الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

جزء صفحة
قَالَ الْمُسْلِمُونَ : الْبِشَارَةُ صَرِيحَةٌ فِي النَّبِيِّ الْعَرَبِيِّ الْأُمِّيِّ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لَا تُحْتَمَلُ عَلَى غَيْرِهِ ، لِأَنَّهَا إِنَّمَا وَقَعَتْ بِنَبِيٍّ مِنْ إِخْوَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْفُسِهِمْ ، وَالْمَسِيحُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا هُوَ الْمَسِيحُ لَقَالَ : أُقِيمَ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِهِمْ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَإِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُمْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ ، وَلَا يُقَالُ فِي لُغَةِ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ إِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُمْ إِخْوَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، كَمَا أَنَّ إِخْوَةَ زَيْدٍ لَا يَدْخُلُ فِيهِمْ زَيْدٌ نَفْسَهُ . وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ : نَبِيًّا مِثْلَكَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَاحِبُ شَرِيعَةٍ عَامَّةٍ مِثْلَ مُوسَى ، وَهَذَا يُبْطِلُ حَمْلَهُ عَلَى شَمْوَئِيلَ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ أَيْضًا ، وَيُبْطِلُ حَمْلَهُ عَلَى يُوشَعَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا مِنْ إِخْوَتِهِمْ . الثَّانِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ مُوسَى ، فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ : لَا يَقُومُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مِثْلُ مُوسَى . الثَّالِثُ : أَنَّ يُوشَعَ نَبِيٌّ فِي زَمَنِ مُوسَى ، وَهُوَ كَالِبُ ، وَهَذَا الْوَعْدُ إِنَّمَا هُوَ بِنَبِيٍّ يُقِيمُهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ مُوسَى . وَبِهَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ يَبْطُلُ حَمْلُهُ عَلَى هَارُونَ ، مَعَ أَنَّ هَارُونَ تُوُفِّيَ قَبْلَ مُوسَى ، وَنَبَّأَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ مُوسَى فِي حَيَاتِهِ ، وَيَبْطَلُ ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ رَابِعٍ أَيْضًا وَهُوَ : أَنَّ فِي هَذِهِ الْبِشَارَةِ أَنَّهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتَابًا يَظْهَرُ لِلنَّاسِ مِنْ فِيهِ ، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ بَعْدَ مُوسَى غَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذَا مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّتِهِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ الْمُتَقَدِّمُونَ ، قَالَ تَعَالَى : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَالْقُرْآنُ نَزَلَ عَلَى قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَظَهَرَ لِلْأُمَّةِ مِنْ فِيهِ ، وَلَا تَصِحُّ هَذِهِ الْبِشَارَةُ عَلَى الْمَسِيحِ بِاتِّفَاقِ النَّصَارَى ، لِأَنَّهَا إِنَّمَا جَاءَتْ بِوَاحِدٍ مِنْ إِخْوَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ وَإِخْوَتُهُمْ كُلُّهُمْ عَبِيدٌ لِلَّهِ ، لَيْسَ فِيهِمْ إِلَهٌ ، وَالْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ إِلَهٌ مَعْبُودٌ ، وَهُوَ أَجَلُّ عِنْدِهِمْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِخْوَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْعَبِيدِ ، وَالْبِشَارَةُ وَقَعَتْ بِعَبْدٍ مَخْلُوقٍ يُقِيمُهُ اللَّهُ مِنْ جُمْلَةِ عِبَادِهِ وَإِخْوَتِهِمْ ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا لَا غَايَةَ لَهُ فَوْقَهَا ، وَهَذَا لَيْسَ هُوَ الْمَسِيحُ عِنْدَ النَّصَارَى . وَأَمَّا مَقَالَتُهُمْ أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ أَلِفِ الِاسْتِفْهَامِ ، وَهُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ ، وَالْمَعْنَى ( أَأُقِيمَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ نَبِيًّا مِثْلَكَ ) - عَادَةٌ لَهُمْ مَعْرُوفَةٌ فِي تَحْرِيفِ كَلَامِ اللَّهِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ ، وَقَوْلُهُمْ لِمَا يُبَدِّلُونَهُ وَيُحَرِّفُونَهُ : هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . وَحَمْلُ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ وَالْإِنْكَارِ غَايَةُ مَا يَكُونُ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ . وَهَذَا التَّحْرِيفُ وَالتَّبْدِيلُ مِنْ مُعْجِزَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا عَنِ اللَّهِ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ وَتَبْدِيلِهِمْ ، فَأَظْهَرَ اللَّهُ صِدْقَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى كُلِّ ذِي لُبٍّ وَعَقْلٍ ، فَازْدَادَ إِيمَانًا إِلَى إِيمَانِهِ ، وَازْدَادَ الْكَافِرُونَ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية