الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      ذِكْرُ قِتَالِ شِهَابِ الدِّينِ الْغُورِيِّ بَنِي كَوْكَرَ قَدْ ذَكَرْنَا انْهِزَامَ شِهَابِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ سَامَ الْغُورِيِّ صَاحِبِ غَزْنَةَ مِنَ الْخَطَا الْكُفَّارِ ، وَأَنَّ الْخَبَرَ ظَهَرَ بِبِلَادِهِ وَأَنَّهُ عُدِمَ مِنَ الْمَعْرَكَةِ وَلَمْ يَقِفْ أَصْحَابُهُ لَهُ عَلَى خَبَرٍ ، فَلَمَّا اشْتُهِرَ هَذَا الْخَبَرُ ثَارَ الْمُفْسِدُونَ فِي أَطْرَافِ الْبِلَادِ ، وَكَانَ مِمَّنْ أَفْسَدَ دَانْيَالُ ، صَاحِبُ جَبَلِ الْجُودِيِّ ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ ، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ ، وَتَابَعَ بَنِي كَوْكَرَ ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ الْخَارِجِينَ عَلَيْهِ بَنُو كَوْكَرَ ، وَمَسَاكِنُهُمْ فِي جِبَالٍ بَيْنَ لَهَاوُورَ وَالْمُولِتَانِ حَصِينَةٌ مَنِيعَةٌ ، وَكَانُوا قَدْ أَطَاعُوا شِهَابَ الدِّينِ ، وَحَمَلُوا لَهُ الْخَرَاجَ ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ خَبَرُ عُدْمِهِ ثَارُوا فِيمَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ ، وَأَطَاعَهُمْ صَاحِبُ جَبَلِ الْجُودِيِّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْقَاطِنِينَ بِتِلْكَ الْجِبَالِ ، وَمَنَعُوا الطَّرِيقَ مِنْ لَهَاوُورَ وَغَيْرِهَا إِلَى غَزْنَةَ . فَلَمَّا فَرَغَ شِهَابُ الدِّينِ مِنْ قَتْلِ مَمْلُوكِهِ أَيْبَكَ بَاكَ - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ - أَرْسَلَ إِلَى نَائِبِهِ بِلَهَاوُورَ وَالْمُولِتَانِ ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ يَأْمُرُهُ بِحَمْلِ الْمَالِ لِسَنَةِ سِتِّمِائَةٍ ، وَسَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّمِائَةٍ ، لِيَتَجَهَّزَ بِهِ لِحَرْبِ الْخَطَا ، فَأَجَابَ أَنَّ أَوْلَادَ كَوْكَرَ قَدْ قَطَعُوا الطَّرِيقَ ، وَلَا يُمْكِنُهُ إِرْسَالُ الْمَالِ ، وَحَضَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ التُّجَّارِ ، وَذَكَرُوا أَنَّ قَفَلًا كَبِيرًا أَخَذَهُ أَوْلَادُ كَوْكَرَ ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيلُ ، فَأَمَرَ شِهَابُ الدِّينِ مَمْلُوكَهُ أَيْبَكَ - مُقَدَّمَ عَسَاكِرِ الْهِنْدِ - أَنْ يُرَاسِلَ بَنِي كَوْكَرَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ وَيَتَهَدَّدُهُمْ إِنْ لَمْ يُجِيبُوا إِلَى ذَلِكَ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ، فَقَالَ ابْنُ كَوْكَرَ : لِأَيِّ مَعْنًى لَمْ يُرْسِلِ السُّلْطَانُ إِلَيْنَا رَسُولًا ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ : وَمَا قَدْرُكُمْ أَنْتُمْ حَتَّى يُرْسِلَ إِلَيْكُمْ ، وَإِنَّمَا مَمْلُوكُهُ يُبَصِّرُكُمْ رُشْدَكُمْ ، وَيُهَدِّدُكُمْ . فَقَالَ ابْنُ كَوْكَرَ : لَوْ كَانَ شِهَابُ الدِّينِ حَيًّا لَرَاسَلَنَا ، وَقَدْ كُنَّا نَدْفَعُ الْأَمْوَالَ إِلَيْهِ ، فَحَيْثُ عُدِمَ فَقُلْ لِأَيْبَكَ يَتْرُكُ لَنَا لَهَاوُورَ وَمَا وَالَاهَا ، وَفَرْشَابُورَ ، وَنَحْنُ نُصَالِحُهُ . فَقَالَ الرَّسُولُ : أَنْفِذْ أَنْتَ جَاسُوسًا تَثِقُ بِهِ فَيَأْتِيكَ بِخَبَرِ شِهَابِ الدِّينِ مِنْ فَرْشَابُورَ ، فَلَمْ يُصْغِ إِلَى قَوْلِهِ ، فَرَدَّهُ ، فَعَادَ وَأَخْبَرَ بِمَا سَمِعَ وَرَأَى ، فَأَمَرَ شِهَابُ الدِّينِ مَمْلُوكَهُ قُطْبَ الدِّينِ أَيْبَكَ بِالْعَوْدِ إِلَى بِلَادِهِ ، وَجَمْعِ الْعَسَاكِرِ ، وَقِتَالِ بَنِي كَوْكَرَ ، فَعَادَ إِلَى دَهْلِي ، وَأَمَرَ عَسَاكِرَهُ بِالِاسْتِعْدَادِ ، فَأَقَامَ شِهَابُ الدِّينِ فِي فَرْشَابُورَ إِلَى نِصْفِ شَعْبَانَ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّمِائَةٍ ، ثُمَّ عَادَ إِلَى غَزْنَةَ فَوَصَلَهَا أَوَّلَ رَمَضَانَ ، وَأَمَرَ بِالنِّدَاءِ فِي الْعَسَاكِرِ بِالتَّجَهُّزِ لِقِتَالِ الْخَطَا ، وَأَنَّ الْمَسِيرَ يَكُونُ أَوَّلَ شَوَّالٍ ، فَتَجَهَّزُوا لِذَلِكَ . فَاتُّفِقَ أَنَّ الشِّكَايَاتِ كَثُرَتْ مِنْ بَنِي كَوْكَرَ وَمَا يَتَعَهَّدُونَهُ مِنْ إِخَافَةِ السُّبُلِ وَأَنَّهُمْ قَدْ أَنْفَذُوا شِحْنَةً إِلَى الْبِلَادِ ، وَوَافَقَهُمْ أَكْثَرُ الْهُنُودِ ، وَخَرَجُوا مِنْ طَاعَةِ أَمِيرِ لَهَاوُورَ وَالْمُولِتَانِ وَغَيْرِهِمَا . وَوَصَلَ كِتَابُ الْوَالِي يَذْكُرُ مَا قَدْ دَهَمَهُ مِنْهُمْ ، وَأَنَّ عُمَّالَهُ قَدْ أَخْرَجَهُمْ بَنُو كَوْكَرَ ، وَجَبُوا الْخَرَاجَ ، وَأَنَّ ابْنَ كَوْكَرَ مُقَدَّمَهُمْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ لِيَتْرُكَ لَهُ لَهَاوُورَ وَالْبِلَادَ وَالْفِيَلَةَ وَيَقُولُ أَنْ يَحْضُرَ شِهَابٌ وَإِلَّا قَتَلَهُ ، وَيَقُولُ : إِنْ لَمْ يَحْضُرِ السُّلْطَانُ شِهَابُ الدِّينِ بِنَفْسِهِ وَمَعَهُ الْعَسَاكِرُ وَإِلَّا خَرَجَتِ الْبِلَادُ مِنْ يَدِهِ . وَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِكَثْرَةِ مَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْجُمُوعِ ، وَمَا لَهُمْ مِنَ الْقُوَّةِ ، فَتَغَيَّرَ عَزْمُ شِهَابِ الدِّينِ حِينَئِذٍ عَنْ غَزْوِ الْخَطَا ، وَأَخْرَجَ خِيَامَهُ وَسَارَ عَنْ غَزْنَةَ خَامِسَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّمِائَةٍ ، فَلَمَّا سَارَ وَأَبْعَدَ انْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُ عَنِ النَّاسِ بِغَزْنَةَ وَفَرْشَابُورَ ، حَتَّى أَرْجَفَ النَّاسُ بِانْهِزَامِهِ . وَكَانَ شِهَابُ الدِّينِ لَمَّا سَارَ عَنْ فَرْشَابُورَ أَتَاهُ خَبَرُ ابْنِ كَوْكَرَ أَنَّهُ نَازِلٌ فِي عَسَاكِرِهِ مَا بَيْنَ جَيْلَمَ وَسُودَرَةَ ، فَجَدَّ السَّيْرَ إِلَيْهِ ، فَدَهَمَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يُقَدَّرُ وُصُولُهُ فِيهِ ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا يَوْمَ الْخَمِيسِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ ، مِنْ بُكْرَةٍ إِلَى الْعَصْرِ ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ ، فَبَيْنَمَا هُمْ فِي الْقِتَالِ أَقْبَلَ قُطْبُ الدِّينِ أَيْبَكْ فِي عَسَاكِرِهِ ، فَنَادَوْا بِشِعَارِ الْإِسْلَامِ ، وَحَمَلُوا حَمْلَةً صَادِقَةً ، فَانْهَزَمَ الْكَوْكَرِيَّةُ وَمَنِ انْضَمَّ إِلَيْهِمْ وَقُتِلُوا بِكُلِّ مَكَانٍ ، وَقَصَدُوا أَجَمَةً هُنَاكَ ، فَاجْتَمَعُوا بِهَا ، وَأَضْرَمُوا نَارًا ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ : لَا تَتْرُكِ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُونَكَ ، ثُمَّ يُلْقِي نَفْسَهُ فِي النَّارِ فَيُلْقِي صَاحِبُهُ نَفْسَهُ بَعْدَهُ فِيهَا ، فَعَمَّهُمُ الْفَنَاءُ قَتْلًا وَحَرْقًا ، ( فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) . وَكَانَ أَهْلُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ مَعَهُمْ لَمْ يُفَارِقُوهَا ، فَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ ، حَتَّى إِنَّ الْمَمَالِيكَ كَانُوا يُبَاعُونَ كُلُّ خَمْسَةٍ بِدِينَارٍ رُكْنِيٍّ وَنَحْوِهِ ، وَهَرَبَ ابْنُ كَوْكَرَ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ إِخْوَتُهُ وَأَهْلُهُ . وَأَمَّا ابْنُ دَانْيَالَ ، صَاحِبُ جَبَلِ الْجُودِيِّ ، فَإِنَّهُ جَاءَ لَيْلًا إِلَى قُطْبِ الدِّينِ أَيْبَكْ ، فَاسْتَجَارَ بِهِ ، فَأَجَارَهُ ، وَشَفَعَ فِيهِ إِلَى شِهَابِ الدِّينِ ، فَشَفَّعَهُ فِيهِ ، وَأَخَذَ مِنْهُ قَلْعَةَ الْجُودِيِّ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُمْ سَارَ نَحْوَ لَهَاوُورَ لِيُأَمِّنَ أَهْلَهَا وَيُسَكِّنَ رَوْعَهُمْ ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالرُّجُوعِ إِلَى بِلَادِهِمْ وَالتَّجَهُّزِ لِحَرْبِ بِلَادِ الْخَطَا ، وَأَقَامَ شِهَابُ الدِّينِ بِلَهَاوُورَ إِلَى سَادِسَ عَشَرَ رَجَبٍ ، وَعَادَ نَحْوَ غَزْنَةَ ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَهَاءِ الدِّينِ سَامَ ، صَاحِبِ بَامِيَانَ ، لِيَتَجَهَّزَ لِلْمَسِيرِ إِلَى سَمَرْقَنْدَ ، وَيَعْمَلَ جِسْرًا لِيَعْبُرَ هُوَ وَعَسَاكِرُهُ عَلَيْهِ .

                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                      الخدمات العلمية