الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
142 - وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: "احْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا [سَنَةً] فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ". قِيلَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: "هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ". قِيلَ: فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ فَقَالَ: "مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا". قَالَ حَدَّثَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ "يَزِيدَ" مَوْلَى "الْمُنْبَعِثِ"، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . أَمَّا قَوْلُهُ: احْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا: فَإِنَّ الْعِفَاصَ هُوَ الْوِعَاءُ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ النَّفَقَةُ، إِنْ كَانَ مِنْ جِلْدٍ أَوْ خِرْقَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا يُسَمَّى الْجِلْدُ الَّذِي يُلْبَسُهُ رَأْسُ الْقَارُورَةِ الْعِفَاصَ؛ لِأَنَّهُ كَالْوِعَاءِ لَهَا، وَلَيْسَ هَذَا بِالصِّمَامِ . إِنَّمَا الصِّمَامُ الَّذِي يُدْخَلُ فِي فَمِ الْقَارُورَةِ، فَيَكُونُ سِدَادًا لَهَا. وَقَوْلُهُ: وِكَاءَهَا: يَعْنِي الْخَيْطَ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ" يُقَالُ مِنْهُ: أَوْكَيْتُهَا إِيكَاءً، وَعَفَصْتُهَا عَفْصًا: إِذَا شَدَدْتُ الْعِفَاصَ عَلَيْهَا، فَإِنْ أَرَدْتَ أَنَّكَ جَعَلْتَ لَهَا عِفَاصًا، قُلْتَ أَعْفَصْتُهَا إِعْفَاصًا. وَإِنَّمَا أُمِرَ الْوَاجِدُ لَهَا أَنْ يَحْفَظَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلَامَةً لِلُّقَطَةِ، فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَتَعَرَّفُهَا بِتِلْكَ الصِّفَةِ دُفِعَتْ إِلَيْهِ. وَهَذِهِ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ [ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ] فِي اللُّقَطَةِ خَاصَّةً - لَا يُشْبِهُهَا شَيْءٌ مِنَ الْأَحْكَامِ - أَنَّ صَاحِبَهَا يَسْتَحِقُّهَا بِلَا بَيِّنَةٍ، وَلَا يَمِينٍ، لَيْسَ إِلَّا بِالْمَعْرِفَةِ بِصِفَتِهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ: هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ: فَإِنَّ هَذَا رُخْصَةٌ مِنْهُ فِي لُقَطَةِ الْغَنَمِ. يَقُولُ: إِنْ لَمْ تَأْخُذْهَا أَنْتَ أَخَذَهَا إِنْسَانٌ غَيْرُكَ، أَوْ أَكَلَهَا الذِّئْبُ: أَيْ فَخُذْهَا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَنَا فِيمَا يُوجَدُ مِنْهَا قُرْبَ الْأَمْصَارِ وَلَا الْقُرَى، إِنَّمَا هَذَا أَنْ تُوجَدَ فِي الْبَرَارِي، وَالْمَفَاوِزِ الَّتِي لَيْسَ قُرْبَهَا أَنِيسٌ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الَّتِي تُوجَدُ قُرْبَ الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ، لَعَلَّهَا تَكُونُ لِأَهْلِهَا. [قَالَ "أَبُو عُبَيْدٍ"] : وَهَذَا عِنْدِي أَصْلٌ لِكُلِّ شَيْءٍ يُخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ مِثْلُ الطَّعَامِ وَالْفَاكِهَةِ مِمَّا إِنْ تُرِكَ فِي الْأَرْضِ لَمْ يُلْتَقَطْ فَسَدَ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَخْذِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ: مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يُغَلِّظْ فِي شَيْءٍ مِنَ الضَّوَالِّ تَغْلِيظَهُ فِيهَا. وَبِذَلِكَ أَفْتَى "عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ [ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ] "ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ". وَكَانَ وَجَدَ بَعِيرًا، فَسَأَلَ "عُمَرَ"، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَدْتَهُ فِيهِ، فَأَرْسِلْهُ قَالَ حَدَّثَنَاهُ هُشَيْمٌ، قَالَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ "عُمَرَ" [ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - ] وَقَوْلُهُ: مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا: يَعْنِي بِالْحِذَاءِ أَخْفَافَهَا، يَقُولُ: أَنَّهَا تَقْوَى عَلَى السَّيْرِ وَقَطْعِ الْبِلَادِ. وَقَوْلُهُ: سِقَاؤُهَا: يَعْنِي أَنَّهَا تَقْوَى عَلَى وُرُودِ الْمِيَاهِ تَشْرَبُ، وَالْغَنَمُ لَا تَقْوَى عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا الَّذِي جَاءَ فِي الْإِبِلِ مِنَ التَّغْلِيظِ هُوَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: "ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ". قَالَ حَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ : قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ : "إِنَّا نُصِيبُ هَوَامِيَ الْإِبِلِ". فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ [ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ] : "ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ". وَهَذَا مِثْلُ حَدِيثِهِ الْآخَرِ: "لَا يُؤْوِي الضَّالَّةَ إِلَّا ضَالٌّ". وَبَعْضُ النَّاسِ يَحْمِلُ مَعْنَى هَذَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى اللُّقَطَةِ، يَقُولُ: وَإِنْ عَرَّفَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا. وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَرَى اللَّقْطَةَ مِنَ الضَّالَّةِ فِي شَيْءٍ ؛ لِأَنَّ الضَّالَّةَ لَا يَقَعُ مَعْنَاهَا إِلَّا عَلَى الْحَيَوَانِ خَاصَّةً، هِيَ الَّتِي تَضِلُّ. وَأَمَّا اللُّقَطَةُ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ فِيهَا: سَقَطَتْ أَوْ ضَاعَتْ، وَلَا يُقَالُ: ضَلَّتْ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ فِي أَخْذِ اللُّقَطَةِ عَلَى أَنْ يُعَرِّفَهَا، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي الْإِبِلِ عَلَى حَالٍ، وَكَذَلِكَ الْبَقَرُ وَالْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْهَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، فَيَذْهَبُ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ" وَفِي قَوْلِهِ: "لَا يُؤْوِي الضَّالَّةَ إِلَّا ضَالٌّ". وَأَمَّا حَدِيثُهُ فِي اللُّقَطَةِ: "مَا كَانَ فِي طَرِيقٍ مِيتَاءٍ، فَإِنَّهُ يُعَرِّفُهَا سَنَةً". فَالْمِيتَاءُ: الطَّرِيقُ الْعَامِرُ الْمَسْلُوكُ. وَمِنْهُ حَدِيثُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَ ابْنُهُ "إِبْرَاهِيمُ" فَبَكَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: "لَوْلَا أَنَّهُ وَعْدُ حَقٍّ، وَقَوْلُ صِدْقٍ، وَطَرِيقٌ مِيتَاءُ، لَحَزَنَّا عَلَيْكَ يَا إِبْرَاهِيمُ أَكْثَرَ مِنْ حُزْنِنَا هَذَا". قَوْلُهُ: مِيتَاءُ: هُوَ الطَّرِيقُ، وَيَعْنِي بِالطَّرِيقِ هَا هُنَا الْمَوْتَ: أَيْ إِنَّهُ طَرِيقٌ يَسْلُكُهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: طَرِيقٌ مَأْتِيٌّ، فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ، أَرَادَ: أَنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِ النَّاسُ [كُلُّهُمْ] ، فَيَجْعَلُهُ مِنَ الْإِتْيَانِ، وَكِلَاهُمَا مَعْنَاهُ جَائِزٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "أَشْهِدْ ذَا عَدْلٍ أَوْ ذَوَيْ عَدْلٍ، ثُمَّ لَا تَكْتُمْ، وَلَا تُغَيِّبْ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ". قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنِ الْجَرِيرِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَذَا فِي اللُّقَطَةِ خَاصَّةً، دُونَ الضَّوَالِّ مِنَ الْحَيَوَانِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية