المهذب
قال المصنف رحمه الله تعالى ( ومن وجبت عليه الزكاة وقدر على إخراجها لم يجز له تأخيرها لأنه حق يجب صرفه إلى الآدمي توجهت المطالبة بالدفع إليه فلم يجز له التأخير كالوديعة إذا طالب بها صاحبها ، فإن أخرها وهو قادر على أدائها ضمنها ، لأنه أخر ما يجب عليه مع إمكان الأداء فضمنه كالوديعة ، ومن وجبت عليه الزكاة وامتنع من أدائها نظرت فإن كان جاحدا لوجوبها فقد كفر ويقتل بكفره كما يقتل المرتد ، لأن وجوب الزكاة معلوم من دين الله تعالى ضرورة ، فمن جحد وجوبها فقد كذب الله وكذب رسوله صلى الله عليه وسلم فحكم بكفره ، وإن منعها بخلا بها أخذت منه وعزر . وقال في القديم : تؤخذ الزكاة وشطر ماله عقوبة [ له ] لما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { ومن منعها فأنا آخذها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا ، ليس لآل محمد فيها شيء } والصحيح هو الأول { لقوله صلى الله عليه وسلم : ليس في المال حق سوى الزكاة } ولأنها عبادة فلا يجب بالامتناع منها أخذ شطر ماله كسائر العبادات ، وحديث بهز بن حكيم منسوخ ، فإن ذلك حين كانت العقوبات في الأموال ثم نسخت ، وإن امتنع بمنعة قاتله الإمام " لأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قاتل مانعي الزكاة " ) .
المجموع
( الشرح ) حديث بهز رواه أبو داود والنسائي وغيرهما ، وفي رواية النسائي " شطر إبله " ورواية أبي داود " شطر ماله " كما في المهذب ، وإسناده إلى بهز بن حكيم صحيح على شرط البخاري ومسلم ، وأما بهز فاختلفوا فيه فقال يحيى بن معين " ثقة " وسئل أيضا عنه عن أبيه عن جده " ثقة " وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به . وقال أبو زرعة " صالح " وقال الحاكم : " ثقة " وروى البيهقي عن الشافعي رحمه الله أنه قال : هذا الحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث ولو ثبت قلنا به ، هذا تصريح من الشافعي بأن أهل الحديث ضعفوا هذا الحديث ، والله أعلم . وأما حديث { ليس في المال حق سوى الزكاة } فضعيف جدا لا يعرف . قال البيهقي في السنن الكبيرة : والذي يرويه أصحابنا في التعاليق : { ليس في المال حق سوى الزكاة } لا أحفظ فيه إسنادا . رواه ابن ماجه لكن بسند [ ص: 305 ] ضعيف ( قلت ) وقد روى الترمذي والبيهقي عن فاطمة بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : إن في المال حقا سوى الزكاة } لكنه ضعيف ضعفه الترمذي والبيهقي وغيرهما ، والضعف ظاهر في إسناده ، واحتج البيهقي وغيره من المحققين في المسألة بحديث أبي هريرة في قصة الأعرابي الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم { دلني على عمل إذا عملته أدخل الجنة قال : تعبد الله لا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة ، وتصوم رمضان ، قال : والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا ، فلما أدبر قال : من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا } رواه البخاري ومسلم ، وفي معناه أحاديث صحيحة مشهورة .
وأما حديث قتال أبي بكر رضي الله عنه مانعي الزكاة فرواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه ، وقوله " حق يجب صرفه إلى الآدمي " احتراز من الحج ، وقوله " توجهت المطالبة به " احتراز من الدين المؤجل ، وقوله " جاحدا " قال أهل اللغة : الجحود هو الإنكار بعد الاعتراف ، وقول بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ، هو بهز بفتح الباء الموحدة وبالزاي ، ابن حكيم بن معاوية بن حيدة ، بفتح الحاء المهملة القشيري وجده الراوي هو معاوية . وقوله صلى الله عليه وسلم " عزمة " بإسكان الزاي " من عزمات ربنا " بفتحها ومعناه حق لا بد منه ، وفي بعض روايات البيهقي عزيمة بكسر الزاي وزيادة ياء والمشهور عزمة ، وقوله في أول الحديث : " ومن منعها " هكذا هو بالواو ، ومن معطوف على أول الحديث ، فإن أوله { في كل أربعين من الإبل سائمة ابنة لبون من أعطاها مؤتجرا فله أجره ومن منعها فأنا آخذها وشطر ماله } وقد ذكر المصنف أوله في الفصل الرابع من الباب . قوله " امتنع بمنعة " هو بفتح النون على المشهور عند أهل اللغة ، وحكي جواز إسكانها ، والمنعة بالفتح الجماعة المانعون ، ككاتب وكتبة وكافر وكفرة ونظائره ، ومن سكن فمعناه بقوة امتناع ، وقتال أبي بكر رضي الله عنه مانعي الزكاة كان في أول خلافته سنة إحدى عشرة من الهجرة .
( أما الأحكام ) ففيها مسائل : ( إحداها ) أن الزكاة عندنا يجب إخراجها على الفور ، فإذا وجبت وتمكن [ ص: 306 ] من إخراجها لم يجز تأخيرها ، وإن لم يتمكن فله التأخير إلى التمكن ، فإن أخر بعد التمكن عصى وصار ضامنا ; فلو تلف المال كله بعد ذلك لزمته الزكاة ، سواء تلف بعد مطالبة الساعي أو الفقراء أم قبل ذلك ، وهذا لا خلاف فيه . وإن تلف المال بعد الحول وقبل التمكن فلا إثم ولا ضمان عليه بلا خلاف ، وإن أتلفه المالك لزمه الضمان ، وإن أتلفه أجنبي بنى على القولين في أن التمكن شرط في الوجوب أم في الضمان ؟ وسيأتي إيضاحها بتفريعها في آخر الباب الثاني حيث ذكرهما المصنف إن شاء الله تعالى ، إن قلنا شرط في الوجوب فلا زكاة ، وإن قلنا : شرط في الضمان - وقلنا الزكاة تتعلق بالذمة - فلا زكاة ، وإن قلنا : تتعلق بالعين انتقل حق الفقراء إلى القيمة كما إذا قتل العبد أو المرهون فإنه ينتقل حق المجني عليه والمرتهن إلى القيمة .
قال أصحابنا : وليس المراد بإمكان الأداء مجرد إمكان الإخراج ، بل يشترط معه وجوب الإخراج بثلاثة شروط ( أحدها ) حضور المال عنده ، فإن غاب عنه لم يجب الإخراج من موضع آخر بالاتفاق وإن جوزنا نقل الزكاة ، ( والثاني ) أن يجد المصروف إليه ، وسيأتي في قسم الصدقات أن الأموال باطنة وظاهرة ، فالباطنة يجوز صرف زكاتها بنفسه وبوكيله وبالسلطان والساعي فيكون واجدا للمصروف إليه ، سواء وجد أهل السهمان أو السلطان أو نائبه . وأما الظاهرة فكذلك إن قلنا بالأصح أنه له تفريقها بنفسه ، وإلا فلا إمكان حتى يجد السلطان أو نائبه ، ولو وجد من يجوز الصرف إليه فأخر لطلب الأفضل بأن وجد السلطان أو نائبه فأخر ليفرق بنفسه حيث جعلناه أفضل ، أو أخر لانتظار قريب أو جار أو من هو أحوج ، ففي جواز التأخير وجهان مشهوران أصحهما جوازه . فإن لم نجوز التأخير فأخر أثم وضمن ، وإن جوزناه فتلف المال فهل يضمن ؟ فيه وجهان ( أصحهما ) يكون ضامنا لوجود التمكن .
( والثاني ) لا ، لأنه مأذون له في التأخير ، قال إمام الحرمين : للوجهين شرطان ( أحدهما ) أن يظهر استحقاق الحاضرين ، فإن تشكك في استحقاقهم فأخر ليتروى جاز بلا خلاف ، ( والثاني ) ألا يستفحل ضرر الحاضرين وفاقتهم ; [ ص: 307 ] فإن تضرروا بالجوع ونحوه لم يجز التأخير للقريب وشبهه بلا خلاف . قال الرافعي : في هذا الشرط الثاني نظر لأن إشباعهم لا يتعين على هذا الشخص ، ولا من هذا المال ولا من مال الزكاة ، وهذا الذي قاله الرافعي باطل والصواب ما ذكره إمام الحرمين لأنه وإن لم يتعين هذا المال لهؤلاء المحتاجين فدفع ضرورتهم فرض كفاية ، فلا يجوز إهماله لانتظار فضيلة لو لم يعارضها شيء ( الشرط الثالث ) أن لا يكون مشتغلا بهم من أمر دينه أو دنياه كصلاة وأكل ونحوهما ذكره البغوي وغيره والله أعلم .


