الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَأَمَّا الْمَالُ الْمَغْصُوبُ وَالضَّالُّ فَلَا تَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ ، فَإِنْ رَجَعَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نَمَاءٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ قَالَ ( فِي الْقَدِيمِ ) لَا تَجِبُ ، لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ يَدِهِ وَتَصَرُّفِهِ فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ كَالْمَالِ الَّذِي فِي يَدِ مُكَاتَبِهِ . وَقَالَ ( فِي الْجَدِيدِ ) تَجِبُ لِأَنَّهُ مَالٌ يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِهِ وَيُجْبَرُ عَلَى التَّسْلِيمِ إلَيْهِ فَوَجَبَ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالْمَالِ الَّذِي فِي يَدِ وَكِيلِهِ ، فَإِنْ رَجَعَ إلَيْهِ مَعَ النَّمَاءِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ . قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ : تَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا سَقَطَتْ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِعَدَمِ النَّمَاءِ وَقَدْ حَصَلَ لَهُ النَّمَاءُ فَوَجَبَ أَنْ تَجِبَ ( وَالصَّحِيحُ ) أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَمْ تَسْقُطْ لِعَدَمِ النَّمَاءِ لِأَنَّ الذُّكُورَ مِنْ الْمَاشِيَةِ لَا نَمَاءَ لَهَا وَتَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ لِنُقْصَانِ الْمِلْكِ بِالْخُرُوجِ عَنْ يَدِهِ وَتَصَرُّفِهِ ، وَبِالرُّجُوعِ لَمْ يَعُدْ مَا فَاتَ مِنْ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ ، وَإِنْ أُسِرَ رَبُّ الْمَالِ وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَالِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ : مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : هُوَ كَالْمَغْصُوبِ لِأَنَّ الْحَيْلُولَةَ مَوْجُودَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَالِ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : تَجِبُ الزَّكَاةُ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ يَمْلِكُ بَيْعَهُ مِمَّنْ شَاءَ فَكَانَ كَالْمُودِعِ ، وَإِنْ وَقَعَ الضَّالُّ بِيَدِ مُلْتَقِطٍ وَعَرَّفَهُ حَوْلًا كَامِلًا وَلَمْ يَخْتَرْ التَّمَلُّكَ - وَقُلْنَا : لَا يَمْلِكُ حَتَّى يَخْتَارَ التَّمَلُّكَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ - فَفِيهِ طَرِيقَانِ ، مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : هُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَقَعْ بِيَدِ الْمُلْتَقِطِ فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ بَعْدَ التَّعْرِيفِ ، لِأَنَّ الْمُلْتَقِطَ يَمْلِكُ [ أَنْ يُزِيلَهُ ] بِاخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ فَصَارَ كَالْمَالِ الَّذِي بِيَدِ الْمُكَاتَبِ ) . المجموع الشَّرْحُ ) فِي الْفَصْلِ مَسَائِلُ : ( إحْدَاهَا ) إذَا ضَلَّ مَالُهُ أَوْ غُصِبَ أَوْ سُرِقَ وَتَعَذَّرَ انْتِزَاعُهُ ; أَوْ أَوْدَعَهُ فَجُحِدَ أَوْ وَقَعَ فِي بَحْرٍ فَفِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ أَرْبَعَةُ طُرُقٍ ( أَصَحُّهَا وَأَشْهُرُهَا ) فِيهِ قَوْلَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) وَهُوَ الْجَدِيدُ وُجُوبُهَا ، وَالْقَدِيمُ لَا تَجِبُ ، ( وَالطَّرِيقُ الثَّانِي ) الْقَطْعُ بِالْوُجُوبِ وَهُوَ مَشْهُورٌ ، ( وَالثَّالِثُ ) إنْ كَانَ عَادَ بِنَمَائِهِ وَجَبَتْ وَإِلَّا فَلَا ، ( وَالرَّابِعُ ) إنْ عَادَ بِنَمَائِهِ وَجَبَتْ وَإِلَّا فَفِيهِ الْقَوْلَانِ ، وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ مَفْهُومٌ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ، وَلَوْ عَادَ بَعْضُ النَّمَاءِ فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَعُدْ شَيْءٌ مِنْهُ وَمَعْنَى الْعَوْدِ بِلَا نَمَاءٍ أَنْ يُتْلِفَهُ الْغَاصِبُ وَيَتَعَذَّرَ تَغْرِيمُهُ ، فَأَمَّا إنْ غَرِمَ أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ كَأَنْ تَلِفَ فِي يَدِ الْمَالِكِ أَيْضًا فَهُوَ كَعَوْدِ النَّمَاءِ بِعَيْنِهِ بِالِاتِّفَاقِ ، صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ ، وَمَنْ قَطَعَ بِالْوُجُوبِ أَوْ عَدَمِهِ تَأَوَّلَ النَّصَّ الْآخَرَ قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي وُجُوبِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ بَعْدَ عَوْدِ الْمَالِ إلَى يَدِ الْمَالِكِ هَلْ يُخْرِجُ عَنْ الْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ أَمْ لَا ؟ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِخْرَاجُ قَبْلَ عَوْدِ الْمَالِ إلَى يَدِهِ ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى التَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : فَلَوْ تَلِفَ الْمَالُ بَعْدَ أَحْوَالٍ قَبْلَ عَوْدِهِ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ عَلَى قَوْلِ الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ وَالتَّلَفُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ يُسْقِطُهَا . وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَاشِيَةِ الْمَغْصُوبَةِ هُوَ فِيمَا إذَا كَانَتْ سَائِمَةً فِي يَدِ الْمَالِكِ وَالْغَاصِبِ جَمِيعًا ، فَإِنْ عُلِفَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَفِيهِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَرِيبًا فِي أَوَّلِ أُسَامَةِ الْغَاصِبِ وَعَلَفِهِ هَلْ يُؤَثِّرَانِ ؟ قَالَ أَصْحَابُنَا : فَإِنْ قُلْنَا بِالْقَدِيمِ انْقَطَعَ الْحَوْلُ بِالْغَصْبِ وَالضَّلَالِ وَنَحْوِهِ ، فَإِذَا عَادَ الْمَالُ اسْتَأْنَفَ الْحَوْلَ ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْجَدِيدِ لَمْ يَنْقَطِعْ . قَالَ أَصْحَابُنَا : فَلَوْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً فَغُصِبَتْ وَاحِدَةٌ أَوْ ضَلَّتْ ثُمَّ عَادَتْ إلَى يَدِهِ ، فَإِنْ قُلْنَا لَا زَكَاةَ فِي الْمَغْصُوبِ اسْتَأْنَفَ الْحَوْلَ مِنْ حِينِ عَادَتْ سَوَاءٌ عَادَتْ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ أَمْ بَعْدَهُ . وَإِنْ قُلْنَا تَجِبُ فِي الْمَغْصُوبِ بَنَى إنْ وَجَدَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ ، وَإِنْ وَجَدَهَا بَعْدَهُ زَكَّى الْأَرْبَعِينَ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِذَا أَوْجَبْنَا الزَّكَاةَ فِي الْأَحْوَالِ الْمَاضِيَةِ فَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَنْقُصَ الْمَالُ عَنْ النِّصَابِ بِمَا يَجِبُ لِلزَّكَاةِ بِأَنْ يَكُونَ فِي الْمَاشِيَةِ وَقَصٌ أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ آخَرُ يَفِي بِقَدْرِ الزَّكَاةِ أَمَّا إذَا كَانَ الْمَالُ نِصَابًا فَقَطْ وَمَضَتْ أَحْوَالٌ فَقَالَ الْجُمْهُورُ : لَا تَجِبُ زَكَاةُ مَا زَادَ عَلَى الْحَوْلِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ قَوْلَ الْوُجُوبِ هُوَ الْجَدِيدُ . وَالْجَدِيدُ يَقُولُ بِتَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِالْعَيْنِ فَيَنْقُصُ النِّصَابُ مِنْ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ ، فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ تَتَوَالَدَ بِحَيْثُ لَا يَنْقُصُ النِّصَابُ . هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَمِنْهُمْ مَنْ أَشَارَ إلَى خِلَافٍ ، وَهُوَ يَتَخَرَّجُ مِنْ الطَّرِيقَةِ الْجَازِمَةِ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمَغْصُوبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ : وَلَوْ دَفَنَ مَالَهُ فِي مَوْضِعٍ ثُمَّ نَسِيَهُ ثُمَّ تَذَكَّرَهُ بَعْدَ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ ضَلَّ ، فَيَكُونُ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ . هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَفِيهِ طَرِيقٌ آخَرُ جَازِمَةٌ بِالْوُجُوبِ وَلَا يَكُونُ النِّسْيَانُ عُذْرًا لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ ، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ دَفْنِهِ فِي دَارِهِ وَحِرْزِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية