الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              قال المصنف رحمه الله تعالى ( ولا يجوز صوم يوم الشك   ; لما روي عن عمار رضي الله عنه أنه قال : { من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم } فإن صام يوم الشك عن رمضان لم يصح ، لقوله صلى الله عليه وسلم : { ولا تستقبلوا الشهر استقبالا } ولأنه يدخل في العبادة وهو في شك من وقتها فلم يصح كما لو دخل في الظهر وهو يشك في وقتها ، وإن صام فيه عن فرض عليه كره وأجزأه ، كما لو صلى في دار مغصوبة ، وإن صام عن تطوع نظرت - فإن لم يصمه بما قبله ولا وافق عادة له - لم يصح ; لأن الصوم قربة - فلم يصح بقصد معصية ، وإن وافق عادة جاز ; لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق صوما كان يصومه أحدكم } وإن وصله بما قبل النصف جاز ، وإن وصله بما بعده لم يجز ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا انتصف شعبان فلا صيام حتى يكون رمضان } ) .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              ( الشرح ) حديث عمار رواه أبو داود والترمذي وقال : هو حديث حسن صحيح . وأما حديث : { لا تستقبلوا الشهر } فصحيح رواه النسائي من رواية ابن عباس بإسناد صحيح وسبق بيانه في أوائل كتاب الصيام في وجوب صوم رمضان برؤية الهلال . وأما حديث أبي هريرة { لا تقدموا الشهر } فرواه البخاري ومسلم ، وحديثه الآخر { إذا انتصف شعبان فلا صيام } رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم . قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح ولم يضعفه أبو داود في سننه بل رواه وسكت عليه . وحكى البيهقي عن أبي داود أنه قال : قال أحمد بن حنبل : هذا حديث منكر قال : وكان عبد الرحمن لا يحدث به - يعني عبد الرحمن بن مهدي - وذكر النسائي عن أحمد بن حنبل هذا الكلام ، قال أحمد : " والعلاء بن عبد الرحمن [ ص: 453 ] ثقة لا ينكر من حديثه إلا هذا الحديث " قال النسائي : ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث غير العلاء .

                                                                                                                              ( أما حكم المسألة ) فقال أصحابنا : لا يصح صوم يوم الشك عن رمضان بلا خلاف لما ذكره المصنف ، فإن صامه عن قضاء أو نذر أو كفارة أجزأه وفي كراهته وجهان . قال القاضي أبو الطيب : يكره وبه قطع المصنف ، ونقله صاحب الحاوي عن مذهب الشافعي ( والثاني ) لا يكره ، وبه قطع الدارمي وهو مقتضى كلام المتولي والجمهور واختاره ابن الصباغ وغيره قال ابن الصباغ في الشامل : قال القاضي أبو الطيب : يكره ويجزئه ، قال : ولم أر ذلك لغيره من أصحابنا ، قال : وهو مخالف للقياس ; لأنه إذا جاز أن يصوم فيه تطوعا له سبب فالفرض أولى ، كالوقت الذي نهي عن الصلاة فيه ، ولأنه إذا كان عليه قضاء يوم من رمضان ، فقد تعين عليه ; لأن وقت قضائه قد ضاق . وأما إذا صامه تطوعا فإن كان له سبب بأن كان عادته صوم الدهر أو صوم يوم وفطر يوم أو صوم يوم معين كيوم الاثنين فصادفه جاز صومه بلا خلاف بين أصحابنا . وبهذه المسألة احتج ابن الصباغ في المسألة السابقة كما سبق .

                                                                                                                              ودليله حديث أبي هريرة الذي ذكره المصنف ، وإن لم يكن له سبب فصومه حرام ، وقد ذكر المصنف دليله ، فإن خالف ; وصام أثم بذلك . وفي صحة صومه وجهان مشهوران في طريقة خراسان ( أصحهما ) بطلانه ، وبه قطع القاضي أبو الطيب والمصنف وغيرهما من العراقيين ( والثاني ) يصح ، وبه قطع الدارمي وصححه السرخسي ; لأنه صالح للصوم في الجملة بخلاف صوم العيد . قال الخراسانيون : وهذان الوجهان كالوجهين في صحة الصلاة ، المنهي عنها في وقت النهي ، قالوا : ولو نذر صومه ففي صحة نذره وجهان بناء على صحة صومه إن صح صح ، وإلا فلا . قالوا : فإن صححناه فليصم يوما غيره فإن صامه أجزأه عن نذره . هذا كله إذا لم يصل يوم الشك بما قبل نصف شعبان ، فأما إذا وصله بما قبله فيجوز بالاتفاق ; لما ذكره المصنف ، فإن وصله بما بعد نصف شعبان لم يجزه ; لما ذكره المصنف ، أما إذا صام بعد نصف شعبان غير يوم الشك ففيه وجهان ( أصحهما ) وبه قطع المصنف وغيره [ ص: 454 ] ومن المحققين لا يجوز للحديث السابق ( والثاني ) يجوز ولا يكره ، وبه قطع المتولي وأشار المصنف في التنبيه إلى اختياره ، وأجاب المتولي عن الحديث السابق " { إذا انتصف شعبان فلا صيام حتى يكون رمضان } بجوابين : ( أحدهما ) أن هذا الحديث ليس بثابت عند أهل الحديث .

                                                                                                                              ( والثاني ) أنه محمول على من يخاف الضعف بالصوم فيؤمر بالفطر حتى يقوى لصوم رمضان ، والصحيح ما قاله المصنف وموافقوه ، والجوابان اللذان ذكرهما المتولي ينازع فيهما .

                                                                                                                              ( فرع ) قال أصحابنا : يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا وقع في ألسنة الناس أنه رئي ولم يقل عدل : إنه رآه أو قاله ، وقلنا : لا تقبل شهادة الواحد ، أو قاله عدد من النساء أو الصبيان أو العبيد أو الفساق . وهذا الحد لا خلاف فيه عند أصحابنا . قالوا : فأما إذا لم يتحدث برؤيته أحد فليس بيوم شك ، سواء أكانت السماء مصحية أو أطبق الغيم ، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور ، وحكى الرافعي وجها عن أبي محمد البافي - بالموحدة وبالفاء - وإن كانت السماء مصحية - ولم ير الهلال فهو شك - وحكى أيضا وجها آخر عن أبي طاهر الزيادي من أصحابنا أن يوم الشك ما تردد بين [ ص: 455 ] الجائزين من غير ترجيح فإن شهد عبد أو صبي أو امرأة فقد ترجح أحد الجانبين فليس بشك ، ولو كان في السماء قطع سحاب يمكن رؤية الهلال من خلالها ، ويمكن أن يخفى تحتها ولم يتحدث برؤيته فوجهان ، قال الشيخ أبو محمد : وهو يوم الشك ، وقال غيره : ليس بيوم شك وهو أصح ، وقال إمام الحرمين : إن كانوا في سفر ولم تبعد رؤية أهل القرى فيحتمل جعله يوم شك ، هذا كلامه . فرع في مذاهب العلماء في صوم يوم الشك .

                                                                                                                              قد ذكرنا أنه لا يصح صومه بنية رمضان عندنا ، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وعلي وابن عباس وابن مسعود وعمار وحذيفة وأنس وأبي هريرة وأبي وائل وعكرمة وابن المسيب والشعبي والنخعي وابن جريج والأوزاعي قال : وقال مالك : سمعت أهل العلم ينهون عنه . هذا كلام ابن المنذر ، وممن قال به أيضا عثمان بن عفان وداود الظاهري قال ابن المنذر : وبه أقول ، وقالت عائشة وأختها أسماء : نصومه من رمضان وكانت عائشة تقول : " لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان " وروي هذا عن علي أيضا . قال العبدري : ولا يصح عنه ، وقال الحسن وابن سيرين : إن صام الإمام صاموا ، وإن أفطر أفطروا ، وقال ابن عمر وأحمد بن حنبل : إن كانت السماء مصحية لم يجز صومه ، وإن كانت مغيمة وجب صومه عن رمضان .

                                                                                                                              وعن أحمد روايتان كمذهبنا ومذهب الجمهور ، وعنه رواية ثالثة كمذهب الحسن هذا بيان مذاهبهم في صوم يوم الشك عن رمضان ، فلو صامه تطوعا بلا عادة ولا وصلة فقد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يجوز ، وبه قال الجمهور ، وحكاه العبدري عن عثمان وعلي وعبد الله بن مسعود . [ ص: 456 ] وحذيفة وعمار وابن عباس وأبي هريرة وأنس والأوزاعي ومحمد بن مسلمة المالكي وداود ، وقال أبو حنيفة لا يكره صومه تطوعا ويحرم صومه عن رمضان . واحتج لمن قال بصومه عن رمضان بقوله صلى الله عليه وسلم : { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له } رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عمر ، وزعموا أن معناه ضيقوا عدة شعبان بصوم رمضان ، وبأن عائشة وأسماء وابن عمر كانوا يصومونه ، فروى البيهقي عن عائشة أنها سئلت عن صوم يوم الشك فقالت : " لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان " وعنأسماء " أنها كانت تصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان " عن أبي هريرة " لأن أصوم اليوم الذي يشك فيه من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان " .

                                                                                                                              قال البيهقي : ورواية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن تقدم الشهر بصوم إلا أن يوافق صوما كان يصومه أصح من هذا ، قال البيهقي : وأما قول علي رضي الله عنه في ذلك ، فإنما قاله عند شهادة رجل على رواية الهلال فلا حجة فيه . قال : وأما مذهب ابن عمر في ذلك فقد روينا عنه أنه قال : " لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه " وفي رواية عن عبد العزيز بن حكيم الحضرمي قال : رأيت ابن عمر يأمر رجلا بفطر في اليوم الذي يشك فيه " قال : ورواية يزيد بن هارون تدل على أن مذهب عائشة في ذلك كمذهب ابن عمر في الصوم إذا غم الشهر دون أن يكون صحوا . قال البيهقي ، ومتابعة السنة الثابتة وما عليه أكثر الصحابة وعوام أهل المدينة أولى بنا وهو منع صوم يوم الشك . هذا كلام البيهقي . واحتج أصحابنا بحديث ابن عمر قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { إذا رأيتموه فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن غم عليكم فاقدروا له } رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لهما عن ابن عمر " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الشهر تسع وعشرون ليلة ، فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين } وفي رواية لمسلم " { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان [ ص: 457 ] فضرب بيديه فقال : الشهر هكذا وهكذا ، ثم عقد إبهامه في الثالثة وقال : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين } وفي رواية لأبي داود بإسناد صحيح زيادة قال : " وكان ابن عمر إذا كان شعبان تسعا وعشرين نظر له فإن رئي فذاك ، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قترة أصبح مفطرا ، فإن حال دون منظره سحاب أو قترة أصبح صائما قال : وكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب " .

                                                                                                                              وعن أبي هريرة قال : " قال النبي صلى الله عليه وسلم : { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين } رواه البخاري ، وعنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما } رواه مسلم ، وفي رواية له : { فإن غم عليكم فأكملوا العدة } وفي رواية { فإن غم عليكم الشهر فعدوا ثلاثين } وفي المسألة أحاديث كثيرة بمعنى ما ذكرناه ، قال أهل اللغة : يقال : قدرت الشيء أقدره وأقدره - بضم الدال وكسرها - وقدرته وأقدرته بمعنى واحد ، وهو من التقدير قال الخطابي : ومنه قوله تعالى { فقدرنا فنعم القادرون } واحتج أصحابنا بالرواية السابقة " فأكملوا العدة ثلاثين " وهو تفسير ل " اقدروا له " ولهذا لم يجتمعا في رواية ، بل تارة يذكر هذا ، وتارة يذكر هذا وتؤيده الرواية السابقة " فاقدروا ثلاثين " قال الإمام أبو عبد الله الماوردي : حمل جمهور الفقهاء قوله صلى الله عليه وسلم " فاقدروا له " على أن المراد إكمال العدة ثلاثين ، كما فسره في حديث آخر ، قالوا : ويوضحه ويقطع كل احتمال وتأويل فيه رواية البخاري " فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما " وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم } رواه البخاري ومسلم . وعن أبي البختري قال : " { أهللنا رمضان ونحن بذات عرق فأرسلنا رجلا إلى ابن عباس [ ص: 458 ] يسأله فقال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله قد أمده لرؤيته فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة } رواه مسلم .

                                                                                                                              وعن ابن عباس أيضا قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " { لا تصوموا قبل رمضان صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن حالت دونه غمامة فأكملوا شعبان ثلاثين يوما } رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ، وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم { صوموا لرؤيته ، فإن حال بينكم وبينه سحاب فكملوا ثلاثين ولا تستقبلوا الشهر استقبالا } رواه النسائي بإسناد صحيح ، وعنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين إلا أن يكون شيء كان يصومه أحدكم ، لا تصوموا حتى تروه ، ثم صوموا حتى تروه ، فإن حالت دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين ثم أفطروا } . وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أحصوا هلال شعبان لرمضان } رواه الترمذي ، وعن مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح عن يحيى بن يحيى عن أبي معاوية بإسناده الصحيح قال : لا نعرف مثل هذا إلا من حديث أبي معاوية قال : والصحيح رواية أبي هريرة السابقة " { لا تقدموا شهر رمضان بيوم ولا يومين } هذا كلام الترمذي ، وهذا الذي قاله ليس بقادح في الحديث ، لأن أبا معاوية ثقة حافظ ، فزيادته مقبولة .

                                                                                                                              وعن عائشة قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان ، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام } رواه الإمام أحمد وأبو داود والدارقطني وقال : إسناده صحيح .

                                                                                                                              وعن حذيفة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة } رواه أبو داود والنسائي بإسناد على شرط البخاري ومسلم . وعن عمار قال : { من صام اليوم الذي يشك فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم } رواه أبو داود والنسائي والترمذي ، وقال حديث حسن صحيح والأحاديث بنحو ما ذكرته كثيرة مشهورة ، والجواب عما احتج به المخالفون سبق بيانه ، والله أعلم .



                                                                                                                              [ ص: 459 ] فرع ) اعلم أن القاضي أبا يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن الفراء الحنبلي صنف جزءا في وجوب صوم يوم الشك ، وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون مطلع الهلال غيم ، ثم صنف الخطيب الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي الشافعي جزءا في الرد على ابن الفراء والشناعة عليه في الخطأ في المسألة . ونسبته إلى مخالفة السنة وما عليه جماهير الأمة ، وقد حصل الجزءان عندي ولله الحمد وأنا أذكر إن شاء الله تعالى مقاصدهما ولا أخل بشيء يحتاج إليه مما فيهما مضموما إلى ما قدمته في الفرع قبله ، وبالله التوفيق . قال القاضي ابن الفراء : جاء عن الإمام أحمد رحمه الله فيما إذا حال دون مطلع الهلال غيم ليلة الثلاثين من شعبان ثلاث روايات : ( إحداها ) وجوب صيامه عن رمضان رواها عنه الأثرم والمروزي ومهنا وصالح والفضل بن زياد . قال : وهو قول عمر بن الخطاب وابن عمر وعمر بن عبد العزيز وعمرو بن العاص وأنس ومعاوية وأبي هريرة وعائشة وأسماء وبكر بن عبد الله المزني وأبي عثمان وابن أبي مريم وطاوس ومطرف ومجاهد فهؤلاء ثمانية من الصحابة وسبعة من التابعين .

                                                                                                                              ( والثانية ) لا يجب صومه بل يكره إن لم يوافق عادته . ( والثالثة ) إن صام الإمام صاموا ، وإلا أفطروا ، وبه قال الحسن وابن سيرين قال ابن الفراء : وعلى الرواية الأولى عول شيوخنا أبو القاسم الخرقي وأبو بكر الخلال وأبو بكر عبد العزيز وغيرهم .

                                                                                                                              واحتج بحديث ابن عمر السابق { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له } وقد سبق بيانه وأنه من الصحيحين ، وفي رواية لأبي داود زيادة عن ابن عمر " أنه إذا كان دون منظره سحاب صام " قال : والدلالة في الحديث من وجهين : ( أحدهما ) أن رواية ابن عمر " وكان يصبح في الغيم صائما " ولا يفعل ذلك إلا وهو يعتقد أنه معنى الحديث وتفسيره . قال : فإن [ ص: 460 ] قيل فقد روي عن ابن عمر أنه قال : " لو صمت السنة لأفطرت هذا اليوم - يعني يوم الشك - " وروي عنه " صوموا مع الجماعة وأفطروا مع الجماعة " قلنا : المراد لأفطرت يوم الشك الذي في الصحو ، وكذا الرواية الأخرى عنه ، قال : فإن قيل : يحتمل أنه كان يصبح ممسكا احتياطا لاحتمال قيام بينة في أثناء النهار بأنه من رمضان فنسمي إمساكه صوما ، ( قلنا ) الإمساك ليس بصوم شرعي فلا يصح الحمل عليه ، ولأنه لو كان للاحتياط لأمسك في يوم الصحو لاحتمال قيام بينة بالرؤية .

                                                                                                                              ( الوجه الثاني ) أن معنى " اقدروا له " ضيقوا عدة شعبان بصوم رمضان كما قال الله تعالى { ومن قدر عليه رزقه } أي ضيق عليه رزقه ، قال : وإنما قلنا : إن التضييق بأن يجعل شعبان تسعة وعشرين يوما أولى من جعله ثلاثين لأوجه : ( أحدها ) أنه تأويل ابن عمر راوي الحديث .

                                                                                                                              ( والثاني ) أن هذا المعنى متكرر في القرآن .

                                                                                                                              ( والثالث ) أن فيه احتياطا للصيام فإن قيل : فقد روى مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين } فيحمل المطلق على المقيد ( قلنا ) ليس هذا بصريح ; لأنه يحتمل رجوعه إلى هلال شوال ; لأنه سبقه بقوله " وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم " يعني هلال شوال . فنستعمل اللفظين على موضعين ، وإنما يحمل المطلق على المقيد إذا لم يكن المقيد محتملا ، ويدل عليه رواية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين يوما ثم أفطروا } . ويستنبط من الحديث دليل آخر : وهو أن معناه اقدروا له زمانا يطلع في مثله الهلال ، وهذا الزمان يصلح وجود الهلال فيه ، ولأن في المسألة إجماع الصحابة روي ذلك عن عمر وابنه وأبي هريرة وعمرو بن العاص ومعاوية وأنس وعائشة وأسماء ، ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة . وعن سالم بن عبد الله قال : " كان أبي إذا أشكل عليه شأن الهلال تقدم قبله بصيام يوم . وعن أبي هريرة " لأن أتعجل في صوم [ ص: 461 ] رمضان بيوم أحب إلي من أن أتأخر ; لأني إذا تعجلت لم يفتني وإذا تأخرت فاتني " وعن عمرو بن العاص " أنه كان يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان " وعن معاوية أنه كان يقول : " إن رمضان يوم كذا وكذا ونحن متقدمون ، فمن أحب أن يتقدم فليتقدم ، ولأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان " وعن عائشة وقد سئلت عن اليوم الذي يشك فيه فقالت : " لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان " قال الراوي : " فسألت ابن عمر وأبا هريرة فقالا : أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بذلك منا " وعن أسماء أنها كانت تصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان .

                                                                                                                              قال : فإن قيل : كيف يدعي الإجماع وفي المسألة خلاف ظاهر لصحابة ؟ فقد روى منع صومه عن عمر وعلي وابن مسعود وعمار وحذيفة وابن عباس وأبي سعيد وأنس وعائشة ، ثم ذكر ذلك بأسانيده عنهم من طرق ، وفي الرواية عن علي قال : " { إن نبيكم صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن صيام ستة أيام من السنة يوم الشك والنحر والفطر وأيام التشريق } وعن عمر وعلي " أنهما كانا ينهيان عن صوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان " عن ابن مسعود " لأن أفطر يوما من رمضان ثم أقضيه أحب إلي من أن أزيد فيه ما ليس منه " وعن ابن عباس " لا تصوموا اليوم الذي يشك فيه لا يسبق فيه الإمام " وعن أبي سعيد " إذا رأيت هلال رمضان فصم وإذا لم تره فصم مع جملة الناس وأفطر مع جملة الناس " ونهى حذيفة عن صوم يوم الشك . فهذا كله يخالف ما رويتموه عن الصحابة من صومه .

                                                                                                                              ( قلنا ) يجمع بينهما بأن من نهى عن الصيام أراد إذا كان الشك بلا حائل سحاب ، وكان صيامهم مع وجود الغيم ، ويحتمل أنهم نهوا عن صومه تطوعا وتقدما على الشهر ، ومن صام منهم على أنه من رمضان . قال : ( فإن قيل ) فنحن أيضا نتناول ما رويتموه عن الصحابة أن من صام منهم صام مع وجود شاهد واحد ، وقد روي ذلك . [ ص: 462 ] مسندا عن فاطمة بنت الحسين " أن رجلا شهد عند علي رضي الله عنه برؤية هلال رمضان فصام . وأحسبه قال : وأمر الناس بالصيام . وقال : " لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان ( قلنا ) لا يصح هذا التأويل ; لأنه إذا شهد واحد خرج عن أن يكون من شعبان ، وصار يوما من رمضان يصومه الناس كلهم ، وفيما سبق عن الصحابة أنهم قالوا ( لأن نصوم يوما من شعبان ) وهذا إنما يقال في يوم شك ، ولأن ابن عمر كان ينظر للهلال ، فإن كان هناك غيم أصبح صائما وإلا أفطر ، وهذا يقتضي العمل باجتهاده لا بشهادة ، ولأنه سموه يوم الشك ، ولو كان في الشهادة لم يكن يوم شك .

                                                                                                                              قال : ( فإن قيل ) ليس فيما ذكرتم أنهم كانوا يصومونه من رمضان فلعلهم صاموه تطوعا ، وهذا هو الظاهر ، لأنهم قالوا : لأن نصوم يوما من شعبان " فسموه شعبان ، وشعبان ليس بفرض ، قلنا : هذا لا يصح ; لأن ابن عمر كان يفرق بين الصحو والغيم ; ولأن ظاهر كلامهم أنهم قصدوا الاحتياط لاحتمال كونه من رمضان . وهذا المقصود لا يحصل بنية التطوع ، وإنما يحصل بنية رمضان . ومن القياس أنه يوم يسوغ الاجتهاد في صومه عن رمضان ، فوجب صيامه كما لو شهد بالهلال واحد ، واحترزنا بيسوغ الاجتهاد عن يوم الصحو ، ولهذا يتناول ما أطلقه الصحابة على الصحو ; لأنه روي صريحا عن ابن عمر ، ولأنه عبادة بدنية مقصودة فوجبت مع الشك ، كمن نسي صلاة من صلاتين ، واحترزنا ببدنية عن الزكاة والحج وبمقصوده عمن شك هل أحدث أم لا ؟ فلا شيء عليه في كل ذلك . قال : واحتج المخالف بحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم " { نهى عن صيام ستة أيام ، اليوم الذي يشك فيه من رمضان ، ويوم النحر ، ويوم الفطر ، وأيام التشريق } . وجوابه من وجهين ( أحدهما ) حمله على من صامه تطوعا أو نذرا أو قضاء ( والثاني ) حمله على الشك إذا لم يكن غيم ، قال : واحتج أيضا بحديث حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة قبله ، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة } وجوابه أنه محول على ما إذا لم يكن غيم [ ص: 463 ] واحتج بحديث ابن عباس وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن حال دونه غمامة فأكملوا العدة ثلاثين } .

                                                                                                                              ( جوابه ) أن معناه أكملوا رمضان ، ودليل هذا التأويل أنه جاء في حديث أبي هريرة { فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين } ويعود الضمير في رؤيته إلى هلال شوال ; لأنه أقرب مذكور ، وفي رواية عن أبي هريرة " فأتموا العدة ثلاثين ثم أفطروا " ومثله من رواية ابن عباس ، وهكذا الجواب عن حديث ابن عمر في صحيح مسلم { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين } معناه غم هلال شوال . قال : واحتج بحديث أبي البختري السابق قال : { أهللنا هلال رمضان فشككنا فيه فبعثنا إلى ابن عباس رجلا فقال ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل أمده لرؤيته ، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين } وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين } ( قلنا ) هذا محمول على ما إذا كان الإغمام من الطرفين بأن يغم هلال رمضان فنعد شعبان تسعة وعشرين يوما ثم نصوم ثلاثين ، فيحول دون مطلع هلال شوال غيم ليلة الحادي والثلاثين ، فإنا نعد شعبان من الآن ثلاثين ونعد رمضان ثلاثين ونصوم يوما ، فيصير الصوم واحدا وثلاثين ، كما إذا نسي صلاة من يوم فاتته ، فإنه يلزمه صلوات اليوم . وقد روي عن أنس أنه قال : " هذا اليوم يكمل إلى أحد وثلاثين يوما واحتجوا بحديث حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم " قال : " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فعدوا شعبان ثلاثين ثم صوموا ، فإن غم عليكم فعدوا رمضان ثلاثين ثم أفطروا إلا أن تروه قبل ذلك " جوابه ما سبق قبله أنه محمول على ما إذا كان الإغمام في طرفي رمضان . قال : ( فإن قيل ) هذا التأويل باطل لوجهين : ( أحدهما ) أنه قال : " فعدوا شعبان ثلاثين ثم صوموا " [ ص: 464 ] والصوم إنما هو أول الشهر .

                                                                                                                              ( والثاني ) أنه قال بعد ذلك : " فإن غم عليكم فعدوا رمضان ثلاثين ثم أفطروا " فدل على أن الإغمام في أوله وفي آخره . والذي في أوله يقتضي الاعتداد في أول رمضان . وعلى هذا التأويل يقتضي أن الاعتداد به في آخر رمضان .

                                                                                                                              ( قلنا ) التأويل صحيح ; لأنا نكمل عدة شعبان في آخر رمضان ، ونصوم يوما آخر ، فيكون قوله : " ثم صوموا " راجعا إلى هذا اليوم . وأما قوله بعده : " فإن غم عليكم فعدوا رمضان ثلاثين ثم أفطروا " فمعناه إذا غم في أوله وغم في آخره ليلة الثلاثين من رمضان فإنا نعد شعبان ثلاثين ثم نصوم يوما وهو الحادي والثلاثين من رمضان ثلاثين ، ونصوم يوما آخر فقد حصل العددان أحدهما بعد الآخر ويتخللهما صوم يوم قال : واحتج بأنه لو علق طلاقا أو عتاقا على رمضان لم يقع يوم الشك ، وكذا لا يحل فيه الدين المؤجل إلى رمضان فكذا الصوم .

                                                                                                                              ( وجوابه ) أنا لا نعرف الرواية عن أصحابنا في ذلك ، فيحتمل أن لا نسلم ذلك ونقول : يقع الطلاق والعتق ويحل الدين ، ويحتمل أن نسلمه وهو أشبه ، ونفرق بين المسألة بوجهين : ( أحدهما ) أنه قد يثبت الصوم بما لا يثبت به الطلاق والعتق والحلول وهو شهادة عدل واحد .

                                                                                                                              ( والثاني ) أن في إيقاع الطلاق والعتاق وحلول الدين إسقاط حق ثابت لمعين بالشك ، وهذا لا يجوز بخلاف الصوم فإنه إيجاب عبادة مقصودة على البدن فلا يمتنع وجوبها مع الشك كمن نسي صلاة من الخمس ، وكذا الجواب عن قولهم : إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث لا وضوء عليه للأصل ، ولو شك هل طلق ؟ لا طلاق عليه ، لأن الطلاق والبضع حق له ، فلا يسقطان بالشك ، وكذا الجواب عن قولهم : لو تسحر الرجل وهو شاك في طلوع الفجر صح صومه ; لأن الأصل بقاء الليل ، ولو وقف بعرفات شاكا في طلوع الفجر صح وقوفه ، لأن الأصل بقاء الليل ، والفرق أن البناء على الأصل في هاتين المسألتين لم يسقط العبادة ; لأن الصوم والوقوف وجدا .

                                                                                                                              [ ص: 465 ] وأما ) في مسألتنا فالبناء على الأصل يسقط الصوم ( وجواب ) آخر ، وهو أن طلوع الفجر يخفى على كثير من الناس فلو منعناهم السحور مع الشك لحقتهم المشقة ; لأنه يتكرر ذلك ، وليس كذلك في إلزامهم صوم يوم الشك ، لأنه إنما يجب لعارض يعرض في السماء وهو نادر فلا مشقة فيه ، وكذلك الحج لو منعناهم الوقوف مع الشك لفاتهم ، وفيه مشقة عظيمة قال : واحتج بأنه شك فلا يجب الصوم كالصحو ( وجوابه ) أنه يبطل بآخر رمضان إذا حال غيم فإنه يجب الصوم ولأنه إذا كان صحو ولم يروا الهلال ، فالظاهر عدمه بخلاف الغيم ، فوجب صومه احتياطا .

                                                                                                                              قال : واحتج بأن كل يوم صامه في الصحو لا يجب في الغيم كالثامن والعشرين من شعبان ( وجوابه ) أن الفرق بين الصحو والغيم ما سبق ، ولأنا تحققنا في الثامن والعشرين كونه من شعبان بخلاف يوم الثلاثين ، ولهذا لو حال الغيم في آخر رمضان ليلة الثلاثين صمنا ، ولو حال ليلة الحادي والثلاثين لم نصم ، قال : واحتج بأنها عبادة فلا يجب الدخول فيها حتى يعلم وقتها كالصلاة ( وجوابه ) أن هذا باطل في الأصل والفرع . أما الأصل فإنه يجب الدخول في الصلاة مع الشك ، وهو إذا نسي صلاة من الخمس ( وأما ) الفرع فإن الأسير إذا اشتبهت عليه الشهور صام بالتحري ( وجواب ) آخر وهو أن اعتبار اليقين في الصلاة لا يؤدي إلى إسقاط العبادة ، بخلاف مسألتنا ، قال : واحتج أنه لا يصح الجزم بالنية مع الشك ، ولا يصح الصوم إلا بجزم النية ( وجوابه ) أنه لا يمتنع التردد في النية للحاجة كما في الأسير إذا صام بالاجتهاد ومن نسي صلاة من الخمس فصلاهن .

                                                                                                                              ( فإن قيل ) لو حلف أن الهلال تحت الغيم ( قلنا ) لا يحنث للشك مع أن الأصل بقاء النكاح ، وكذا لو حلف أنه لم يطلع ، ولا هو تحت الغيم كما لو طار طائر فحلف أنه غراب ، أو أنه ليس بغراب أو تجهلناه .

                                                                                                                              ( فإن قيل ) لو وطئ في هذا اليوم ( قلنا ) تجب الكفارة ( فإن قيل ) هل يصلي التراويح هذه الليلة ؟ ( قلنا ) اختلف أصحابنا فقال أبو حفص العكبري : لا يصلي ، وقال غيره : يصلي وهو ظاهر كلام أحمد ، ولأنه من رمضان ( فإن قيل ) لم لم يحكموا بالهلال تحت الغيم في [ ص: 466 ] سائر الشهور ؟ ( قلنا ) لا فائدة فيه بخلاف مسألتنا فإن فيه احتياطا للصوم ولهذا يثبت هلال رمضان بشاهد واحد بخلاف غيره ( فإن قيل ) لو حلف ليدخلن الدار في أول يوم من رمضان ( قلنا ) لا يبر في يمينه حتى يدخلها في يومين يوم الشك والذي بعده ، كمن نسي صلاة من صلوات يوم وجهلها فحلف ليدخلن الدار بعد أن يصليها فإنه لا يبر حتى يدخل بعد جميع صلوات اليوم ، وإن كنا نعلم أن الذي في ذمته واحدة ، هذا آخر كلام القاضي أبي يعلى بن الفراء رحمه الله تعالى .

                                                                                                                              قال الخطيب الحافظ أبو بكر البغدادي في الرد عليه : وقفت على كتاب لبعض من ينتسب إلى الفقه من أهل هذا العصر ذكر فيه أن يوم الشك المكمل لعدة شعبان يجب صومه عن أول يوم من رمضان ، قال الخطيب : واحتج في ذلك بما ظهور اعتلاله يغني الناظر فيه عن إبطاله ، إذ الحق لا يدفعه باطل الشبهات ، والسنن الثابتة لا يسقطها فاسد التأويلات ، ومع كون هذه المسألة ليس فيها التباس فربما خفي حكمها عن بعض الناس ، من قصر فهمه ، وقل بأحكام الشرع علمه ، وقد أوجب الله على العلماء أن ينصحوا له فيما استحفظهم ، ويبذلوا الجهد فيما قلدهم ، وينهجوا للحق سبل نجاتهم ، ويكشفوا للعوام عن شبهاتهم ، لا سيما فيما يعظم خطره ، ويبين في الدين ضرره ، ومن أعظم الضرر إثبات قول يخالف مذهب السلف من أئمة المسلمين ، في حكم الصوم الذي هو أحد أركان الدين ، وأنا بمشيئة الله تعالى أذكر من السنن المأثورة ، وأورد في ذلك من صحيح الأحاديث المشهورة ، عن رسول رب العالمين ، وصحابته الأخيار المرضيين ، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ، وعن خالفيهم من التابعين ، ما يوضح منار الحق ودليله ، ويرد من تنكب سبيله ، ويبطل شبهة قول المخالف وتأويله .

                                                                                                                              ثم روى الخطيب بإسناده حديث أبي هريرة السابق في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم " { لا تقدموا صوم رمضان بيوم ولا يومين ، إلا أن يكون صوما يصومه رجل فليصم ذلك الصوم } ثم ذكر حديث أبي هريرة السابق في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه نهى عن صوم اليوم الذي يشك فيه ويوم [ ص: 467 ] الفطر والنحر وأيام التشريق } . ثم ذكر الأحاديث الصحيحة السابقة { لا تصوموا حتى تروا الهلال } وحديث حذيفة الصحيح السابق عن النبي صلى الله عليه وسلم : " { لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال ، أو تكملوا العدة إذا غم الهلال ، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة } وحديث ابن عباس السابق في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم : " قال إن الله أمده للرؤية " وحديث { أحصوا عدة شعبان لرمضان } وسبق بيانه .

                                                                                                                              ثم قال : باب الأمر بإكمال العدة إذا غم الهلال ، قال : روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله والبراء بن عازب وأبي بكرة وطلق بن علي ورافع بن خديج وغيرهم من الصحابة ، ثم ذكر رواياتهم بأسانيده من طرق وألفاظها كما سبق في الفرع الأول ، وفي جميع رواياته " { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين } .



                                                                                                                              وعن القاسم بن محمد : " لا تصم اليوم الذي تشك فيه إذا كان فيه سحاب " وفي رواية عنه " لا بأس بصومه إلا أن يغم الهلال " . وعن الشعبي أنه سئل عن اليوم الذي يقول الناس : إنه من رمضان ؟ قال : " لا يصم إلا مع الإمام " وفي رواية " عنه لو صمت السنة كلها ما صمت يوم الشك " وعن الضحاك بن قيس " لو صمت السنة كلها ما صمت يوم الشك " وعن إبراهيم قال : ما من يوم أبغض إلي من أن أصومه من اليوم الذي يقال : إنه من رمضان ، وعن إبراهيم وأبي وائل والشعبي والمسيب بن رافع أنهم كانوا يكرهون صوم اليوم الذي يقال : إنه من رمضان ، وعن الحسن البصري قال : لأن أفطر يوما من رمضان لا أتعمده أحب إلي من أن أصوم يوما من شعبان أصل به رمضان أتعمده ، وعن الحسن وابن سيرين أنهما كرها صوم يوم الشك . قال الخطيب : وذكر المخالف شبها من القياس ، ولم يختلف من اعتمد الآثار من العلماء أن كل قياس ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نص يخالفه فهو باطل ، ويحرم العمل به ، وقد قال أبو حنيفة [ ص: 478 ] وهو إمام أهل العراق مع توسعه في القضاء بالقياس : البول في المسجد أحسن من بعض القياس ، وهذا صحيح ، وهو إذا قابل القياس نص يخالفه ، أو كان فاسدا لنقص ، أو معارضة الفرع للأصل ، كقياس المخالف وجوب صوم يوم الشك على من نسي صلاة من صلوات يوم ، فهذا قياس باطل لثبوت النص بخلافه ; ولأن الصلاة لم تجب بالشك ، بل لأنا تيقنا شغل ذمته بكل صلاة ، وشككنا في براءته منها والأصل بقاؤها بخلاف الصوم ولا طريق به إلى الصلاة المنسية إلا بفعل الجميع ، وإنما نظير مسألة يوم الشك أن يشك هل دخل وقت الصلاة أم لا ؟ فلا تلزمه الصلاة بالاتفاق ، بل لو صلى شاكا فيه لم تصح صلاته ، قال المخالف : وقياس آخر وهو القياس على ما إذا غم الهلال في آخر رمضان فإنه يجب صوم ذلك اليوم .

                                                                                                                              قال الخطيب : ليس بهذا المخالف من الغباوة ما ينتهي إلى هذه المقالة لكنه ألزم نفسه أمرا ألجأه إليها ، وكيف استجاز أن يقول : يوم الشك أحد طرفي الشهر مع أن هذا الوصف لا يلزمه ولا يسلم له ؟ ( فإن قال ) بنيته على أصل ، قيل له : وهو مخالف للنص فيجب اطراحه ، ويقال له : إن قلت : يوم الشك أحد طرفي رمضان فأت بحجة على ذلك وهيهات السبيل إلى ذلك ، ( وإن قلت ) الشك أحد طرفي شعبان ، ( قيل ) أصبت ، ولا يجب صوم شعبان ، ( ثم يقال ) الأصل بقاء شعبان فلا يزول بالشك . قال الخطيب : قال المخالف : ولا يمتنع ترك الأصل للاحتياط كما في مسألة من نسي صلاة من الخمس ، وكما لو شك ماسح الخف في انقضاء مدته فلا يمسح ، ولو شكت المستحاضة في انقطاع الحيض تلزمها الصلاة ، قال الخطيب : أما مسألة الصلاة فسبق جوابها ( وأما ) ماسح الخف فشرط مسحه بقاء المدة فإذا شك فيها رجع إلى الأصل ، وهو غسل الرجلين ( وأما ) المستحاضة فسقطت عنها الصلاة بسبب الحيض ، فإذا شكت فيه رجعت إلى الأصل ، ومقتضى هذا في مسألتنا أن لا يجب صوم يوم الشك ، لأن الأصل بقاء شعبان ، هذا آخر كلام الخطيب رحمه الله تعالى .




                                                                                                                              الخدمات العلمية