الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنْ كَانَ أَصْلِيًّا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَمْ يَلْتَزِمْهُ فَلَا يَلْزَمُهُ كَغَرَامَةِ الْمُتْلَفَاتِ ، وَإِنْ كَانَ مُرْتَدًّا لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ [ مَا ] وَجَبَ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ وُجُوبُهُ فَلَمْ يَسْقُطْ بِرِدَّتِهِ كَغَرَامَةِ الْمُتْلَفَاتِ ، وَأَمَّا فِي حَالِ الرِّدَّةِ فَإِنَّهُ يُبْنَى عَلَى مِلْكِهِ وَفِي مِلْكِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : ( أَحَدُهَا ) [ أَنَّهُ ] يَزُولُ بِالرِّدَّةِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ ، ( وَالثَّانِي ) لَا يَزُولُ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لِأَنَّهُ حَقٌّ الْتَزَمَهُ بِالْإِسْلَامِ فَلَمْ يَسْقُطْ [ عَنْهُ ] بِالرِّدَّةِ كَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّهُ مَوْقُوفٌ ، فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ حَكَمْنَا [ بِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ حَكَمْنَا ] بِأَنَّهُ قَدْ زَالَ مِلْكُهُ ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ ) . وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ قَبْلَ رِدَّتِهِ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ بِالرِّدَّةِ عِنْدَنَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَسْقُطُ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْمُرْتَدَّ يَصِيرُ كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ ، دَلِيلُنَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ . وَأَمَّا زَمَنُ الرِّدَّةِ فَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا " أَحَدُهُمَا " الْقَطْعُ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ كَالنَّفَقَاتِ وَالْغَرَامَاتِ " وَالطَّرِيقُ الثَّانِي " ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ ، فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ بِنَاءً عَلَى بَقَاءِ مِلْكِهِ وَزَوَالِهِ ، ( أَحَدُهَا ) : يَزُولُ مِلْكُهُ فَلَا زَكَاةَ . ( وَالثَّانِي ) يَبْقَى فَتَجِبُ ( وَأَصَحُّهَا ) أَنَّهُ مَوْقُوفٌ إنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ وَتَبَيَّنَّا بَقَاءَهُ فَتَجِبُ وَإِلَّا فَلَا ، وَتُتَصَوَّرُ الْمَسْأَلَةُ إذَا بَقِيَ مُرْتَدًّا حَوْلًا وَلَمْ نَعْلَمْ ثُمَّ عَلِمْنَا وَلَمْ نَقْدِرْ عَلَى قَتْلِهِ ، أَوْ ارْتَدَّ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْحَوْلِ سَاعَةٌ فَلَمْ يُقْتَلْ أَوْ لَمْ يُسْلِمْ إلَّا بَعْدَ الْحَوْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِنْ قُلْنَا : لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فَارْتَدَّ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ انْقَطَعَ الْحَوْلُ ، فَإِذَا أَسْلَمَ اسْتَأْنَفَ ، وَإِنْ قُلْنَا : تَجِبُ لَمْ يَنْقَطِعْ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِذَا أَوْجَبْنَاهَا فَأَخْرَجَ فِي حَالِ الرِّدَّةِ أَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ أَطْعَمَ عَنْ الْكَفَّارَةِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ ، لِأَنَّهُ عَمَلٌ بَدَنِيٌّ فَلَا يَصِحُّ إلَّا مِمَّنْ يُكْتَبُ لَهُ ، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ : لَوْ قُلْت : إذَا ارْتَدَّ لَمْ يُخْرِجْ الزَّكَاةَ مَا دَامَ مُرْتَدًّا لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا لِأَنَّ الزَّكَاةَ قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إلَى النِّيَّةِ ، وَلَا تَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ ، فَتَعَذَّرَ أَدَاؤُهَا مِنْ الْمُرْتَدِّ . قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ : عَلَى هَذَا إذَا حَكَمْنَا بِأَنَّ مِلْكَهُ لَا يَزُولُ وَمَضَى حَوْلٌ فِي الرِّدَّةِ لَمْ يُخْرِجْ الزَّكَاةَ أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَا ، فَإِنْ أَسْلَمَ لَزِمَهُ إخْرَاجُ مَا وَجَبَ فِي إسْلَامِهِ وَرِدَّتِهِ ، وَلَوْ قُتِلَ مُرْتَدًّا وَقَدْ تَعَذَّرَ أَدَاءُ الزَّكَاةِ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ فَتَسْقُطُ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا ، وَلَا تَسْقُطُ الْمُعَاقَبَةُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ . قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : مِمَّا قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ إخْرَاجَ الزَّكَاةِ لِحَقِّ الْمَسَاكِينِ عَاجِلًا وَلَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إذَا أَسْلَمَ لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَةُ الزَّكَاةِ ، فِيهِ وَجْهَانِ كَالْمُمْتَنِعِ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ إذَا أَخَذَهَا الْإِمَامُ مِنْهُ قَهْرًا ، وَلَمْ يَنْوِ الْمُمْتَنِعُ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تُجْزِئُ لِمَا نَقَلْنَاهُ أَوَّلًا عَنْ الْجُمْهُورِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية