الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      306 ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ عَزْلِ ابْنِ الْفُرَاتِ وَوِزَارَةِ حَامِدِ بْنِ الْعَبَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ ، قُبِضَ عَلَى الْوَزِيرِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْفُرَاتِ ، وَكَانَتْ مُدَّةُ وِزَارَتِهِ هَذِهِ ، وَهِيَ الثَّانِيَةُ ، سَنَةً وَاحِدَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا . وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَخَّرَ إِطْلَاقَ أَرْزَاقِ الْفُرْسَانِ ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِضِيقِ الْأَمْوَالِ ، وَأَنَّهَا أُخْرِجَتْ فِي مُحَارَبَةِ ابْنِ أَبِي السَّاجِ ، وَأَنَّ الِارْتِفَاعَ نَقَصَ بِأَخْذِ يُوسُفَ أَمْوَالَ الرَّيِّ وَأَعْمَالَهَا ، فَشَغَبَ الْجُنْدُ شَغَبًا عَظِيمًا ، وَخَرَجُوا إِلَى الْمُصَلَّى ، وَالْتَمَسَ ابْنُ الْفُرَاتِ مِنَ الْمُقْتَدِرِ إِطْلَاقَ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ الْخَاصِّ لِيُضِيفَ إِلَيْهَا مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ يُحَصِّلُهَا ، وَيَصْرِفُ الْجَمِيعَ فِي أَرْزَاقِ الْجُنْدِ ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُقْتَدِرِ ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ : إِنَّكَ ضَمِنْتَ أَنَّكَ تُرْضِي جَمِيعَ الْأَجْنَادِ ، وَتَقُومُ بِجَمِيعِ النَّفَقَاتِ الرَّاتِبَةِ عَلَى الْعَادَةِ الْأُولَى وَتَحْمِلُ بَعْدَ ذَلِكَ ( مَا ضَمِنْتَ أَنَّكَ تَحْمِلُهُ يَوْمًا بِيَوْمٍ ) ، فَأَرَاكَ تَطْلُبُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ الْخَاصِّ ، فَاحْتَجَّ بِقِلَّةِ الِارْتِفَاعِ ، وَمَا أَخَذَهُ ابْنُ أَبِي السَّاجِ ( مِنَ الِارْتِفَاعِ ) وَمَا خَرَجَ عَلَى مُحَارَبَتِهِ ، فَلَمْ يَسْمَعِ الْمُقْتَدِرُ حُجَّتَهُ وَتَنَكَّرَ لَهُ عَلَيْهِ . وَقِيلَ : كَانَ سَبَبُ قَبْضِهِ أَنَّ الْمُقْتَدِرَ قِيلَ لَهُ : إِنَّ ابْنَ الْفُرَاتِ يُرِيدُ إِرْسَالَ الْحُسَيْنِ بْنِ حَمْدَانَ إِلَى ابْنِ أَبِي السَّاجِ لِيُحَارِبَهُ ، وَإِذَا صَارَ عِنْدَهُ اتَّفَقَا عَلَيْكَ ، ثُمَّ إِنَّ ابْنَ الْفُرَاتِ قَالَ لِلْمُقْتَدِرِ فِي إِرْسَالِ الْحُسَيْنِ إِلَى ابْنِ أَبِي السَّاجِ ، فَقَتَلَ ابْنَ حَمْدَانَ فِي جُمَادَى الْأُولَى ، وَقَبَضَ عَلَى ابْنِ الْفُرَاتِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ . ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ الْعُمَّالِ ذَكَرَ لِابْنِ الْفُرَاتِ مَا يَتَحَصَّلُ لِحَامِدِ بْنِ الْعَبَّاسِ مِنْ أَعْمَالِ وَاسِطَ زِيَادَةً عَلَى ضَمَانِهِ ، فَاسْتَكْثَرَهُ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُكَاتِبَهُ ( بِذَلِكَ ، فَكَاتَبَهُ ) ، فَخَافَ حَامِدٌ أَنْ يُؤْخَذَ وَيُطَالَبَ بِذَلِكَ الْمَالِ ، فَكَتَبَ إِلَى نَصْرٍ الْحَاجِبِ وَإِلَى وَالِدِهِ الْمُقْتَدِرِ ، وَضَمِنَ لَهُمَا مَالًا لِيَتَحَدَّثَا لَهُ فِي الْوِزَارَةِ ، فَذَكَرَ لِلْمُقْتَدِرِ حَالَهُ وَسَعَةَ نَفْسِهِ ، وَكَثْرَةَ أَتْبَاعِهِ ، وَأَنَّهُ لَهُ أَرْبَعُمِائَةِ مَمْلُوكٍ يَحْمِلُونَ السِّلَاحَ ، وَاتَّفَقَ ذَلِكَ عِنْدَ نَفْرَةِ الْمُقْتَدِرِ عَنِ ابْنِ الْفُرَاتِ ، فَأَمَرَهُ بِالْحُضُورِ مِنْ وَاسِطَ ، فَحَضَرَ وَقَبَضَ عَلَى ابْنِ الْفُرَاتِ وَوَلَدِهِ الْمُحَسِّنِ وَأَصْحَابِهِمَا وَأَتْبَاعِهِمَا . وَلَمَّا وَصَلَ حَامِدٌ إِلَى بَغْدَاذَ أَقَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي دَارِ الْخَلِيفَةِ ، فَكَانَ يَتَحَدَّثُ مَعَ النَّاسِ ، وَيُضَاحِكُهُمْ ، وَيَقُومُ لَهُمْ ، فَبَانَ لِلْخَدَمِ وَلِأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْحَوَارِيِّ وَحَاشِيَةِ الدَّارِ قِلَّةُ مَعْرِفَتِهِ بِالْوِزَارَةِ ، وَقَالَ لَهُ حَاجِبُهُ : يَا مَوْلَانَا ! الْوَزِيرُ يَحْتَاجُ إِلَى لُبْسِهِ ، وَجَلْسِهِ ، وَعَبَسِهِ ، فَقَالَ لَهُ : ( تَعْنِي أَنْ ) تَلْبَسَ ، وَتَقْعُدَ ، فَلَا تَقُومَ لِأَحَدٍ ، وَلَا تَضْحَكَ فِي وَجْهِ أَحَدٍ ، وَلَا تُحَدَّثَ أَحَدًا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ حَامِدٌ : إِنَّ اللَّهَ أَعْطَانِي وَجْهًا طَلْقًا ، وَخَلْقًا حَسَنًا ، وَمَا كُنْتُ بِالَّذِي أُعَبِّسُ وَجْهِي ، وَأُقَبِّحُ خَلْقِي لِأَجْلِ الْوِزَارَةِ ، فَعَابُوهُ عِنْدَ الْمُقْتَدِرِ ، وَنَسَبُوهُ إِلَى الْجَهْلِ بِأُمُورِ الْوِزَارَةِ ، فَأَمَرَ الْمُقْتَدِرُ بِإِطْلَاقِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى مِنْ مَحْبِسِهِ ، وَجَعَلَهُ يَتَوَلَّى الدَّوَاوِينَ شِبْهَ النَّائِبِ عَنْ حَامِدٍ ، فَكَانَ يُرَاجِعُهُ فِي الْأُمُورِ وَيَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِ ، ثُمَّ إِنَّهُ اسْتَبَدَّ بِالْأَمْرِ دُونَ حَامِدٍ ، وَلَمْ يَبْقَ لِحَامِدٍ غَيْرُ اسْمِ الْوِزَارَةِ وَمَعْنَاهَا لِعَلِيٍّ ، حَتَّى قِيلَ فِيهِمَا : هَذَا وَزِيرٌ بِلَا سَوَادٍ وَذَا سَوَادٌ بِلَا وَزِيرٍ ثُمَّ إِنَّ حَامِدًا أَحْضَرَ ابْنَ الْفُرَاتِ لِيُقَابِلَهُ عَلَى أَعْمَالِهِ ، وَوَكَّلَ بِمُنَاظَرَتِهِ عَلِيَّ بْنَ أَحْمَدَ الْمَادَرَائِيَّ لِيُصَحِّحَ عَلَيْهِ الْأَمْوَالَ ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِثْبَاتِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ ، فَانْتُدِبَ لَهُ حَامِدٌ ، وَسَبَّهُ ، وَنَالَ مِنْهُ ، وَقَامَ إِلَيْهِ فَلَكَمَهُ . ( وَكَانَ حَامِدٌ سَفِيهًا ) فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْفُرَاتِ : أَنْتَ عَلَى بِسَاطِ السُّلْطَانُ ، وَفِي دَارِ الْمَمْلَكَةِ ، وَلَيْسَ هَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا تَعْرِفُهُ مِنْ بَيْدَرٍ تُقَسِّمُهُ ، أَوْ غَلَّةٍ تَسْتَفْضِلُ فِي كَيْلِهَا ، وَلَا هُوَ مِثْلُ أَكَّارٍ تَشْتُمُهُ ، ثُمَّ قَالَ لِشَفِيعٍ اللُّؤْلُؤِيِّ : قُلْ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَنِّي إِنَّ حَامِدًا إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْوِزَارَةِ ، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا ، إِنَّنِي أَوْجَبْتُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ أَلْفِ دِينَارٍ مِنْ فَضْلِ ضَمَانِهِ ، وَأَلْحَحْتُ فِي مُطَالَبَتِهِ بِهَا ، فَظَنَّ أَنَّهَا تَنْدَفِعُ عَنْهُ بِدُخُولِهِ فِي الْوِزَارَةِ ، ( وَأَنَّهُ يُضِيفُ ) إِلَيْهَا غَيْرَهَا ، فَاسْتَشَاطَ حَامِدٌ وَبَالَغَ فِي شَتْمِهِ ، فَأَنْفَذَ الْمُقْتَدِرُ ، فَأَقَامَ ابْنُ الْفُرَاتِ مِنْ مَجْلِسِهِ ، وَرَدَّهُ إِلَى مَحْبِسِهِ ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى ، وَنَصْرٌ الْحَاجِبُ لِحَامِدٍ : قَدْ جَنَيْتَ عَلَيْنَا وَعَلَى نَفْسِكَ جِنَايَةً عَظِيمَةً بِمَا فَعَلْتَهُ بِابْنِ الْفُرَاتِ ، وَأَيْقَظْتَ مِنْهُ شَيْطَانًا لَا يَنَامُ . ثُمَّ إِنَّ ابْنَ الْفُرَاتِ صُودِرَ عَلَى مَالٍ عَظِيمٍ ، وَضُرِبَ وَلَدُهُ الْمُحَسِّنُ وَأَصْحَابُهُ ، وَأُخِذَ مِنْهُ أَمْوَالٌ جَمَّةٌ . وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ نِزَارٌ عَنْ شُرْطَةِ بَغْدَاذَ ، وَجُعِلَ فِيهَا نَجَحٌ الطُّولُونِيُّ ، وَجُعِلَ فِي الْأَرْبَاعِ فُقَهَاءُ يَكُونُ عَمَلُ أَصْحَابِ الشُّرْطَةِ بِفَتْوَاهُمْ ، فَضَعُفَتْ هَيْبَةُ السَّلْطَنَةِ بِذَلِكَ ، وَطَمِعَ اللُّصُوصُ وَالْعَيَّارُونَ ، وَكَثُرَتِ الْفِتَنُ ، وَكُبِسَتْ دُورُ التُّجَّارِ ، وَأُخِذَتْ بَنَاتُ النَّاسِ فِي الطَّرِيقِ الْمُنْقَطِعَةِ ، ( وَكَثُرَ الْمُفْسِدُونَ ) .

                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                      الخدمات العلمية