الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      معلومات الكتاب

                                                                                      مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

                                                                                      ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      فَصْلٌ هَذَا إِذَا نَظَرْتَ إِلَى تَعَلُّقِ الْفَرَحِ الْإِلَهِيِّ بِالْإِحْسَانِ وَالْجُودِ وَالْبِرِّ . وَأَمَّا إِنْ لَاحَظْتَ تَعَلُّقَهُ بِإِلَهِيَّتِهِ وَكَوْنِهِ مَعْبُودًا فَذَاكَ مَشْهَدٌ أَجَلُّ مِنْ هَذَا وَأَعْظَمُ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا يَشْهَدُهُ خَوَاصُّ الْمُحِبِّينَ . فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا خَلَقَ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ الْجَامِعَةِ لِمَحَبَّتِهِ وَالْخُضُوعِ لَهُ وَطَاعَتِهِ ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي خُلِقَتْ بِهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وَهُوَ غَايَةُ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ ، وَنَفْيُهُ - كَمَا يَقُولُ أَعْدَاؤُهُ - هُوَ الْبَاطِلُ ، وَالْعَبَثُ الَّذِي نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ عَنْهُ ، وَهُوَ السُّدَى الَّذِي نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ أَنْ يَتْرُكَ الْإِنْسَانَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ أَنْ يُعْبَدَ وَيُطَاعَ وَلَا يَعْبَأُ بِخَلْقِهِ شَيْئًا لَوْلَا مَحَبَّتُهُمْ لَهُ ، وَطَاعَتُهُمْ لَهُ ، وَدُعَاؤُهُمْ لَهُ . وَقَدْ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ خَلَقَهُمْ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَأَنَّهُمْ لَوْ خُلِقُوا لِغَيْرِ عِبَادَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَطَاعَتِهِ لَكَانَ خَلْقُهُمْ عَبَثًا وَبَاطِلًا وَسُدًى ، وَذَلِكَ مِمَّا يَتَعَالَى عَنْهُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ، وَالْإِلَهُ الْحَقُّ ، فَإِذَا خَرَجَ الْعَبْدُ عَمَّا خُلِقَ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ ، فَقَدْ خَرَجَ عَنْ أَحَبِّ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِ ، وَعَنِ الْغَايَةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا خُلِقَتِ الْخَلِيقَةُ ، وَصَارَ كَأَنَّهُ خُلِقَ عَبَثًا لِغَيْرِ شَيْءٍ ، إِذْ لَمْ تُخْرِجْ أَرْضُهُ الْبَذْرَ الَّذِي وُضِعَ فِيهَا ، بَلْ قَلَبَتْهُ شَوْكًا وَدَغَلًا ، فَإِذَا رَاجَعَ مَا خُلِقَ لَهُ وَأُوجِدَ لِأَجْلِهِ فَقَدْ رَجَعَ إِلَى الْغَايَةِ الَّتِي هِيَ أَحَبُّ الْأَشْيَاءِ إِلَى خَالِقِهِ وَفَاطِرِهِ ، وَرَجَعَ إِلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ الَّتِي خُلِقَ لِأَجْلِهَا ، وَخَرَجَ عَنْ مَعْنَى الْعَبَثِ وَالسُّدَى وَالْبَاطِلِ ، فَاشْتَدَّتْ مَحَبَّةُ الرَّبِّ لَهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ، فَأَوْجَبَتْ هَذِهِ الْمَحَبَّةُ فَرَحًا كَأَعْظَمِ مَا يُقْدَرُ مِنَ الْفَرَحِ ، وَلَوْ كَانَ فِي الْفَرَحِ الْمَشْهُودِ فِي هَذَا الْعَالَمِ نَوْعٌ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَذَكَرَهُ ، وَلَكِنْ لَا فَرْحَةَ أَعْظَمُ مِنْ فَرْحَةِ هَذَا الْوَاجِدِ الْفَاقِدِ لِمَادَّةِ حَيَاتِهِ وَبَلَاغِهِ فِي سَفَرِهِ ، بَعْدَ إِيَاسِهِ مِنْ أَسْبَابِ الْحَيَاةِ بِفَقْدِهِ ، وَهَذَا كَشِدَّةِ مَحَبَّتِهِ لِتَوْبَةِ التَّائِبِ الْمُحِبِّ إِذَا اشْتَدَّتْ مَحَبَّتُهُ لِلشَّيْءِ وَغَابَ عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ وَصَارَ طَوْعَ يَدِهِ ، فَلَا فَرْحَةَ أَعْظَمُ مِنْ فَرْحَتِهِ بِهِ . فَمَا الظَّنُّ بِمَحْبُوبٍ لَكَ تُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا ، أَسَرَهُ عَدُوُّكَ ، وَحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْعَدُوَّ سَيَسُومُهُ سُوءَ الْعَذَابِ ، وَيُعَرِّضُهُ لِأَنْوَاعِ الْهَلَاكِ ، وَأَنْتَ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ ، وَهُوَ غَرْسُكَ وَتَرْبِيَتُكَ ، ثُمَّ إِنَّهُ انْفَلَتَ مِنْ عَدُوِّهِ ، وَوَافَاكَ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ ، فَلَمْ يَفْجَأْكَ إِلَّا وَهُوَ عَلَى بَابِكَ ، يَتَمَلَّقُكَ وَيَتَرَضَّاكَ وَيَسْتَعِينُكَ ، وَيُمَرِّغُ خَدَّيْهِ عَلَى تُرَابِ أَعِتَابِكَ ، فَكَيْفَ يَكُونُ فَرَحُكَ بِهِ ، وَقَدِ اخْتَصَصْتَهُ لِنَفْسِكَ ، وَرَضِيتَهُ لِقُرْبِكَ ، وَآثَرْتَهُ عَلَى سِوَاهُ ؟ هَذَا ، وَلَسْتَ الَّذِي أَوْجَدْتَهُ وَخَلَقْتَهُ ، وَأَسْبَغْتَ عَلَيْهِ نِعَمَكَ ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الَّذِي أَوْجَدَ عَبْدَهُ ، وَخَلَقَهُ وَكَوَّنَهُ ، وَأَسْبَغَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يُتِمَّهَا عَلَيْهِ ، فَيَصِيرُ مُظْهِرًا لِنِعَمِهِ ، قَابِلًا لَهَا ، شَاكِرًا لَهَا ، مُحِبًّا لِوَلِيِّهَا ، مُطِيعًا لَهُ عَابِدًا لَهُ ، مُعَادِيًا لِعَدُوِّهِ ، مُبْغِضًا لَهُ عَاصِيًا لَهُ ، وَاللَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ مِنْ عَبْدِهِ مُعَادَاةَ عَدُوِّهِ ، وَمَعْصِيَتَهُ وَمُخَالَفَتَهُ ، كَمَا يُحِبُّ أَنْ يَتَوَلَّى اللَّهَ مَوْلَاهُ سُبْحَانَهُ وَيُطِيعَهُ وَيَعْبُدَهُ ، فَتَنْضَافُ مَحَبَّتُهُ لِعِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ ، إِلَى مَحَبَّتِهِ لِعَدَاوَةِ عَدُوِّهِ ، وَمَعْصِيَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ ، فَتَشْتَدُّ الْمَحَبَّةُ مِنْهُ سُبْحَانَهُ ، مَعَ حُصُولِ مَحْبُوبِهِ ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الْفَرَحِ . وَفِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ " عَبْدِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي " وَهَذَا لِكَمَالِ مَحَبَّتِهِ لَهُ ، جَعَلَهُ مِمَّا تُسَرُّ نَفْسُهُ بِهِ سُبْحَانَهُ . وَمِنْ هَذَا ضَحِكُهُ سُبْحَانَهُ مِنْ عَبْدِهِ ، حِينَ يَأْتِي مِنْ عُبُودِيَّتِهِ بِأَعْظَمِ مَا يُحِبُّهُ ، فَيَضْحَكُ سُبْحَانَهُ فَرَحًا وَرِضًا ، كَمَا يَضْحَكُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَفِرَاشِهِ وَمُضَاجَعَةِ حَبِيبِهِ إِلَى خِدْمَتِهِ ، يَتْلُو آيَاتِهِ وَيَتَمَلَّقُهُ . وَيَضْحَكُ مِنْ رَجُلٍ هَرَبَ أَصْحَابُهُ عَنِ الْعَدُوِّ ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ ، وَبَاعَ نَفْسَهُ لِلَّهِ وَلَقَاهُمْ نَحْرَهُ ، حَتَّى قُتِلَ فِي مَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ . وَيَضْحَكُ إِلَى مَنْ أَخْفَى الصَّدَقَةَ عَنْ أَصْحَابِهِ لِسَائِلٍ اعْتَرَضَهُمْ فَلَمْ يُعْطُوهُ ، فَتَخَلَّفَ بِأَعْقَابِهِمْ وَأَعْطَاهُ سِرًّا ، حَيْثُ لَا يَرَاهُ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي أَعْطَاهُ ، فَهَذَا الضَّحِكُ مِنْهُ حُبًّا لَهُ ، وَفَرَحًا بِهِ ، وَكَذَلِكَ الشَّهِيدُ حِينَ يَلْقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَضْحَكُ إِلَيْهِ فَرَحًا بِهِ وَبِقُدُومِهِ عَلَيْهِ . وَلَيْسَ فِي إِثْبَاتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ مَحْذُورٌ الْبَتَّةَ ، فَإِنَّهُ فَرَحٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وَضَحِكٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ رِضَاهُ وَمَحَبَّتِهِ ، وَإِرَادَتِهِ وَسَائِرِ صِفَاتِهِ ، فَالْبَابُ بَابٌ وَاحِدٌ ، لَا تَمْثِيلَ وَلَا تَعْطِيلَ . وَلَيْسَ مَا يُلْزَمُ بِهِ الْمُعَطِّلُ الْمُثْبِتُ إِلَّا ظُلْمٌ مَحْضٌ ، وَتَنَاقُضٌ وَتَلَاعُبٌ ، فَإِنَّ هَذَا لَوْ كَانَ لَازِمًا لَلَزِمَ رَحْمَتَهُ وَإِرَادَتَهُ وَمَشِيئَتَهُ وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ ، وَعِلْمَهُ وَسَائِرَ صِفَاتِهِ ، فَكَيْفَ جَاءَ هَذَا اللُّزُومُ لِهَذِهِ الصِّفَةِ دُونَ الْأُخْرَى ؟ وَهَلْ يَجِدُ ذُو عَقْلٍ إِلَى الْفَرْقِ سَبِيلًا ؟ فَمَا ثَمَّ إِلَّا التَّعْطِيلُ الْمَحْضُ الْمُطْلَقُ ، أَوِ الْإِثْبَاتُ الْمُطْلَقُ لِكُلِّ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ ، وَالتَّنَاقُضُ لَا يَرْضَاهُ الْمُحَصِّلُونَ .

                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                      الخدمات العلمية