الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَقَوْلُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ هَذِهِ الْآيَةُ حَثٌّ لِمَنْ تَثَاقَلَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَذَلِكَ كَانَ فِي زَمَانِ عُسْرَةٍ مِنَ النَّاسِ، وَجَدْبٍ فِي الْبِلَادِ وَشِدَّةٍ مِنَ الْحَرِّ، فَشَقَّ عَلَى النَّاسِ الْخُرُوجُ إِلَى الْقِتَالِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَحَرَّضَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: مَا لَكُمُ اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ التَّوْبِيخُ، وَقَوْلُهُ: إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ إِذَا قِيلَ لَكُمُ اخْرُجُوا إِلَى قِتَالِ الْعَدُوِّ تَثَاقَلْتُمْ إِلَى الْإِقَامَةِ بِأَرْضِكُمْ وَأَحْبَبْتُمُ الْمُقَامَ بِهَا، يُقَالُ: نَفَرَ الْقَوْمُ يَنْفِرُونَ نَفْرًا وَنَفِيرًا. إِذَا خَرَجُوا إِلَى مَكَانٍ لِأَمْرٍ أَوْجَبَ الْخُرُوجَ، وَقَوْلُهُ: أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ قَدَّمْتُمُ الدُّنْيَا عَلَى الْجَنَّةِ. فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قَالَ: يُرِيدُ الدُّنْيَا كُلَّهَا، فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ طَاهِرٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، نَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُسْتَوْرِدَ أَخَا بَنِي فِهْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ فِي الْيَمِّ فَيَنْظُرُ بِمَا يَرْجِعُ " . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ عَلَى تَرْكِ الْخُرُوجِ فَقَالَ: إِلَّا تَنْفِرُوا قَالَ مُقَاتِلٌ: إِلَّا تَخْرُجُوا مَعَ نَبِيِّكُمْ إِلَى الْجِهَادِ. يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هَذِهِ الْآيَةُ خَاصَّةٌ فِيمَنِ اسْتَنْفَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَنْفِرْ، وَقَوْلُهُ: وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ هَذَا اسْتِعْتَابٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأُولَئِكَ الْقَوْمِ، وَوَعِيدٌ لَهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ تَرَكُوا الْغَزْوَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى اللَّهُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ يَنْصُرُ بِهِمْ رَسُولَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَا يَخْذُلُهُ إِنْ تَثَاقَلْتُمْ، ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ تَرَكُوا نَصْرَهُ فَلَنْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ شَيْئًا كَمَا لَمْ يَضُرَّهُ قِلَّةُ نَاصِرِيهِ حِينَ كَانَ بِمَكَّةَ، وَهَمَّ بِهِ الْكُفَّارُ فَتَوَلَّى اللَّهُ نَصْرَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ أَيْ: أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَى أَعْدَائِهِ، إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ قَصَدُوا إِهْلَاكَهُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، وَقَوْلُهُ: ثَانِيَ اثْنَيْنِ قَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، الْمَعْنَى: فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ أَحَدَ اثْنَيْنِ، أَيْ: نَصَرَهُ مُنْفَرِدًا إِلَّا مِنْ أَبِي بَكْرٍ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّعْبِيِّ: عَاتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَهْلَ الْأَرْضِ جَمِيعًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: ثَانِيَ اثْنَيْنِ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ. إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ الْغَارُ ثُقْبٌ فِي الْجَبَلِ عَظِيمٌ، قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ غَارٌ فِي جَبَلِ مَكَّةَ يُقَالُ لَهُ ثَوْرٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَكَثَا فِي الْغَارِ ثَلَاثًا. أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَدْلُ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْعَوْفِيُّ، نَا هَمَّامٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي الْغَارِ: " يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا " . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ حِبَّانَ، عَنْ هَمَّامٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْحَافِظُ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا عَمْرُو بْنُ زِيَادٍ، نَا غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَرْقَسَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: " هَلْ قُلْتَ فِي أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا؟ قُلْ حَتَّى أَسْمَعَ " قَالَ: قُلْتُ: وَثَانِي اثْنَيْنِ فِي الْغَارِ الْمُنِيفِ وَقَدْ طَافَ الْعَدُوُّ بِهِ إِذْ صَاعِدُ الْجَبَلَا وَكَانَ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ عَلِمُوا مِنَ الْخَلَائِقِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ بَدَلًا فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ يَعْنِي: يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا . . أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، نَا يُونُسُ، نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَيُّكُمْ يَقْرَأُ سُورَةَ التَّوْبَةِ؟ قَالَ رَجُلٌ: أَنَا، فَلَمَّا بَلَغَ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا بَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: أَنَا وَاللَّهِ صَاحِبُهُ. أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمِهْرِجَانِيُّ، أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِرُ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْأَزْرَقِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ نُبَيْطٍ يَعْنِي ابْنَ شَرِيطٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَقَالَ عُمَرُ وَأَخَذَ بِيَدٍ أَبِي بَكْرٍ: سَيْفَانِ فِي غِمْدٍ لَا يَصْطَلِحَانِ، ثُمَّ قَالَ: مَنِ الَّذِي لَهُ هَذِهِ الثَّلَاثُ؟ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ مَنْ هُمَا؟ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ مَنْ صَاحِبُهُ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا مَعَ مَنْ؟ قَالَ: فَبَسَطَ يَدَ أَبِي بَكْرٍ وَضَرَبَ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: بَايِعُوا، فَبَايَعَ النَّاسُ أَحْسَنَ بَيْعَةٍ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا خَافَ الطَّلَبَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ قُتِلْتُ فَأَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ وَإِنْ قُتِلْتَ هَلَكَتِ الْأُمَّةُ. فَكَانَ حُزْنُ أَبِي بَكْرٍ شَفَقَةً عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَوْفًا أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ". قَالَ الزَّجَّاجُ: لَمَّا أَصْبَحَ الْمُشْرِكُونَ اجْتَازُوا بِالْغَارِ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا يُبْكِيكَ؟ " قَالَ: أَخَافَ أَنْ تُقْتَلَ فَلَا يُعْبَدُ اللَّهُ بَعْدَ الْيَوْمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، إِنَّ اللَّهَ يَمْنَعُهُمْ مِنَّا وَيَنْصُرُنَا. قَالَ: هَكَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ". فَرَقَأَ دَمْعُ أَبِي بَكْرٍ وَسَكَنَ. رَوَى جَابِرٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ: صَاحِبِي "، وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ فَضْلٍ: مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ أَوْ عُثْمَانُ أَوْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهُوَ كَذَّابٌ مُبْتَدِعٌ، وَمَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ كَافِرًا لِأَنَّهُ رَدَّ نَصَّ الْقُرْآنِ". وَقَوْلُهُ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: عَلَى أَبِي بَكْرٍ: فَأَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَتِ السِّكِّينَةُ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَوَّاهُ بِالْمَلَائِكَةِ يَدْعُونَ اللَّهَ لَهُ. وَالْهَاءُ عَائِدَةٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيَّدَهُ بِمَلَائِكَةٍ يَصْرِفُونَ وُجُوهَ الْكُفَّارِ وَأَبْصَارَهُمْ عَنْ أَنْ يَرَوْهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْكَلْبِيُّ: قَوَّاهُ وَأَعَانَهُ بِالْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ صَرَفَ عَنْهُ كَيْدَ أَعْدَائِهِ وَهُوَ فِي الْغَارِ، ثُمَّ أَظْهَرَ نَصْرَهُ بِالْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَوْلُهُ: وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَعْنِي كَلِمَةَ الشِّرْكِ، السُّفْلَى لِأَنَّهَا سَفْلَتَ فَبَطَلَتْ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ وَهِيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ هِيَ الْعُلْيَا لِأَنَّهَا عَلَتْ وَظَهَرَتْ يَوْمَ بَدْرٍ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: كَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا: مَا قُدِّرَ بَيْنَهُمْ فِي الْكَيْدِ بِهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَلَمْ يَنَالُوا أَمَلَهُمْ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ: وَعْدُ اللَّهِ أَنَّهُ نَاصِرُهُ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ فِي انْتِقَامِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ، حَكِيمٌ فِي تَدْبِيرِهِ. وَقَوْلُهُ: انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: شَبَابًا وَكُهُولًا، وَرَوَى عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: رِجَالًا وَرُكْبَانًا. وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا: خِفَافًا قَالَ: أَهْلُ الْمَيْسَرَةِ مِنَ الْمَالِ، وَثِقَالًا أَهْلُ الْعُسْرَةِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الزَّجَّاجِ قَالَ: مُوسِرِينَ وَمُعْسِرِينَ. وَعَلَى الْعَكْسِ مِنْ هَذَا، قَالَ أَبُو صَالِحٍ: خِفَافًا مِنَ الْمَالِ أَيْ: فُقَرَاءُ، وَثِقَالًا مِنْهُ أَيْ: أَغْنِيَاءُ، وَاخْتَارَهُ الْفَرَّاءُ فَقَالَ: الْخِفَافُ ذَوُو الْعُسْرَةِ وَقِلَّةُ الْعِيَالِ، وَالثِّقَالُ ذَوُو الْعِيَالِ وَالْمَيْسَرَةِ. وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: هَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ أَحَدٍ لِأَنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ مِمَّنْ تَخِفُّ عَلَيْهِ الْحَرَكَةُ، أَوْ تَثْقُلُ، فَهُوَ مِمَّنْ أُمِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالنَّفِيرِ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَسَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نُسِخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِقَوْلِهِ: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً . وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا نَزَلَتِ اشْتَدَّ شَأْنُهَا عَلَى النَّاسِ، فَنَسَخَهَا اللَّهُ وَأَنْزَلَ: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى الْآيَةَ، قَوْلُهُ: وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُوسِرَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ بِالْمَالِ إِذَا عَجَزَ عَنِ الْجِهَادِ بِالْبَدَنِ لِزَمَانَةٍ أَوْ عِلَّةٍ، فَوُجُوبُ الْجِهَادِ بِالْمَالِ كَوُجُوبِهِ بِالْبَدَنِ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَقَوْلُهُ: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ أَيْ: مِنَ التَّثَاقُلِ إِلَى الْأَرْضِ إِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا لَكَمَ مِنَ الْجَزَاءِ وَالثَّوَابِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية