الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ يَعْنِي الْقُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا أَيْ: لَمْ يَجْعَلْهُ مُلْتَبِسًا لَا يُفْهَمُ، وَمُعْوَجًّا لَا يَسْتَقِيمُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الْوَالِبِيِّ ، قَالَ الزَّجَّاجُ : لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ اخْتِلَافًا، كَمَا قَالَ: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا . يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ: قَيِّمًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مُسْتَقِيمًا عَدْلًا. وَهَذَا مِنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَالتَّقْدِيرُ: أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ قَيِّمًا، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، وَقَوْلُهُ: لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لِيُنْذِرَ عَذَابًا شَدِيدًا. وَالْمَعْنَى: لِيُنْذِرَ الْكَافِرِينَ بِعَذَابٍ شَدِيدٍ، مِنْ لَدُنْهُ مِنْ عِنْدِهِ، وَمِنْ قِبَلِهِ، وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ ، عَنْ عَاصِمٍ مِنْ لَدُنِهِ بِشَدِّ الدَّالِ إِلَى الضَّمَّةِ، وَبِكَسْرِ النُّونِ وَالْهَاءِ، وَهُوَ لُغَةُ الْكِلَابِيِّينَ ، وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ ، عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ هَذَا مِنْ لَدُنِهِ فَتَحُوا اللَّامَ، وَضَمُّوا الدَّالَ، وَكَسَرُوا النُّونَ، وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ثَوَابًا عَظِيمًا، وَهُوَ الْجَنَّةُ. مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا مُقِيمِينَ فِي ذَلِكَ الْأَجْرِ، خَالِدِينَ فِيهِ. وَيُنْذِرَ بِعَذَابِ اللَّهِ، الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا قَالَ الْكَلْبِيُّ ، وَالسُّدِّيُّ : يَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : يَعْنِي قُرَيْشًا فِي قَوْلِهِمُ الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ . مَا لَهُمْ بِهِ بِذَلِكَ الْقَوْلِ، مِنْ عِلْمٍ لِأَنَّهُمْ قَالُوا جَهْلًا وَافْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ، وَلَا لِآبَائِهِمْ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ، كَبُرَتْ كَلِمَةً قَالَ الْفَرَّاءُ : كَبُرَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ كَلِمَةً. وَقَالَ الزَّجَّاجُ : كَبُرَتْ مَقَالَتُهُمْ كَلِمَةً. وَكَلِمَةً مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ. وَقَوْلُهُ: تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ أَيْ أَنَّهَا قَوْلٌ بِالْفَمِ، لَا صِحَّةَ لَهُ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا مَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ إِلَّا كَذِبًا. ثُمَّ عَاتَبَهُ عَلَى حُزْنِهِ بِفَوْتِ مَا كَانَ يَرْجُو مِنْ إِسْلَامِهِمْ بِقَوْلِهِ: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ قَالَ جَمَاعَةُ الْمُفَسِّرِينَ: قَاتِلٌ نَفْسَكَ. يُقَالُ: بَخَعَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ إِذَا قَتَلَهَا غَيْظًا مِنْ شَدَّةِ وَجْدِهِ بِالشَّيْءِ. وَقَوْلُهُ: عَلَى آثَارِهِمْ أَيْ: مِنْ بَعْدِهِمْ، أَيْ: مِنْ بَعْدِ تَوَلِّيهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْكَ، إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ يَعْنِي الْقُرْآنَ، أَسَفًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : غَيْظًا وَحُزْنًا. وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَثْرَةِ الْحِرْصِ عَلَى إِيمَانِ قَوْمِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى هَلَاكِ نَفْسِهِ بِالْأَسَفِ. قَوْلُهُ: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا بِمَا عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَشْجَارِ، وَالْمَعَادِنِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَنْوَاعِ الْجَوَاهِرِ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا كُلِّهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ ذِي الرُّوحِ وَالْجَمَادِ، وَقَوْلُهُ: لِنَبْلُوَهُمْ لِنَخْتَبِرَ الْخَلْقَ، وَالْمَعْنَى: لِنُعَامِلَهُمْ مُعَامَلَةَ الْمُبْتَلَى، أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا هَذَا أَمْ هَذَا؟ قَالَ الْحَسَنُ : أَيُّهُمْ أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا، وَأَتْرَكُ لَهَا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ : أَيُّهُمُّ أَصْلَحُ فِيهَا: مَنْ أُوتِيَ مِنَ الْمَالِ فَأَحْسَنَ الْعَمَلَ، أَمَّنْ زَهِدَ فِيمَا زُيِّنَ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا. ثُمَّ أَعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ مُبِيدٌ وَمَفَنٌّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا الصَّعِيدُ: الْمُسْتَوِي مِنَ الْأَرْضِ، وَالْجُرُزُ: الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : بَلَاقِعَ لَيْسَ فِيهَا نَبَاتٌ. وَقَالَ عَطَاءٌ : يُرِيدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَجْعَلُ اللَّهُ الْأَرْضَ جُرُزًا لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ وَلَا نَبَاتٌ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية