الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( وَالسُّنَّةُ أَنْ يَغْتَسِلَ لِلْعِيدَيْنِ ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا وَابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ " كَانَا يَغْتَسِلَانِ ، وَلِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْكَافَّةُ لِلصَّلَاةِ فَسُنَّ فِيهِ الْغُسْلُ لِحُضُورِهَا كَالْجُمُعَةِ ، وَفِي وَقْتِ الْغُسْلِ قَوْلَانِ ( أَحَدُهُمَا ) بَعْدَ الْفَجْرِ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ ، وَرَوَى الْبُوَيْطِيُّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ الْفَجْرِ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ تُقَامُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَيَقْصِدُهَا النَّاسُ مِنْ الْبُعْدِ ، فَجَوَّزَ تَقْدِيمَ الْغُسْلِ حَتَّى لَا تَفُوتُهُمْ ، وَيَجُوزُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَغْتَسِلَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ كَمَا قُلْنَا فِي أَذَانِ الصُّبْحِ وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِمَنْ يَحْضُرُ الصَّلَاةَ وَمَنْ لَا يَحْضُرُ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ إظْهَارُ الزِّينَةِ وَالْجَمَالِ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ الصَّلَاةَ اغْتَسَلَ لِلزِّينَةِ وَالْجَمَالِ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَنَظَّفَ بِحَلْقِ الشَّعْرِ وَتَقْلِيمِ الْأَظَافِرِ وَقَطْعِ الرَّائِحَةِ ; لِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ فَسُنَّ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَطَيَّبَ لِمَا رَوَى الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : " { أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَتَطَيَّبَ بِأَجْوَدَ مَا نَجِدُ فِي الْعِيدِ } " ) المجموع ( الشَّرْحُ ) هَذَا الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ فِي اغْتِسَالِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ ، وَأَمَّا الْأَثَرُ الْآخَرُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ " كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ " فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ اغْتِسَالَ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ لِلْعِيدِ ، وَأَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ : هُوَ السُّنَّةُ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : " { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى } " وَمِثْلُهُ عَنْ الْفَاكِهِ بْنِ سَعْدٍ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَسَانِيدُ الْجَمِيعِ ضَعِيفَةٌ بَاطِلَةٌ إلَّا أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ وَأَمَّا حَدِيثُ الْحَسَنِ فِي الطِّيبِ فَغَرِيبٌ ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ : يَجْتَمِعُ فِيهِ الْكَافَّةُ مِمَّا أَنْكَرَهُ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ ، قَالُوا : لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : الْكَافَّةُ ، وَلَا كَافَّةُ النَّاسِ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ : النَّاسُ كَافَّةً ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً } وَقَالَ تَعَالَى { وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً } . وَقَوْلُهُ : فَسُنَّ فِيهِ الْغُسْلُ لِحُضُورِهَا الْأَجْوَدُ حَذْفُ لَفْظَةِ ( حُضُورِهَا ) لِأَنَّ الْغُسْلَ مَسْنُونٌ لِمَنْ حَضَرَ الصَّلَاةَ وَغَيْرِهِ ( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لِلْعِيدَيْنِ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَالْمُعْتَمَدُ فِيهِ أَثَرُ ابْنِ عُمَرَ وَالْقِيَاسُ عَلَى الْجُمُعَةِ ، وَفِي وَقْتِ صِحَّةِ هَذَا الْغُسْلِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ( أَحَدُهُمَا ) بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ ( وَأَصَحُّهُمَا ) بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ يَجُوزُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلِهِ ، وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَصَرَاتِ مِنْهُمْ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا ، هَكَذَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَالْمَحَامِلِيُّ ، وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْأَكْثَرُونَ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ وَحَكَاهُمَا صَاحِبُ الْحَاوِي وَالدَّارِمِيُّ وَالْفُورَانِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ وَجْهَيْنِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي : جَوَّزَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمَنَعَهُ أَبُو إِسْحَاقَ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ الْمُجَرَّدِ : نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى صِحَّةِ الْغُسْلِ لِلْعِيدِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَالَ : وَلَا يُعْرَفُ لِلشَّافِعِيِّ غَيْرُهُ وَقَالَ : وَرَأَيْت بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَقُولُ : فِيهِ قَوْلَانِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : وَجْهَانِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَسَبَبُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي أَنَّهُمَا قَوْلَانِ أَوْ وَجْهَانِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى صِحَّةِ الْغُسْلِ قَبْلَ الْفَجْرِ صَرِيحًا ، وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ : وَأُحِبُّ الْغُسْلَ بَعْدَ الْفَجْرِ لِلْعِيدِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَهِمَ مِنْهُ اشْتِرَاطَ كَوْنِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ ، فَجَعَلَهُ قَوْلًا آخَرَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ ذَلِكَ ، وَصَرَّحَ الْبَنْدَنِيجِيُّ بِأَنَّهُ نَصَّ فِي الْأُمِّ بِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ قَبْلَ الْفَجْرِ ، فَإِذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ أَنَّهُ يَصِحُّ قَبْلَ الْفَجْرِ ، فَفِي ضَبْطِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ( أَصَحُّهَا ) وَأَشْهَرُهَا : يَصِحُّ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ ، وَلَا يَصِحُّ قَبْلَهُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَشَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمْ ، كَأَذَانِ الصُّبْحِ ( وَالثَّانِي ) يَصِحُّ فِي جَمِيعِ اللَّيْلِ ، وَبِهِ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ ; كَنِيَّةِ الصَّوْمِ ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَذَانِ أَنَّ النِّصْفَ الْأَوَّلَ مُخْتَارٌ لِلْعِشَاءِ فَرُبَّمَا ظَنَّ السَّامِعُ أَنَّ الْأَذَانَ لَهَا فَامْتَنَعَ لِخَوْفِ اللَّبْسِ بِخِلَافِ الْغُسْلِ ( الثَّالِثُ ) أَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ قُبَيْلَ الْفَجْرِ عِنْدَ السَّحَرِ ، وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيّ وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى اسْتِحْبَابِ غُسْلِ الْعِيدِ لِمَنْ يَحْضُرُ الصَّلَاةَ وَلِمَنْ لَا يَحْضُرُهَا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَكَذَا اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّطَيُّبِ وَالتَّنْظِيفِ بِإِزَالَةِ الشُّعُورِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ مِنْ بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ ، قِيَاسًا عَلَى الْجُمُعَةِ

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية