الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ( وَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا ، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ } " ، وَهَلْ يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ أَوْ تَحْرِيمٍ ؟ قَوْلَانِ : قَالَ فِي الْقَدِيمِ : كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِلسَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ وَالتَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ : يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " : { الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي جَوْفِهِ نَارَ جَهَنَّمَ } " ، فَتَوَعَّدَ عَلَيْهِ النَّارَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُحَرَّمٌ . وَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْهُ صَحَّ الْوُضُوءُ ; لِأَنَّ الْمَنْعَ لَا يَخْتَصُّ بِالطَّهَارَةِ فَأَشْبَهَ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ ، وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ هُوَ جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ وَإِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ فِي اسْتِعْمَالِ الظَّرْفِ دُونَ مَا فِيهِ ، فَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ الْمَأْكُولُ وَالْمَشْرُوبُ حَرَامًا ; لِأَنَّ الْمَنْعَ لِأَجْلِ الظَّرْفِ دُونَ مَا فِيهِ . وَأَمَّا اتِّخَاذُهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَجُوزُ ; لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِتَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ دُونَ الِاتِّخَاذِ . وَالثَّانِي : لَا ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ; لِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ كَالطُّنْبُورِ وَالْبَرْبَطِ . وَأَمَّا أَوَانِي الْبَلُّورِ وَالْفَيْرُوزَجِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ الْأَجْنَاسِ الْمُثَمَّنَةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ : رَوَى حَرْمَلَةُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ أَعْظَمُ فِي السَّرَفِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، فَهُوَ بِالتَّحْرِيمِ أَوْلَى ، وَرَوَى الْمُزَنِيّ أَنَّهُ يَجُوزُ وَهُوَ الْأَصَحُّ ; لِأَنَّ السَّرَفَ غَيْرُ ظَاهِرٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْخَوَاصُّ مِنْ النَّاسِ ) . التَّاسِعَةُ : هَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْأَوَانِي مِنْ الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ كَالْيَاقُوتِ وَالْفَيْرُوزَجِ وَالْعَقِيقِ وَالزُّمُرُّدِ وَهُوَ بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا وَالزَّبَرْجَدِ وَهُوَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَلُّورِ وَأَشْبَاهِهَا ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ الْجَوَازُ ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَدَلِيلُ الْقَوْلَيْنِ مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ ، وَإِذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ : إنَّهُ لَا يَحْرُمُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ ، وَلَوْ اتَّخَذَ إنَاءً مِنْ هَذِهِ الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ : إنْ قُلْنَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فَالِاتِّخَاذُ أَوْلَى ، وَإِلَّا فَكَاِتِّخَاذِ إنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَمَا كَانَتْ نَفَاسَتُهُ بِسَبَبِ الصَّنْعَةِ لَا لِجَوْهَرِهِ كَالزُّجَاجِ الْمَخْرُوطِ وَغَيْرِهِ لَا يَحْرُمُ بِلَا خِلَافٍ ، هَكَذَا صَرَّحُوا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَأَشَارَ صَاحِبُ الْبَيَانِ إلَى وَجْهِ تَحْرِيمِهِ وَهُوَ غَلَطٌ ، وَالصَّوَابُ مِنْ حَيْثُ الْمَذْهَبُ ، وَالدَّلِيلُ الْجَزْمُ بِإِبَاحَتِهِ ، وَنَقَلَ صَاحِبُ الشَّامِلِ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَكَذَا لَوْ اتَّخَذَ لِخَاتَمِهِ فَصًّا مِنْ جَوْهَرَةٍ مُثَمَّنَةٍ فَهُوَ مُبَاحٌ بِلَا خِلَافٍ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَكَذَا لَا يُكْرَهُ لُبْسُ الْكَتَّانِ النَّفِيسِ وَالصُّوفِ وَنَحْوِهِ ، قَالَ صَاحِبَا الْحَاوِي وَالْبَحْرِ : الْإِنَاءُ الْمُتَّخَذُ مِنْ طِيبٍ رَفِيعٍ كَالْكَافُورِ الْمُرْتَفِعِ وَالْمَصَاعِدِ وَالْمَعْجُونِ مِنْ مِسْكٍ وَعَنْبَرٍ يَخْرُجُ فِيهِ وَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ لِحُصُولِ السَّرَفِ . ( وَالثَّانِي ) : لَا ، لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ أَكْثَرِ النَّاسِ لَهُ ، قَالَا : وَأَمَّا غَيْرُ الْمُرْتَفِعِ كَالصَّنْدَلِ وَالْمِسْكِ فَاسْتِعْمَالُهُ جَائِزٌ قَطْعًا . ( فَرْعٌ ) قَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْبِلَّوْرَ كَالْيَاقُوتِ وَأَنَّ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ الْقَوْلَيْنِ ، وَقَدْ عَلَقَ فِي ذِهْنِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُبْتَدَئِينَ وَشِبْهِهِمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ خَالَفَ الْأَصْحَابَ فِي هَذَا ، وَأَنَّهُمْ قَطَعُوا بِجَوَازِ اسْتِعْمَالِ إنَاءِ الْبِلَّوْرِ لِأَنَّهُ كَالزُّجَاجِ ، وَهَذَا الَّذِي عَلَقَ بِأَذْهَانِهِمْ وَهْمٌ فَاسِدٌ ، بَلْ صَرَّحَ الْجُمْهُورُ بِجَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْبِلَّوْرِ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ شَيْخُ الْأَصْحَابِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابَيْهِ التَّحْرِيرِ وَالْبُلْغَةِ وَالشَّيْخُ نَصْرُ الْمَقْدِسِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ الْإِبَانَةِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَالتَّهْذِيبِ وَالرُّويَانِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْبَحْرِ وَالْحِلْيَةِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ ، وَإِنَّمَا خَالَفَهُمْ صَاحِبُ الْحَاوِي فَقَطَعَ بِجَوَازِهِ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : أَلْحَقَ شَيْخِي الْبِلَّوْرَ بِالزُّجَاجِ ، وَأَلْحَقَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْعِرَاقِيُّونَ بِالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ فَيَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ . فَحَصَلَ أَنَّ الْجُمْهُورَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي الطَّرِيقَتَيْنِ ، عَلَى طَرْدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْبِلَّوْرِ ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إلَّا صَاحِبُ الْحَاوِي وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية