته . وأما قوله : " إن فيه احتياطا " فالاحتياط في اتباع السنن والاقتداء بها ، دون الاعتراض عليها بالآراء ، والحمل لها على الأهواء ، ومنزلة من زاد في الشرع كمنزلة من نقص ، لا فرق بينهما . قال الخطيب : قال المخالف : ( فإن قيل ) قد روى مسلم " فاقدروا له ثلاثين " من رواية ابن عمر ، ( قلنا ) هذا التفسير ليس بصريح لاحتمال رجوعه إلى هلال شوال . قال الخطيب : لا يجوز لأحد أن ينزل الكلام عن أصله الموضوع وظاهره المستعمل المعروف ، ويعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل ، وحقيقة قوله صلى الله عليه وسلم : { فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين } راجع إلى الغيم في ابتداء الصوم وفي انتهائه ، وقد بين النص ما اقتضاه ظاهر هذا اللفظ وعمومه وحقيقته وهو قوله صلى الله عليه وسلم [ ص: 473 ] في حديث ابن عباس { : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حال بينكم وبينه غمامة أو ضبابة فأكملوا شعبان ثلاثين ، ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان } ، وعن ابن عباس أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم : { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ثم صوموا ولا تصوموا قبله بيوم } وفي رواية عنه { فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين } وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين } رواه البخاري في صحيحه .

                                      قال الخطيب : واستدل المخالف على أن قوله صلى الله عليه وسلم : " { فإن غم عليكم فاقدروا له } " راجع إلى غم هلال شوال بحديث أبي هريرة الآخر { فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا } قال الخطيب : وليس في هذا أكثر من بيان حكم غم الهلال آخر الشهر وأنه يجب إكمال عدة الصوم ، ونحن قائلون به . فأما بيان حكم غمه في أول رمضان فمستفاد من الأحاديث السابقة ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم { فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ثم صوموا } وفي الرواية الأخرى { فعدوا شعبان وفي الأخرى فعدوا ثلاثين يوما ثم صوموا } وحديث عائشة رضي الله عنها : " { كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام } . قال الخطيب . قال المخالف : هذه الألفاظ محمولة على ما إذا غم هلال رمضان فإنا نعد شعبان تسعة وعشرين يوما ثم نصوم ثلاثين يوما ، فإن حال دون مطلع هلال شوال ليلة الحادي والثلاثين غيم ، عددنا حينئذ شعبان ثلاثين . ثم نعد رمضان ثلاثين ونصوم يوما آخر فيكون إحدى وثلاثين . قال الخطيب : من خلت يداه من الدليل وعدل عن نهج السبيل لجأ إلى مثل هذا التأويل ومع كونه إحدى العظائم والكبر ، وأعجب ما وقف عليه أهل النظر ، فإن صاحبه لم يسنده إلى أصل يرده إليه ، ولا أورد أمرا يحتمل أن يقفه عليه ، ولو جاز تخصيص الحديث [ ص: 474 ] العام بغير دليل لبطلت الأخبار ، ولم يثبت حكم بظاهر ، وتعلق كل مبطل بمثل هذه العلة ولئن ساغ للمخالف هذا التأويل الباطل ليسوغن لغلاة الرافضة الذين يسبقون الناس في الفطر والصوم أن يتأولوا قوله صلى الله عليه وسلم : " { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته } أن المراد تقدم الصيام للرؤية وتقدم الفطر للرؤية . قال الخطيب : ومخالفنا يعلم فساد هذا التأويل الذي قاله ، فقال له : أسمعت هذا التأويل عن أحد ؟ فإن زعمه فليأت بخبر واحد يتضمنه ، وأن أحدا من السلف كان إذا غم عليه هلال شوال استأنف عدد شعبان ، فإن لم يجده في خبر ولا أثر ، وهيهات أن يجده ، فليعلم أن ما تأوله خلاف الصواب ، فالحق أحق أن يتبع ، ( فإن قال ) استخرجته بنظري ، ( قلنا ) الاستخراج لا يكون إلا من أصل ولا سبيل لك إليه .

                                      قال الخطيب : وزعم المخالف أن إجماع الصحابة في هذه المسألة على وفق مذهبه ، وهذه دعوى منه ليس عليها برهان . ولا يعجز كل من غلب هواه على شيء أن يدعي إجماع الصحابة عليه . قال الخطيب : وأنا أذكر هنا ما ثبت عند أهل النقل في ذلك عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء الخالفين ، فأما الرواية عن عمر بن الخطاب فرواها بإسناده عن عبد الله بن عكيم أنه كان يخطب الناس كلما أقبل رمضان ويقول في خطبته : ألا ولا يتقدمن الشهر منكم أحد ، يقولها ثلاثا ، وفي الرواية أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد المجندة " صوموا لرؤية الهلال وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ثم صوموا وأفطروا ، وبإسناده عن الإمام أحمد بن حنبل قال : كان عثمان لا يجيز شهادة الواحد في رؤية الهلال على رمضان ، فقلت له من ذكره ؟ قال ابن جريج عن عمرو بن دينار ، قلت له : من ذكر عن ابن جريج ؟ قال : عبد الرزاق وروح . قال الخطيب : فإذا لم يقبل عثمان شهادة الواحد ، فالغيم أولى أن لا يعتمده . [ ص: 475 ] وعن مجالد عن الشعبي عن علي أنه كان يخطب إذا حضر رمضان ويقول في خطبته : " لا تقدموا الشهر . إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن غم عليكم فأكملوا العدة " وكان يقول ذلك بعد صلاة الفجر وصلاة العصر وعن مجالد عن الشعبي " أن عمر وعليا كانا ينهيان عن صوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان " قلت : مجالد ضعيف ، والله أعلم .

                                      قال الخطيب : واحتج المخالف بخبر يروى عن علي أنه قال : " أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان " قال الخطيب : ولا حجة فيه ، لأن عليا كان لا يقبل شهادة العدل الواحد في الصوم ، ثم روى بإسناده عن علي أنه كان يقبل شهادة رجلين لهلال رمضان ، ثم رأى علي قبول شهادة واحد ، ثم روى عن فاطمة بنت الحسين أن رجلا شهد عند علي على رؤية هلال رمضان ، فصام وقال : " أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان " فصيام علي رضي الله عنه كان بشهادة الرجل الواحد بعد أن كان لا يقبل شهادة الواحد ، فلما بلغه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في قبول الواحد صار إليه . قال الخطيب : ويدل على أن عليا كان لا يصوم إلا للرؤية أو اكتمال العدد لشعبان ما أخبرناه أحمد وذكر إسناده إلى الوليد بن عتبة قال : " صمنا على عهد علي رضي الله عنه ثمانية وعشرين يوما ، فأمرنا علي بقضاء يوم " . قال الخطيب : وكان شهر رمضان تلك السنة تسعة وعشرين يوما ، وشعبان تسعة وعشرين وغم الهلال في آخر شعبان ، فأكمل علي والناس العدد لشعبان ثلاثين ، وصاموا فرأوا الهلال عشية اليوم الثامن والعشرين من الصوم ولو كان علي يقول في الصوم كقول المخالف من اعتماد الغيم لم ير الناس الهلال بعد صوم ثمانية وعشرين يوما .

                                      ( وأما ) ابن مسعود فروى عنه الخطيب بإسناده " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين " وفي رواية عنه " لأن [ ص: 476 ] أفطر يوما من رمضان ثم أقضيه أحب إلي من أن أزيد فيه يوما ليس منه وعن صلة قال { كنا عند عمار في اليوم الذي يشك فيه من رمضان فأتى بشاة فتنحى بعض القوم فقال عمار : من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم } : وعن حذيفة " أنه كان ينهى عن صوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان " وعن ابن عباس قال : " لا تصلوا رمضان بشيء ، ولا تقدموه بيوم ولا يومين " وعنه " من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى الله ورسوله " وعن أبي هريرة " إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة ثلاثين " .

                                      قال الخطيب : وأما ما رويناه عن معاوية بن صالح عن أبي مريم قال : " سمعت أبا هريرة يقول : لأن أتقدم في رمضان أحب إلي من أن أتأخر ; لأني إن تقدمت لم يفتني " فرواية ضعيفة لا تحفظ إلا من هذا الوجه ، وأبو مريم مجهول فلا يعارض بروايته ما نقله الحفاظ من أصحاب أبي هريرة عنه ، قال الخطيب : ومما تعلق به المخالف ما رواه يحيى بن أبي إسحاق قال : رأيت هلال الفطر إما عند الظهر أو قريبا منها ، فأفطر ناس فأتينا أنسا فأخبرناه فقال : " هذا يوم يكمل إلى أحد وثلاثين يوما ، لأن الحكم بن أيوب أرسل إلي قبل صيام الناس أني صائم غدا فكرهت الخلاف عليه فصمت ، وأنا متم يومي هذا إلى الليل " قال الخطيب : قال المخالف : ولا يتقدم أنس على صوم الجماعة إلا بصوم يوم الشك . قال الخطيب : فيقال له : قد قال أنس : إنه لم يصمه معتقدا وجوبه وإنما تابع الحكم بن أيوب وكان هو الأمير على الإمساك فيه ، ولعل الأمير عزم عليه في ذلك فكره مخالفته ، والمحفوظ عن [ ص: 477 ] أنس أنه أفطر يوم الشك ، كذا روى عنه محمد بن سيرين وحسبك به فهما وعقلا وصدقا وفضلا ، ومن ذلك عن عائشة : " لأن أصوم يوما من شعبان أحب لي من أن أفطر يوما من رمضان " قال الخطيب : أرادت عائشة صوم الشك إذا شهد برؤية الهلال عدل ، فيجب صومه ، ولو كان قد شهد بباطل في نفس الأمر وأرادت بقولها مخالفة من شرط لصوم رمضان شاهدين ، والدليل على هذا أن مسروقا روى عنها النهي عن صوم يوم الشك ، ثم رواه الخطيب بإسناده ، ومن ذلك عن أسماء بنت أبي بكر " أنها كانت إذا غم الهلال تقدمته وصامت ، وتأمر بذلك " . قال الخطيب : ليس في هذا أكثر من تقدمها بالصوم ، ويحتمل أنه تطوع لا واجب وإذا احتمل ذلك لم يكن للمخالف فيه حجة ، مع أن الحجة إنما هي في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله .

                                      قال الخطيب : ومما جاء عن التابعين فيه ما رويناه - فذكر بإسناده عن عكرمة " { من صام يوم الشك فقد عصى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر رجلا أن يفطر بعد الظهر } .



                                      وعن القاسم بن محمد : " لا تصم اليوم الذي تشك فيه إذا كان فيه سحاب " وفي رواية عنه " لا بأس بصومه إلا أن يغم الهلال " . وعن الشعبي أنه سئل عن اليوم الذي يقول الناس : إنه من رمضان ؟ قال : " لا يصم إلا مع الإمام " وفي رواية " عنه لو صمت السنة كلها ما صمت يوم الشك " وعن الضحاك بن قيس " لو صمت السنة كلها ما صمت يوم الشك " وعن إبراهيم قال : ما من يوم أبغض إلي من أن أصومه من اليوم الذي يقال : إنه من رمضان ، وعن إبراهيم وأبي وائل والشعبي والمسيب بن رافع أنهم كانوا يكرهون صوم اليوم الذي يقال : إنه من رمضان ، وعن الحسن البصري قال : لأن أفطر يوما من رمضان لا أتعمده أحب إلي من أن أصوم يوما من شعبان أصل به رمضان أتعمده ، وعن الحسن وابن سيرين أنهما كرها صوم يوم الشك . قال الخطيب : وذكر المخالف شبها من القياس ، ولم يختلف من اعتمد الآثار من العلماء أن كل قياس ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نص يخالفه فهو باطل ، ويحرم العمل به ، وقد قال أبو حنيفة [ ص: 478 ] وهو إمام أهل العراق مع توسعه في القضاء بالقياس : البول في المسجد أحسن من بعض القياس ، وهذا صحيح ، وهو إذا قابل القياس نص يخالفه ، أو كان فاسدا لنقص ، أو معارضة الفرع للأصل ، كقياس المخالف وجوب صوم يوم الشك على من نسي صلاة من صلوات يوم ، فهذا قياس باطل لثبوت النص بخلافه ; ولأن الصلاة لم تجب بالشك ، بل لأنا تيقنا شغل ذمته بكل صلاة ، وشككنا في براءته منها والأصل بقاؤها بخلاف الصوم ولا طريق به إلى الصلاة المنسية إلا بفعل الجميع ، وإنما نظير مسألة يوم الشك أن يشك هل دخل وقت الصلاة أم لا ؟ فلا تلزمه الصلاة بالاتفاق ، بل لو صلى شاكا فيه لم تصح صلاته ، قال المخالف : وقياس آخر وهو القياس على ما إذا غم الهلال في آخر رمضان فإنه يجب صوم ذلك اليوم .

                                      قال الخطيب : ليس بهذا المخالف من الغباوة ما ينتهي إلى هذه المقالة لكنه ألزم نفسه أمرا ألجأه إليها ، وكيف استجاز أن يقول : يوم الشك أحد طرفي الشهر مع أن هذا الوصف لا يلزمه ولا يسلم له ؟ ( فإن قال ) بنيته على أصل ، قيل له : وهو مخالف للنص فيجب اطراحه ، ويقال له : إن قلت : يوم الشك أحد طرفي رمضان فأت بحجة على ذلك وهيهات السبيل إلى ذلك ، ( وإن قلت ) الشك أحد طرفي شعبان ، ( قيل ) أصبت ، ولا يجب صوم شعبان ، ( ثم يقال ) الأصل بقاء شعبان فلا يزول بالشك . قال الخطيب : قال المخالف : ولا يمتنع ترك الأصل للاحتياط كما في مسألة من نسي صلاة من الخمس ، وكما لو شك ماسح الخف في انقضاء مدته فلا يمسح ، ولو شكت المستحاضة في انقطاع الحيض تلزمها الصلاة ، قال الخطيب : أما مسألة الصلاة فسبق جوابها ( وأما ) ماسح الخف فشرط مسحه بقاء المدة فإذا شك فيها رجع إلى الأصل ، وهو غسل الرجلين ( وأما ) المستحاضة فسقطت عنها الصلاة بسبب الحيض ، فإذا شكت فيه رجعت إلى الأصل ، ومقتضى هذا في مسألتنا أن لا يجب صوم يوم الشك ، لأن الأصل بقاء شعبان ، هذا آخر كلام الخطيب رحمه الله تعالى .




                                      الخدمات العلمية