الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
جزء صفحة
الْفَصْلُ الثَّالِثُ : وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ وَأَمَّا وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ ، وَامْتِثَالُ سُنَّتِهِ ، وَالِاقْتِدَاءُ بِهَدْيِهِ ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [ آلِ عِمْرَانَ : 31 ] وَقَالَ : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [ الْأَعْرَافِ : 158 ] . وَقَالَ : فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ - إِلَى قَوْلِهِ - تَسْلِيمًا أَيْ يَنْقَادُونَ لِحُكْمِكَ ، يُقَالُ : سَلَّمَ ، وَاسْتَسْلَمَ ، وَأَسْلَمَ ، إِذَا انْقَادَ . وَقَالَ : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ [ الْمُمْتَحِنَةِ : 6 ] الْآيَةَ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ : الْأُسْوَةُ فِي الرَّسُولِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ ، وَالِاتِّبَاعُ لِسُنَّتِهِ ، وَتَرْكُ مُخَالَفَتِهِ فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ . وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ بِمَعْنَاهُ . وَقِيلَ : هُوَ عِتَابٌ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنْهُ . وَقَالَ سَهْلٌ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : عَلَيْهِمْ [ الْفَاتِحَةِ : 7 ] قَالَ : بِمُتَابَعَةِ السُّنَّةِ ، فَأَمَرَهُمْ - تَعَالَى - بِذَلِكَ ، وَوَعَدَهُمُ الِاهْتِدَاءَ بِاتِّبَاعِهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى ، وَدِينِ الْحَقِّ لِيُزَكِّيَهُمْ ، وَيُعَلِّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ، وَيَهْدِيَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، وَوَعَدَهُمْ مَحَبَّتَهُ - تَعَالَى - فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ، وَمَغْفِرَتَهُ إِذَا اتَّبَعُوهُ ، وَآثَرُوهُ عَلَى أَهْوَائِهِمْ ، وَمَا تَجْنَحُ إِلَيْهِ نُفُوسُهُمْ ، وَأَنَّ صِحَّةَ إِيمَانِهِمْ بِانْقِيَادِهِمْ لَهُ ، وَرِضَاهُمْ بِحُكْمِهِ ، وَتَرْكِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ أَقْوَامًا قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نُحِبُّ اللَّهَ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ [ آلِ عِمْرَانَ : 31 ] الْآيَةَ . وَرُوِيَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ، وَغَيْرِهِ ، وَأَنَّهُمْ قَالُوا : نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ، وَنَحْنُ أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ : مَعْنَاهُ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ [ آلِ عِمْرَانَ : 31 ] أَنْ تَقْصِدُوا طَاعَتَهُ ، فَافْعَلُوا مَا أَمَرَكُمْ بِهِ ، إِذْ مَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ طَاعَتُهُ لَهُمَا ، وَرِضَاهُ بِمَا أَمَرَا ، وَمَحَبَّةُ اللَّهِ لَهُمْ عَفْوُهُ عَنْهُمْ ، وَإِنْعَامُهُ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ . وَيُقَالُ : الْحُبُّ مِنَ اللَّهِ عِصْمَةٌ وَتَوْفِيقٌ ، وَمِنَ الْعِبَادِ طَاعَةٌ ، كَمَا قَالَ الْقَائِلُ : تَعْصِي الْإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ! هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لَأَطَعْتَهُ إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ وَيُقَالُ : مَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِلَّهِ تَعْظِيمُهُ لَهُ ، وَهَيْبَتُهُ مِنْهُ ، وَمَحَبَّةُ اللَّهِ لَهُ رَحْمَتُهُ لَهُ ، وَإِرَادَتُهُ الْجَمِيلَ لَهُ ، وَتَكُونُ بِمَعْنَى مَدْحِهِ وَثَنَائِهِ عَلَيْهِ . قَالَ الْقُشَيْرِيُّ : فَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الرَّحْمَةِ ، وَالْإِرَادَةِ ، وَالْمَدْحِ كَانَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ . وَسَيَأْتِي بَعْدُ فِي ذِكْرِ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ غَيْرُ هَذَا بِحَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - . حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْفَقِيهُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَصْبَغِ عِيسَى بْنُ سَهْلٍ ، وَحَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ يُونُسُ بْنُ مُغِيثٍ الْفَقِيهُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ الْجُهَنِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الْجَوْزِيُّ ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ ، وَحُجْرٍ الْكَلَاعِيِّ ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ فِي حَدِيثِهِ فِي مَوْعِظَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي ، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ . زَادَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ بِمَعْنَاهُ : وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ ، يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي ، مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ ، فَيَقُولُ : لَا أَدْرِي ، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ . وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - : صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا تَرَخَّصَ فِيهِ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَحَمِدَ اللَّهَ ، ثُمَّ قَالَ : مَا بَالُ قَوْمٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً . وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : الْقُرْآنُ صَعْبٌ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ ، وَهُوَ الْحَكَمُ ، فَمَنِ اسْتَمْسَكَ بِحَدِيثِي وَفَهِمَهُ وَحَفِظَهُ جَاءَ مَعَ الْقُرْآنِ ، وَمَنْ تَهَاوَنَ بِالْقُرْآنِ وَحَدِيثِي خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ، أُمِرَتْ أُمَّتِي أَنْ يَأْخُذُوا بِقَوْلِي ، وَيُطِيعُوا أَمْرِي ، وَيَتَّبِعُوا سُنَّتِي ، فَمَنْ رَضِيَ بِقَوْلِي فَقَدْ رَضِيَ بِالْقُرْآنِ . قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [ الْحَشْرِ : 7 ] الْآيَةَ . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنِ اقْتَدَى بِي فَهُوَ مِنِّي ، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ فَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ : آيَةٌ مُحْكَمَةٌ ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ . وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - : قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : عَمَلٌ قَلِيلٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي بِدْعَةٍ . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يُدْخِلُ الْعَبْدَ الْجَنَّةَ بِالسُّنَّةِ تَمَسَّكَ بِهَا . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : الْمُتَمَسِّكُ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي لَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقُوا عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، وَإِنَّ أُمَّتِي تَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ ، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً . قَالُوا : وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي . وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحْيَانِي ، وَمَنْ أَحْيَانِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ . وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ : مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي ، فَإِنَّ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً لَا تُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِ النَّاسِ شَيْئًا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية